نقد الهِرمينوطيقـــــــــــــا (25)


نقد الهرمينوطيقـــــــــــــا ونسبية الحقيقة والمعرفة واللغة

 

 

السيد مرتضى الشيرازي

موقع الإمام الشيرازي

 

14- مقولة (الشيء في ذاته)

المعنى الرابع عشر من معاني النسبية([1]):

وهو مقولة (الشيء، في ذاته), (أن الشيء كما يبدو لنا، يختلف عن الشيء في حد ذاته). وهذا هو ما ذهب إليه كانط، وسنتوقف عند كلامه بعض الشيء فنقول:

إن هذه المقولة قد يكون المقصود بها:

1: إن العقل النظري لا قابلية له للبحث عن (وإدراك) الموجودات غير الحسية، على العكس من دعاوى علماء ما بعد الطبيعة، الذين كانوا يفترضون قدرة العقل على الوصول إلى أسرار الحقيقة المطلقة.

2: إن العقل لا قدرة له على إدراك بواطن الأمور، بل هو يدرك ظواهرها (كالشكل واللون) فقط، وسيأتي الكلام حول ذلك لاحقاً.([2])

3: وقد يكون المقصود بها: ذلك المفهوم الذي يرتضيه النسبيون الهِرمينوطيقيون أي أن (الشيء في ذاته، لا تناله عقولنا كما هو هو، بل إنه في مسيرته ليتحول إلى "معلومة" في أذهاننا، فإنه يتشكل ويتلون، بلون مسبقاتنا الفكرية وخلفياتنا النفسية).

وبعبارة أدق: لا يتطابق (الشيء كما يبدو لنا مع الشيء في ذاته).

وبعبارة أخرى: الصور الموجودة في الذهن، أو الإدراكات الذهنية، لا تعكس الواقع كما هو، بل قد تضيف عليه، أو تحذف منه، أو تشوهه، أو تكون شيئاً آخر بالمرة.

والناتج من ذلك كله: أنه لا يستطيع أحد أن يدعي أنه وصل للحقيقة كما هي, إذ أن ذلك من المستحيل تماماً، والكل قد يكون مخطئاً في تصوره عن الحقيقة، بل ـ بحسب هذا الرأي: الكل مخطئ حتماً بشكل أو آخر ـ.

وسنناقش فيما يلي هذا المفهوم  الثالث فقط، وإن كانت بعض الأجوبة تنفع للإجابة عن المفهوم الثاني لـ(الشيء في ذاته، والشيء كما يبدو لنا) الذي ذهب إليه (كانط)، بل و المفهوم الأول في الجملة إلا أننا سنقطع النظر الآن عن ذلك المفهوم، ونحيل النقاش فيه إلى موضع آخر.

 

وهذه بعض المناقشات:

أولاً([3]): هذه الثنائية استقراء ناقص

إن هذا التقسيم الثنائي  يعتمد على استقراء ناقص، من وجهين:

فهو استقراء ناقص، من جهة أن منشأ هذه الدعوى، هو تتبُع (بعض القضايا)، وملاحظة أنها كانت كذلك، أي أنها في أنفسها، أمر، وكما بدت لنا (أي متلونة متشكلة على حسب خلفياتنا ومسبقاتنا)، أمر آخر، لكن لنا أن نعترض ونتساءل: على فرض قدرتكم على برهنة ذلك في بعض القضايا، لكن من أين (التعميم)؟ أي من أين لك، وأي دليل وبرهان دلّك على أن كل قضية وكل معرفة ـ حسية أو شعورية([4]) أو عقلية ـ هي كذلك؟

وهل يستطيع أحد أن يقول: إن كافة المعادلات الرياضية والمسائل الهندسية، واقعها شيء، وهي (كما تبدو لنا) شيء آخر؟ وكذلك: (الأوليات) و(الفطريات) وغيرها من البديهيات ـ وقد أشرنا لها في موضع آخرـ؟ وكذلك الكثير من القضايا الطبيعية في (الكيمياء) و(الفيزياء) وغيرها (أي في أصولها والحقائق المسلّمة فيها)، لا أقل من مثل (النار حارة) و(الماء بشكله الأولي سيال)؟

وهو استقراء ناقص، من جهة، أن منشأ هذه (الدعوى) هو ملاحظة (بعض أفراد البشر)، واستقراء حالات بعض العلماء، وهل ينتج الاستقراء الناقص، إلا قضية جزئية؟ فمن أين التعميم، مرة أخرى؟

ولذا نجد (كانط) بنفسه، يعترف في نهاية (التحليل الأسمى), بـ:

(ولعل الله أعطى مخلوقاً آخر، غيرنا فهماً وعقلاً قادراً على إدراك ذوات الأشياء (حقائقها وبواطنها) كما أعطانا قدرة وجدان العوارض (أو الظواهر) ولكن عقلنا مع أنه يحكم بوجود تلك الذوات لكنه لا وجدان له بها، ولا يستطيع أن يدرك إلا الظواهر).([5])

وهذا القول صريح في رفض المفهوم الثاني للمقولة كما سبق، لكن يجري نظيره تماماً في المفهوم الثالث (إذ لعل الله أعطى مخلوقاً آخر فهماً وعقلاً قادراً على إدراك ذوات الأشياء دون تلون وتأثر بالمسبقات والخلفيات).

 

ثانياً: الثنائية تنقض نفسها بنفسها

بل نقول: من أين لك أن تنفي أن تصورك الثنائي هذا (الشيء لذاته، والشيء كما يبدو لنا) ليس إلا (تصوراً بدا لك) فقط؟

وبعبارة أخرى: إن هذا التصور الثنائي ينقض نفسه بنفسه، إذ لو إلتزم بأن هذه القاعدة عامة، لشملت نفسها، فلا يصح القول (أن كل شيء حقاً في حد ذاته، غيره كما يبدو لنا).

بل لابد من التنزل إلى القول: (أنه يبدو لنا: أن كل شيء في حد ذاته، يختلف عنه كما يبدو لنا).

وهذا القول أكثر تواضعاً و(يبدو لنا) أنه الأقرب للحقيقة!

ولو التزم بأن هذه القاعدة غير عامة، فهي إذن باعترافكم غير عامة، وتعني (أن بعض الأشياء قد تكون كما تبدو لنا، مختلفة عنها كما هي عليه في حد ذاتها) وهي قضية بديهية، لا تحتاج إلى أن تثار حولها كل تلك الضجة المعرفية!

 

ثالثاً:  ليس تأثير القبليات قسرياً

إن تأثير القبليات النفسية والمسبقات الفكرية، على (لون المعرفة أو شكلها أو نمطها) ليس تأثيراً جبرياً قسرياً لا يمتلك معه الإنسان حرية التعرف على الحقائق، في الهواء الطلق، حتى لا يكون بمقدوره أبداً بأن (يتجرد) عن القبليات والمسبقات والأهواء، وليس تأثيراً جبرياً فوقياً يسلب الإنسان القدرة على (تحييد) تلك العوامل الضاغطة أو اهمالها، وليس تأثيراً إلزامياً لا فكاك للإنسان عنه، ولا محيص له عنه.

بل إن هذا التأثير مما يمكن للإنسان (مقاومته) بل و(شن الحرب عليه) و(التخلص منه)، وذلك إذا عزم على ذلك وصمم وقرر، ثم راقب بوعي وانتباه تامّين، حركة تفكيره، واحتمالات انفعاله بالمؤثرات، خاصة إذا تسلح بالمضادات والآنتي بيوتيك الفكري؛ فإن عالم المعرفة، كعالم التكوين، لا يخلو من فايروسات ومكروبات وجراثيم (مادية، أو فكرية)، والعلاج هو بالمضادات الحيوية، وكما أن (التخلص) من الجراثيم الطبيعية، قد يكون سهلاً، وقد يكون صعباً، وقد يتطلب ذلك وقتاً، كذلك تماماً (التخلص والتحرر) من (الجراثيم الفكرية) العالقة بالنفس الإنسانية والتي تحجب عنه رؤية الشيء إلا ملوناً بالقبليات والخلفيات والأطر؛ فإنه قد يكون سهلاً وقد يكون صعباً، وقد يتطلب علاجاً بسيطاً، وقد يستدعي علاجاً مركباً معقداً وجرعات عالية، إلا أنه يبقى على أية حال ممكناً، عملياً.

وذلك ما أشار إليه تعالى بقوله: ?وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا?([6]) وبقوله: ?وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً?.([7])

تلك هي المرتبة العليا التي وصل إليها النبي إبراهيم (على نبينا وآله وعليه السلام) أبو الأنبياء، (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ).([8])

وهو ما أشار إليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه سلام الله: (لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً).([9])

وبتعبير آخر:

إن الإيمان بثنائية حديدية قاسرة قاهرة جبرية لـ(الشيء كما هو، والشيء كما يبدو لنا) يناقض الإيمان الوجداني بحرية الإنسان، وحرية إرادته، ويناقض حكم العقل بأن (القبليات) و(الخلفيات) و(العادات) ليست عللاً تامة، بل هي، في أقصى الفروض، (مقتضيات) كما سيأتي.

كما يناقض الإيمان الفطري بقدرة الإنسان على التخلص من (الرواسب) و(العوالق) و(المسبقات).

بل إن نفس إلتفات الإنسان ـ إذا كان فطناً ذكياً ـ إلى وجود مطبِّ كالمسبقات، أو دوّامة كالخلفيات، وإلى خطورة عاملي (المسبقات) و(الخلفيات) كافٍ ليمنح الإنسان دفعةً وطاقة جبارة لـ(التخلص) من هذا (الأخطبوط المعرفي) وهذه الأغلال الفكرية.

نعم يبقى أن البعض يمتلك إرادة فولاذية وعزماً لا يلين لمواصلة المشوار حتى الوصول إلى (التحرر من الأغلال الفكرية والآصار النفسية) وللوصول للواقع كما هو عليه في حد ذاته، والبعض الآخر يستسلم وسط الطريق؛ لعلة أو أخرى، ولكن: (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا).([10])

ومن هنا نكتشف أيضاً دليلاً آخر على ضرورة بعث الأنبياء والرسل ثم الأوصياء؛ إذ أنهم السبب الأكبر ـ إلى جوار العقل ـ للتخلص من المسبقات الفكرية والآصار النفسية التي تشوّه الواقع والحقيقة وتحجب عن البشرية المقدرة على رؤية بواطن الأمور وحقائق الأشياء، كما هي هي، في حد ذاتها.

ولذلك كله قال تعالى في ضمن تعداد الغايات من بعثة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله: ?يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ?([11])، أنها أغلال مادية، ونفسية، ومعنوية فكرية وجسدية، عرفية وقانونية.

بل نقول: إن الواقع الخارجي يشهد أكبر الشهادة على أن الإنسان، بمقدوره التخلص من (الأغلال): (أغلال المسبقات الفكرية والرواسب النفسية)، سواء بـ(هداية) خارجية، أم (بإضاءة) داخلية، أم حتى على العكس تماماً بـ(عناد وتكبر واستعلاء) على الحقيقة.

والدليل على ذلك الألوف بل مئات الألوف بل الملايين، من العلماء والمفكرين والمثقفين والناس العاديين، الذين قاموا بثورة شاملة على كافة (أو بعض) مسبقاتهم الفكرية وأغلالهم النفسية والعاطفية، فتحولوا من دينٍ أو مذهب نشؤوا عليه، وتعلقوا به عاطفياً كأشد ما يكون التعلق، إلى دين آخر، أو من اللادينية نحو التدين، أو العكس.

وكذلك: مئات الألوف من العلماء، ذوي المسبقات الفكرية القطعية، الذين نفضوا عن عقولهم (النظريات العلمية التي اعتبروها بديهية من قبل) واتجهوا إلى إتجاه مناقض تماماً, لاحظ مثلاً نظرية بطليموس في الأفلاك، ونظرية تسطيح الأرض, ونسبية أنشتاين وثورة فريدمان([12])، وكذلك الألوف من المفكرين والمبدعين الذين اتجهوا نحو (تعديل) أو (تكميل) نظريات، أو قواعد، أو مناهج أو معارف، كانت نواقصها أو شوائبها السبب في عدم تطابق (الشيء كما يبدو لنا) مع (الشيء في حد ذاته).

إن ذلك كله دليل على أن (المسبقات) و(الخلفيات) ليست قَدَراً لازماً وقضاءً حتمياً، لا يمكن الفكاك منه، بل إنها خاضعة لعامل (الإرادة الإنسانية) المحتفة بالشروط الموضوعية، من صبر وإناة، وبحث وتنقيب، وتشكيك وتقليب، ومناقشة وحوار.

وبعبارة أخرى: لا تعدو (المسبقات) و(الخلفيات) أن تكون مقتضيات، لا عللاً تامة، وعلى مدعِّي (العليِّة) تقع كُلفة البرهنة، وبعهدته تكون... لكن هيهات... ثم هيهات.

 

رابعاً([13]):  الوجه الآخر: التأثير الايجابي للخلفيات

إن تأثير الخلفيات الفكرية والقبليات والأطر النفسية، ينقسم إلى نوعين: فإن تأثير (الخلفيات) قد يكون تأثيراً سلبياً ضاراً وقد يكون تأثيرها تأثيراً إيجابياً نافعاً، وما نعنيه هنا بالضبط، هو أن الخلفيات والقبليات، ليست بالضرورة كلها مما تعاند الحقيقة، أو مما تشوه الواقع، أو تبتره وتمثَّل به، أو تحيك له أنسجة إضافية كاذبة.

بل إن من الخلفيات والقبليات ـ وما أكثرها ـ ما يدفع بإتجاه جلاء الحقيقة، ووضوحها، أو ما يساعد على تكامل الصورة عن الحقيقة، بل وما يساعد على حذف (الشوائب) والطفيليات الملتصقة بـ(المعرفة) المعبّرة عن (الحقائق) والعاكسة لها، والمتجلية في (الكتب الفكرية) أو (النظريات العلمية) أو (الأطر النفسية)، أو العادات والتقاليد أو غيرها.

وعلى هذا فإن (الشيء كما يبدو لي) لايعد بالضرورة مجانباً للصواب، بل قد يكون الشيء كما يبدو لي هو الشيء في أكمل صُوَرِه وأبهاها، أو قد يكون الشيء كما يبدو لي، هو تلك المعرفة المتجردة عما يشوه الحقيقة الخارجية ويلوثها ويغمطها حقها أو يصفها بصفات أضدادها.

توضيح ذلك: إن الخلفية المعرفية للمتكلم والفيلسوف مثلاً والتي تتكون نتيجة بحوثه ودراساته وتأملاته في (المجرد عن المادة) مثلاً هي التي تساعده على فهم أن (الله) تعالى مجرد عن الشكل والهيئة والزمان والمكان وكافة الحجب المادية ـ سواء ذهب إلى وجود مجردٍ سوى الله تعالى أيضاً، أم لا ـ.

أما الخلفيات المعرفية للقروي أو الصحراوي الذي لم يألف التفكير الراقي ولم يعش في حياته العلمية والفكرية إلا في أجواء المادة، والتراب، والأغنام، والأشجار، والمياه، والحشرات؛ فإنها تدفعه عند التفكير أو الإيمان بالله الواحد الأحد، ليتصور الله تعالى بيدين ورجلين، ووجه وشعر وبشرة، وأنه نتيجة ذلك قد يركب على دابة أو حمار، وأنه يعيش في الأعلى وقد ينزل إلى السماء الدنيا, وهكذا.

وسواء آمن المسلم أو المفكر الهِرمينوطيقي بأن الحق مع الفريق الأول، أو الفريق الثاني، فإنه لا مناص له من أن يعترف بأن واحداً من تينك النوعيتين من الخلفيات كانت هي الدافع بإتجاه كشف الحقيقة والشيء كما هو في حد ذاته، هذا إذا درسنا هذه الظاهرة على ضوء (ما يبدو للمفكر الهِرمينوطيقي).

وإذا درسناها على ضوء (حاق الواقع كما هو) فإنه لا يخلو من أحد الشقين أيضاً؛ لاستحالة إرتفاع النقيضين، كما هو أوضح من أن يخفى على اللبيب.

وكذلك الخلفيات الفكرية والأطر النفسية، لكل من (العادل) و(المنصف) بطبعه، أو الظالم بطبعه فإن الأولى تؤثر في اكتشاف أن عدالة  الله تعالى، هي القاعدة التي لا يحيد عنها الإله الحكيم، وأما الثانية فتؤثر في الأذهان للتتوهم أو لتتصور، أن الله قد يظلم مادام هو الإله الواحد الأحد!

وكذلك الحال في الخلفيات المعرفية لمن يمتلك تصوراً إنسانياً عن المرأة، وأنهن شقائق الرجال، وأنها Sريحانة وليست بقهرمانةR([14])، على العكس ممن يمتلك تصوراً معاكساً، فإن خلفيات الأول المعرفية، تساعده على الوصول لحقيقة النص وتقبل أن: ?عاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ?([15]) كنص إلهي، أو كنص قانوني، أو كحكمة، يستوجب ويعني السماح للمرأة بالذهاب لزيارة أبويها وأرحامها في إطار المعروف، ولا يحق له أن يمنعها عن ذلك.

ولكم أن تتصوروا التأثير المتعاكس (الإيجابي النافع الدافع بإتجاه كشف الحقائق، والضار والمانع) للخلفيات والمسبقات، في كافة النصوص القانونية، أو الشرعية، الصادرة حول القيم الأخلاقية، الإنسانية والسماوية، مثل:

  •  احترام الأبوين

  •  احترام المعلم

  • إكرام الضيف

  • الإيثار والمواساة

  • التعاون والتضامن الاجتماعي

  • أو الواردة حول:

  • السرقة

  • الغصب

  • العنف

  • الاستبداد

  • الاحتيال

وبعبارة أخرى: إن (القبليات) قد تكون ذات منشأ صحيح، حقيقي، وصائب، فتكون ككّشاف ضوء، يقشع الظلام عن (الشيء كما هو) عندما يسلط المرء أشعة تفكيره عليه، فيكون (الشيء كما يبدو لي) مطابقاً (للشيء في حد ذاته وكما هو) تماماً!

ومما يساعد على جلاء ذلك أكثر فأكثر، شواهد من عالم التكوين، فإن (النار كما هي) محرقة ومضيئة دون شك، أما (النار كما تبدو للطفل) فقد تساعده خلفياته المعرفية على تقبل هذه الحقيقة، كما لو تعرض من ذي قبل لتجربة مُرة احترقت فيها أصابع يده، وحينئذٍ يتطابق الواقع (وهو النار، كما هي هي) مع (المعرفة) بأن النار محرقة ومضيئة ببركة تلك الخلفية التجربية السابقة، فتكون (الخلفيات) عاملاً إيجابياً للوصول إلى الحقيقة، أو للإطمئنان بها.

وعالم الطبيعة مليء بألوف الشواهد، على التطابق (الكلي، أو الجزئي في جهة من الجهات) بين الطبيعة كما هي (سواء كانت مادة، أم طاقة، وسواء كانت جماداً أم نباتاً أم حيواناً أم إنساناً، و..) وبين الطبيعة كما تبدو لنا (سواء "تعرفنا" على ذلك في علم الفيزياء أو الكيمياء أو الفلك أو غيرها).

وذلك ببركة (المسبقات الفكرية) و(الخلفيات النفسية)...

فأين تذهبون؟!

 

خامساً:  هناك حقائق تتحدى التلوّن

هنالك حقائق ومعارف عصِيِّة على (التلوّن) بلون (المسبقات الفكرية) أو (التشكل) بشكل النفس المدركة، وتلك الحقائق "تأبى" التشكل أو (التأطر) بإطار ثقافي سواء كان إطاراً لشخص أم مجموعة أم أمة، ومن تلك الحقائق (المقولات الإثنى عشر التي اعترف "كانط" أنها من (الأحكام القبلية العقلية), كما فصلناه في موضع آخر. وبعبارة أخرى: إن درجة (سطوع الحقائق) مختلفة، فإن من الحقائق في سماء المعارف، ما هي كالشمس الضاحية، ومنها ما هي كالشمعة الشاحبة، وكما في عالم التكوين، كذلك في عالم المعرفة؛ فكما قد لا يسمع المرء (صوت الهمسة) وكما قد لا يرى (الأعشى) في الضوء الخافت، كذلك قد لا (يتقبل) أو (يفهم) الإنسان (حقيقة من الحقائق ذات الإشعاع الضعيف) ولنمثل لذلك بقبول بعض تفاصيل عالم البرزخ، أو الآخرة، أو بقبول أن (المساواة) ليست قيمة مطلقة، بل (العدل)؛ لأن النسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه، فلو ناقضت المساواةُ العدالةَ، كانت ظلماً، وكان العامل بها جاهلاً ناقصاً.

وفي الاتجاه المقابل، فإن من الحقائق ما يشرق كألف شمس، وما يسمع دويّه كما يسمع المرء صوت الرعد.

ومن تلك الحقائق: وجود الألم ـ خاصة إذا كان شديداً ـ و(الحزن) و(الفرح) و(الغضب) و(الجوع والعطش)، مما يدركه الإنسان بالحواس الباطنة.

وكذلك: (إننا نفكر) و(نتخيل) و(نتوهم)، أي ندرك المعاني المجردة الكلية وندرك المعاني الجزئية، كما ندرك الصور الجزئية.

ومن تلك الحقائق: استحالة أن نكون قد خلقنا أنفسنا، واستحالة الدور والتسلسل وهكذا.

والحاصل: إن هذه الحقائق من القوة والمِنعة، بحيث لا يحجبها حجاب، وليس بمقدور أية مسبقات فكرية، أو خلفيات نفسية، أن تقوم بعملية (تحوير) أو (تحريف) أو (تشويه) لأصل تلك الحقائق، وإن أمكنها أن تقوم بعملية (مكيجة وتجميل) أو (مُثلة) لبعض التفاصيل، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

ومع أنه يكفي أن نسوق حقيقة واحدة فقط لنقض الكبرى الكلية، التي إدعاها كانت؛ فإن الموجبة الجزئية نقيض السالبة الكلية.

إلا أن بمقدورنا أن نحشد عشرات المعارف بل المئات من الحقائق والمسائل المتوزعة على شتى العلوم الإنسانية وغيرها، ولعل القارئ الكريم يَعثُر في مطاوي هذا الكتاب على الكثير الكثير من الشواهد والأدلة، والمصاديق، ويكفي أن نشير الآن إلى مثالين فقط ـ رغم أنهما ليسا من عالم المستقلات العقلية بل هما من عالم مسائل العلوم الإنسانية، ولذا فإننا نعدهما مثالين تقريبيين وإن صح بوجهٍ اعتبارهما دقيقين:

ففي علم الاقتصاد نجد قانون تناسب العرض والطلب والقيمة والعلاقة المتعاكسة بينهما، فكلما كثر العرض مع ثبات الطلب، أو تناقصه، نقصت القيمة، وكلما زاد الطلب مع ثبات العرض أو تناقصه ارتفعت الأسعار.

ولا مجال للنقض ببعض صور تخلّف القاعدة؛ إذ أنها نتيجة تدخل عوامل أخرى ذات صلة، إنما الكلام في عاملي (العرض والطلب) و(القيم والأسعار) بما هما هما، أي إذا لوحظا كعاملين متغيرين، مع تثبيت وتحييد سائر العوامل، نعم مع تدخل عامل خارجي يوجب (ضبط الأسعار) كضغط الدولة، أو تدخل عامل أجنبي يوجب الزهد في البضائع، كزلازل متتالية، فإن ذلك القانون، يحل محله قانون آخر.

وفي علم النفس والاجتماع نجد قانون (الاستجابة الشرطية) الدالة على أن تكرر مشاهدة عامل أجنبي، مقترناً بالعلة الحقيقية لظاهرة معينة، أو سابقاً لها بقليل، يدفع المشاهِد لتكرار نفس (أو بعض، أو ما يقرب من) ردود الأفعال التي كانت تحدث لديه، لدى مشاهدة العلة الحقيقة لتلك الظاهرة.

وإذا أردنا تحري الدقة العقلية، نقول: إن تأثيرات قانوني (العرض والطلب) و(الاستجابة الشرطية) في مسبباتها المعهودة، إنما هو بنحو (المقتضي) لا العلة التامة، وبذلك يتضح أن ما يُرى من مواطن تخلَّف (القاعدة) فإنما هو لفقد شرط، أو وجود مانعٍ.

 

مواطن اختلاف الأفهام

ولعل هنالك من يعترض فيقول: إن (أفهام الناس) عن (العرض والطلب) و(الاستجابة الشرطية) وغيرهما، (مختلفة) فكل يفهم شيئاً، وما ذلك إلا لتبعية الإدراك والفهم، للمسبقات الفكرية والحالات والكوامن النفسية.

ونقول في الجواب: إن اختلاف الأفهام هذا، قد يكون عائداً للجهل، لا للتلوين وإعادة التشكيل، وقد يكون موطنه ومحوره التفاصيل، لا الأصل، وقد يكون الاختلاف في (المصاديق) لا (المفاهيم)؛ إذ قد يكون المفهوم واضحاً إلا أن الاختلاف والخلاف والتشكيك إنما هو في المصاديق.

توضيح ذلك: إن ما يتوهمه الهِرمينوطيقي اختلافاً في (عامل الإدراك) وكونه ناتجاً عن (المسبقات الفكرية) أو (العوامل النفسية) لا إطلاق له، ولا عمومية أو شمولية لذلك؛ إذ:

أ: قد يكون منشأ الاختلاف عدم وضوح التصور أو عدمه أصلاً فيعقبه عدم التصديق والتشكيك أو الإنكار (عدم فهم السامع لمعنى العرض والطلب مثلاً، أو لمعنى الاستجابة الشرطية) فيرفض تبعاً لذلك "القاعدة"، لكن رفضه هذا لا ينفع القائل بالنسبية، لأنه رفض نابع عن جهل، لا عن (معرفة متلونة)، كما أن علاج الجهل معروف وسهل وهو التعلّم والتعليم.

ب: وقد يكون الاختلاف في (التفاصيل) و(الحدود) و(الحواشي) و(المكملات) دون (الأصل) و(الجوهر) و(ذات الحقيقة)؛ ذلك أن أصل القاعدة قد تكون عصِّيةً على (التلوّن) بالمسبقات الفكرية أو التشكل على حسب الخصوصيات النفسانية، ومن دون أن تكون التفاصيل كذلك، فكيف ينقض ذاك بهذا؟ وكيف تُعمّم ثنائية (الشيء في حد ذاته) هو (غير الشيء كما يبدو لنا)؟

ج: وكثيراً ما يكون الاختلاف في (المفردات) و(المصاديق)، دون (المفهوم) و(الكلي)، لكن ذلك يبعث على الاعتقاد خطأً، بأن ذاك هو هذا!

وبعبارة أصولية: الشبهة قد تكون مفهومية، وقد تكون مصداقية، فقد نشك مثلاً في المياه الزاجية والكبريتية، أنها مياه أم لا([16])، فهذه شبهة عائدة للمفهوم.

وقد نشك في هذا الإناء الخارجي، أن السائل الموجود فيه([17])، هل هو ماء، أم عصير، أي هل هو ماء مطلق أو مضاف، أو هل هو ماء أو خل؟

والتحقيق: أن الخلاف في كافة المستقلات العقلية، قد يكون نابعاً من ذلك، ألا ترى إتفاق العقول على أن (العدل حسن)، إلا أن الخلاف والاختلاف قد يكون في (المصاديق) وأن هذا عدل أو ظلم، وذلك كإعطاء المرأة ـ في بعض الصور ـ نصف إرث الرجل.

 

سادسا: تطور العلوم يتجاوز (الثنائية) تدريجياً([18])

إن (تكامل العلوم) وتطور العلم والتكنولوجيا والأجهزة العلمية، كل ذلك يقضي بالتدريج ولكن باستمرار وفي حركة تصاعدية، على ثنائية (الشيء كما هو، أو الشيء في حد ذاته) و(الشيء كما يبدو لنا)؛ ذلك أن الفاصل بين الشيء كما هو في واقعه، والشيء كما يبدو لنا، يعني بنفس النسبة، الجهل بالحقيقة، وحركة العلوم أثبتت أن لها الكلمة العليا في القضاء ـ وأن التدريجي ـ على الجهل بكافة أشكاله وألوانه.

إن تكامل العلوم والمسيرة الإنسانية، سوف يفرز النتائج التالية:

أ: المقدرة على السيطرة على "اللا وعي" أو "الوعي الباطني" وعلى  المسبقات الفكرية، والخلفيات النفسية.

ويشهد لذلك التطور الذي أحرزته علوم، كعلمي النفس، والاجتماع، وعلوم كعلمي الأعصاب، والمخ.

ذلك أن (علم النفس) مثلاً يقوم بدور (الكشّاف) في مجاهيل النفس، كما يقوم (الدليل) بدور المرشد في مجاهيل الغابة أو الصحراء. وكلما تكامل هذا العلم أكثر فأكثر، كانت دلالته أشمل وأوضح وأصح وأدق.

ب: الاقتراب من بواطن الأشياء أكثر فأكثر، والتحول من المعرفة السطحية لـ: الـ(فنومن) والظواهر، إلى المعرفة العميقة لـ: الـ(نومن) والبواطن وحقائق الأمور و(الشيء في ذاته).

ومما يوضح ذلك معرفة الإنسان أكثر فأكثر بواقع وخصائص الأجسام والجُزيئات والإلكترونات، والبروتونات،  وبواقع (النور) وفوتوناته.

والذي يساعده على ذلك إختراع آليات أكثر تطوراً للوصول إلى بواطن الأشياء، كالمجهر (المكروسكوب)، وكدراسة الاشياء عبر مختلف أنواع الأشعة والذبذبات، التي تُوَجَّه إلى ظاهره وباطنه (كأشعة الليزر، وجاما، والأشعة السينية، والكهرو مغناطيسية، وغيرها).

كما يساعده على ذلك اختراع أجهزة قادرة على حل المعادلات المعقدة والمتشابكة والمعمقة، بسرعة مذهلة تفوق سرعة الفكر البشري العادي، بما لا يتصور.

وأوضح مثال لذلك: ما توصل إليه العلماء حديثاً من صناعة الحاسوب (الكمبيوتر) قادر على إجراء ألفين وخمسمائة تريليون عملية بالثانية، ولا يعتمد هذا الرأي بالضرورة، على إنقلاب (الكمية) إلى (كيفية)، وتحول العدد إلى كيف، بل إن هذه العمليات بذاتها قد تتناول أعماق (الذرة) و(الجينات الوراثية) و(الفوتونات) وغيرها.

 

 سابعاً: بدائل العلم الاكتسابي([19])

إن الوصول لحقائق الأشياء وبواطنها وبدون تلّون بالخلفيات أيضاً، لو استعصى على (العلم) فرضاً، فإنه ليس لمدّع أن يدعي أنه مستعصٍ على السبل الأخرى لكشف الحقيقة.

إن (العلم) قد لا يستطيع أن يهدم الحاجز ويقضي على الفاصل بين (الشيء في حد ذاته) و(الشيء كما يبدو لنا) وقد لا يكون بمقدوره توفير الضمان للتطابق بين ما أدركناه من الشيء وبين ما هو عليه حقاً، لكن ليس للعالِم ما دام عالماً أن ينفي قدرة الطرق الأخرى على الوصول لحقائق الأشياء وبواطنها، واختراق حجب المكتنِفات والحواجز، والوصول للبواطن والأعماق، وللشيء في حد ذاته، وكما هو، والطرق الأخرى هي:

1: الوحي

2: الإلهام بالمعنى الأعم

3: الرياضات النفسانية

4: العلم الحضوري([20]) حيث إن (العلم الحضوري) يعني حضور ذات المعلوم بشراشر وجوده وحقيقته، لدى العالم.

وذلك مما يستدعي البحث عنه، مقاماً آخر، وسنشير إلى بعضها في الجواب القادم بإذن الله تعالى.

هذا مع قطع النظر عن أن العلم بنفسه، قد يتطور، ليصل إلى أعماق ذاته وبواطنه، وبإزاحة عامل التلون بالخلفيات والمسبقات، كما هو حصيلة الجواب السابق.

 

 ثامناً: مرجعيات (المعرفة)([21])

لا ريب في أن الشيء كما نفهمه أو كما يبدو لنا، قد يعكس في بعض الاحيان، صورة مغايرة عن الواقع، فلا يكشف (الإدراك) بأمانة وصدق عن واقع الشيء أو الشيء في حد ذاته وكما هو.

لكن (الخالق) جل اسمه، كما خلق (مرشِّحات) في عالم التكوين، كذلك خلق (مرشحات) في عالم المعرفة، أو إن شئت فقل: خلق (مرجعيات)([22]) ـ أحدها نور العقل ـ مهمتها تصفية الشوائب، وتصحيح مسار (المعلومة)، وصقل مرآة الفكر، لكي يتطابق (الإدراك) مع (المدرَك) ولكي يكون الشيء ـ المتلون والمتلوث بالقبليات ـ كما بدا لنا أولاً، مطابقاً للشيء كما هو هو بعد مروره بمصفاة العقل، ثانياً.

فكما أن (العقل) ـ وهو إحدى المرجعيات ـ قادر على تصحيح أخطاء الحواس (كرؤية الجسم البعيد، صغيراً، ومشاهدة إلتقاء الخطين المتوازيين في إمتداد البصر، وتصور الجسم المنطلق بسرعة كبيرة، ذا امتداد كخطٍ طويل، أو الجسم المتحرك في دائرة، كدائرة متصلة).

كذلك فإن العقل قادر على تصحيح أخطاء (التفكير) و(الإدراك) و(المعرفة) وإذا كان (العلم) أو الذهن غير قادر ـ على حد زعم كانط ـ على الوصول إلى حقائق الأشياء وبواطنها، فإن ذلك لا ينفي وجود قوى أخرى، ستأتي الإشارة إليها ـ قادرة على ذلك، وبعبارة أخرى: إن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم.

 

ومن المرجعيات:

أ: مرجعية الفطرة والوجدان

(الفطرة) و(الوجدان), ولذا نجد أن الإنسان كلما انحرف عن (الحقائق الفطرية)، صرخ به صارخ الفطرة، ووخزه الضمير والوجدان، فأعاده إلى (أحضان الحقيقة).

ولذا نجد أن (المصالح) و(الشياطين) و(العادات والتقاليد) قد تزين للضالين (قتل الأبرياء) فيتحول (ما هو قبيح في حد ذاته) إلى (حسن كما يبدو له) (أفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً)([23])، إلا أنه، وبعد فترة تطول أو تقصر، تنقشع عن عينية حجب الظلام ويبدأ وجدانه يعنِّفُه، وضميره يوخزه، وفطرته تؤنبه، وهذا مثال واضح على مرجعية (الوجدان).

ومن أوضح الأمثلة على (مرجعية الفطرة): الردّ الفطري البديهي الواضح على (السوفسطائي) الذي ينكر وجود العالم، ووجود ذاته، ووجود أي شيء، ويقول: كل هذه أوهام وأحلام وأساطير.

إن (الفطرة) تشكل (مرجعية) أكيدة لكل البديهيات، ولولاها لإنهار النظام المعرفي كله، ولم تبق هنالك (أشياء) حتى نقول أن لها ظواهر (فنومن) وبواطن (نومن) وأنها كما تبدو لنا تختلف عنها كما هي في حد ذاتها)؟! فلا التفاحة موجودة، ولا حمرتها أو رائحتها ولا غير ذلك!

 

ب: مرجعية العقل

(العقل) فإن العقل (نور)، وما أكثر ما كان (العقل) مرجعاً لتصحيح أخطاء الحواس الظاهرة أو الباطنة، وما أكثر ما كان مرجعاً لتصحيح أخطاء ما توهمه الناس (علماً)، وقد فصلنا الحديث عنه في كتاب (الضوابط الكلية لضمان الإصابة في الأحكام العقلية).

 

ج: مرجعية الأنبياء والأوصياء

ومن المرجعيات (الأنبياء والرسل والأوصياء). وبذلك نكتشف برهاناً جديداً ـ أو طريقة عرض جديدة ـ على ضرورة بعثة الأنبياء ووجود الأئمة من بعدهم والأوصياء، وعنوان البرهان: أنه لابد للخالق الذي خلق الكون والبشرية، لغاية، وهي:

1- التكامل بالعبادة.

2- والرحمة.

3- والعلم([24]).

ولذلك وضع لهم قوانين، ونهج لهم مناهج، وعرفهم النافع لدينهم ودنياهم، وحذرهم من الضار([25])، وأراد منهم العلم والمعرفة بالكثير من الحقائق الغيبية والمادية، ويسَّر ذلك لهم، قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)([26])، و: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ)([27]) وفي الحديث: (وسِر في ديارهم وآثارهم، فانظر فيما فعلوا..)([28])، وما أكثر أوامر التعلم والعلم والمعرفة في القرآن الكريم والروايات الشريفة، خاصة مع إحاطته تعالى بأن (الخلفيات النفسية) و(القبليات الفكرية والمعرفية) كثيراً ما تؤثر في تشويه المعرفة، وتقطيع الحقيقة أو تلويثها، أو تغيير الواقع؛ لابد له ـ بالنظر لحكمته، ورحمته، ولطفه، وجوده وكرمه ـ من أن يخلق (مرجعية) فكرية  ـ عقدية ـ علمية، عملية شاملة، وقد فَعَلَ، ولذلك قال تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها)([29]) والتفصيل يطلب من (علم العقائد والكلام والفلسفة).([30])

ولنكتف ههنا بإشارة واحدة فقط في هذه الآية الشريفة، وهي:

إن ?عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا? قد يستظهر منها أن لها بعدين: بعداً كمياً وبعداً كيفياً، ففي بعد الكم يستظهر أنه تعالى علّمه أسماء كافة الأشياء من مجردات وماديات، ومن جواهر وأعراض، ومن أفكار ومفاهيم وعلوم وغيرها.

وفي البعد الكيفي يستظهر أن تعليمه لم يكن تعليماً سطحياً، كمعلوماتنا، أي لم يكن علماً ظاهرياً بمظاهر الأشياء وظواهرها و(ما يبدو لنا منها) بل كان أيضاً علماً واقعياً ببواطن الأشياء وأعماقها و(الشيء كما هو في حد نفسه)، أي كان علمه مما يحيط بالشيء كماً وكيفاً وجهة.

والحاصل أن (عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا) له عموم أفرادي، وإطلاق أحوالي وأزماني.

بل قد يقال: إن علمه بالأسماء كان على نحو أسمى من العلم الذي يوجد لدينا بأسماء الأشياء، ولعله كان نوعاً من العلم الحضوري، والله العالم.

والحاصل: أن علم آدم بالأسماء، كان علماً مطلقاً، لا ترتقي إليه النسبية بوجه أبداً، فكان:

(أ) شاملاً كاملاً.

(ب) قطعياً يقينياً لا ظنياً.

(ج) مصيباً مائة بالمائة لا مخطئاً في أصل القضية أو في جهة من جهاتها.

(د) غير متغير بتغير الظروف والأحوال أو حدوث الطواري أو تغير الأزمان.

(هـ) وكان ذا معايير موضوعية تضمن له مطابقة الواقع، وذا منهجية واقعية علمية ربانية.

(و) وكانت الأسماء ـ أو اللغة الحاملة لتلك المعاني إن كان ثمت لغة ـ لغة مطلقة غير نسبية.

(ز) وكانت مما تتناول ظواهر الوجود وبواطنه، فقد تطابق لديه (الشيء كما يبدو له) مع (الشيء في حد ذاته).

وقد جاء في تفسير العياشي عن أبي عبد الله سلام الله عليه، في الجواب عن سؤال أبي العباس قال:

سألته عن قول الله: (عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا)([31]) ماذا علّمه؟ قال: (الأرضين والجبال والشعاب والأودية ـ ثم نظر إلى بساط تحته وقال: ـ وهذا البساط مما علمه)([32]) وظاهر الرواية (الأرضين و..)، إنه تعالى علّم آدم حقائقها وظواهرها وبواطنها وقوانينها إلى غير ذلك، أي كافة شؤونها وما يرتبط بها، وقال: (إن الله تبارك وتعالى علم آدم عليه السلام أسماء حجج الله كلها ثم عرضهم وهم أرواح على الملائكة...) ([33]) كما في المعاني.

 

د: مرجعية قواعد من المنطق

ومن المرجعيات (الكثير من قواعد المنطق). فمثلاً قواعد إنتاج القضايا المسماة بـ(الإشكال الأربعة)، تعد مرجعية لا تقبل الجدل.

فإن إيجاب (الصغرى) مع كلية (الكبرى) ويرمز إليه بـ(مغكب)، لا ريب أنه ينتج كبرى كلية، كلما كان القياس من (الشكل الأول): الأوسط محمول في الصغرى وموضوع في الكبرى.

وكذلك فإن اختلاف المقدمتين بالسلب والإيجاب، مع كلية الكبرى، ويرمز إليه بـ(خينكب)، لابد أن ينتج قضية دائمية في (الشكل الثاني للقياس): وهو ما كان الأوسط محمولاً في المقدمتين معاً.

وكذلك فإن كون الصغرى، موجبةً، مع كلية إحدى المقدمتين ويرمز إليه بـ(مغكاين)، لابد أن ينتج كبرى كلية، في الشكل الثالث: ما كان الأوسط موضوعاً في المقدمتين.

كذلك فإن شرط إنتاج الشكل الرابع هو أن لا يتألف من سالبتين أو جزئيتين أو من سالبة صغرى وجزئية كبرى، وأن لا تكون إحدى مقدماته سالبة جزئية، وأن تكون الصغرى كلية إذا كانت المقدمتان موجبتين، وهو ما يرمز إليه بـ(مينكغ) أو (خينكاين).

وكذلك من القواعد المسلَّمة في الإنتاج: قواعد (العكس المستوي) فإن :

(1) الموجبة الكلية تنعكس موجبة جزئية.([34])

(2) الموجبة الجزئية تنعكس موجبة جزئية.([35])

(3) السالبة الكلية تنعكس سالبة كلية.([36])

(4) السالبة الجزئية لا عكس لها.([37])

ولا يتوهم أن العلم الموجبة الكلية قد تنعكس كلية؛ إذ نجيب أن ذلك صحيح مع توفر العلم الخارجي بالتساوي، والكلام هو في (الإطِّراد) وأن الموجبة الكلية يصدق أبداً عكسها إلى موجبة جزئية، فتتخذ قاعدة لاستنباط المجهول، ولا تصدق إلا أحياناً بعكسها إلى كلية، فلا تتخذ قاعدة لاقتناص المجهول.

وبذلك تتضح الإجابة أيضاً عن شبهة أن السالبة الجزئية لا تنعكس.

وكذلك الحال في قواعد (عكس النقيض) وهو (تبديل كل من الموضوع والمحمول بنقيض الآخر مع بقاء الكيف، وفرض صدق الأصل) ـ وهي طريقة القدماءـ.([38])

أو (تبديل الموضوع بنفسه إلى محمول، وتبديل نقيض المحمول إلى موضوع، مع فرض صدق الأصل) وهي طريقة المتأخرين.([39])

 

هـ: مرجعية العلم الحضوري

ومن المرجعيات (العلم الحضوري) فإن (العلم([40]) الحصولي) يحتمل فيه الخطأ، أما (العلم الحضوري) فإنه لا يحتمل فيه الخطأ، بل لا يعقل الخطأ فيه؛ لأنه حضور المعلوم بنفسه لدى العالم، ولا معنى محصَّل له (الخطأ) في عالم الثبوت نفسه، بل الخطأ ينشأ من توهم تطابق عالم الإثبات مع عالم الثبوت.

وعلى أي؛ فإن (العلم الحضوري) متى حصل يعد (المرجعية) لتصحيح أخطاء العلوم الحصولية، أي كل علم نتج عن الخطأ في الفكر، أو الحواس، أو عن إكتناف القضية بالمسبقات والخلفيات.

ويتضح ذلك عبر تبسيطه بالمثال الآتي، فإن معلومات الشخص، عن القوة الغضبية، تخضع للتصحيح، كلما تأجج غضب الشخص فحضر لدى ذاته نفس المصداق الحقيقي لـ(الغضب) أي إذا ثار غاضباً، فإنه عندئذٍ وبمراقبة هذه القوة الغضبية وقتَ تأججها وحضورها لديه بذاتها، يستطيع أن يعرض صوره الذهنية المسبقة عن الغضب، ليكتشف الصواب من الخطأ، والمثال التقريبي([41]): رقابة الأطباء للمريض في حالة تقلباته النفسية والصحية.

والأمر كذلك، في كل من (قطع بعدم وجود الخالق)، فإنه وفي مواجهة أي خطر عظيم وفي أي منعطف خطير مصيري، كإرتجاج شديد للطائرة، وسقوطها السريع، أو تلاعب الأمواج العاتية بالسفينة وكأنها ريشة في مهب الأعاصير؛ فإنه عندئذٍ تتلاشى (صوره الذهنية، وعلومه الخاطئة، ورفضه لوجود الله، ليحل محله الإحساس الوجداني الفطري، بوجوده جل وعلا).

قال تعالى: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ& فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا...).([42])

وذلك كله، على مسلك مشهور الفلاسفة والمتكلمين، الذين أذعنوا بتحقق العلم الحضوري، للإنسان.

لكننا ارتأينا غير ذلك، وارتضينا أن العلم (نور يقذفه الله في قلب من يشاء)([43]) وأنه ليس بالحصول ولا بالحضور، وقد فصلنا الحديث عن ذلك في (الحجة، معانيها ومصاديقها) وفي (مباحث الأصول ـ القطع) بالمناسبة، فلا ضرورة للتكرار.

وعلى أي، فإن (المرجعية) على مسلكنا هذا تكون لذلك (النور) بدل (العلم الحضوري)، وذلك ما يشهده كل إنسان عندما يتنبه فجأة من غَفلةٍ مُرة طويلة، تحكمت فيه؛ ولذا نجد كثيراً من العلماء (يؤمنون بالله تعالى) إثر صدمة معينة.

ومثاله العرفي (النور) الذي ينقدح فجأة في ذهن المرء، فيكشف له خيانة صديق له والتي استمرت ـ لربما ـ لعشرات السنين.

 

و: مرجعية الطبيعة

كما أن من (المرجعيات)، (الطبيعة) بنفسها، وذلك عبر نظام ردود الأفعال والآثار الوضعية والانعكاسات التكوينية.

 

تاسعاً: الحقائق الشفافة

إن (الحقائق) إنما يتعقل فيها ثنائية (الشيء في حد ذاته والشيء كما يبدو لنا) لو كانت ذات بعدين: ظاهري شكلي (يتكون من لون وحجم وشكل مما يحس بالحواس الخمس) وداخلي باطني خفي مستتر، أما الحقائق (الشفافة) فلا، ونعني بالحقائق الشفافة الحقائق التي يكون ظاهرها عين (أو كاشف عن) باطنها من غير أن تتركب من أجزاء خارجية ظاهرية أو باطنية، أو تلك البسيطة التي لا شكل أو لون أو حجم أو طعم أو ملمس لها، وذلك مثل: (الحقائق المنطقية)([44]) و(الأحكام العقلية)([45]) و(المستقلات العقلية)([46]) ومثل المجردات، فتأمل.

أو نقول: إن ثنائيته ترتد عليه حينما يكون الحديث عن (الظاهر) نفسه، دون الباطن، أي عندما نتحدث عن ما يناله الحس مباشرة، أي عندما يكون الحديث عن (الشكل) و(الحجم) مثلاً، فهل يعتبر إدراكنا لها أيضاً (ثنائياً) أم واقعياً؟ أم يراها مثل أو من (قبلياته الاثني عشر)؟

ولا يخفى أن هذا الاعتراض وارد على التفسير الثاني لتلك الثنائية.

 

عاشراً: مصنوعات البشر

إن مما يستدل به على نسف تلك الثنائية ورفض التغاير الحتمي بين (الشيء في ذاته) وبين (الشيء كما يبدو لنا) هو: أن من الممكن للبشر والمقدور لهم ـ بل قد فعلوا ذلك ـ صنع أدوات وأجهزة وأشياء ذات جواهر وأعراض، أو ذات حقيقة واحدة وخواص متشابهة.

ويظهر ذلك في الحقائق التركيبية ذات الوحدة العرفية والاعتبارية.

ألَم يصنع البشر: الكمبيوتر؟ وجهاز التلفاز والإذاعة؟ بل ألم يستنسخ البشر النعجة (دولّي) بل والإنسان أيضاً؟ وألم يحوّل مادة إلى مادة أخرى، أو إلى طاقة؟

إن (الشيء في حد ذاته) إذا لم يكن مما يمكن للبشر أن يناله، بأي وجه من الوجوه، فكيف صنعه؟ وكيف صنع مثله؟

وهذا الاعتراض مما يسجل على كلا تفسيري تلك الثنائية([47])؛ إذ إذا كان (الباطن والجوهر) علة (الظاهر) كما يعترف به كانط، فكيف يصنع البشر جهازاً متكاملاً يضم الجوهر والظاهر، ويحظى بنسبة نجاح 100% وهو لا يدرك الباطن والجوهر بوجه من الوجوه؟ وهل يعقل أن تكون العلة ـ أو ما هو بمنزلتها ـ جاهلاً تمام الجهل بالمعلول؟

وكيف للبشر أن يصنع ذلك الجهاز، والحال أن ما حضر لديه من انعكاسات الشيء (أي صورته العلمية الإدراكية عنه) مختلف عن الشيء في حد نفسه وكما هو هو؟ كيف ينتج ذلك الجهاز ويوصل للأهداف المتوخاة بالضبط، دون أن تصح وتتطابق معلومات صانعه عن الشيء، مع الشيء في حد ذاته؟

لكن لعله يمكن التصدي لهذا الإعتراض عبر التمسك بأن البشر ههنا ليس إلا علة معدة، ثم إنه الفاعل للعلة الصورية لا للعلة المادية والجوهر، فتأمل.

هذا وسنعود في آخر البحوث، للتوقف عند مقولة (الشيء في ذاته) مرة أخرى بإذن الله تعالى.

 

1/ ذو القعدة/1438هـ


([1]) لا يخفى أن هذا المعنى يختلف عن المعنى الأول، إذ هذا المعنى، حسب نظرية "كانط"، كيفي ويرتبط بالباطن،  (كما قد يقصد به كيفية الإدراك) والمعنى الأول كمي بالأساس.

([2]) عند البحث في (رؤوس نقاط نظرية كانط الفلسفية), في الفصل الخامس.

([3]) هذا الجواب يصلح كإجابة على التفاسير الثلاثة لثنائية كانط.

([4]) أردنا بـ(الحسية) المحسوسة بالحواس الخمسة الظاهرة، وأردنا بـ(الشعورية) المدركة بالحواس الباطنة.

([5]) سير حكمت در اروبا: ص227-228.

([6]) سورة العنكبوت: 69.

([7]) سورة مريم: 76.

([8]) سورة الأنعام: 75.

([9]) بحار الأنوار: ج40 ص153 ب93.

([10]) سورة العنكبوت: 69.

([11]) سورة الأعراف: 157.

([12]) أشرنا لها في فصل آخر.

([13]) هذا الجواب يصلح مع بعض التحوير كإجابة على التفسير الثاني لثنائية كانط (من جملة التفاسير الثلاثة).

([14]) الكافي الشريف: ج5، باب اكرام الزوجة، ص510، ح3.

([15]) سورة النساء: 19.

([16]) مع علمنا بأن هذا الموجود هنا هو ماء كبريتي مثلاً.

([17]) مع معرفتنا لمفهوم الماء ومعناه وحدوده.

([18]) هذا الجواب يصلح أيضاً جواباً عن التفسير الثاني، لنظرية كانط.

([19]) هذا الجواب يصلح أيضاً كإجابة على نظرية "كانط" على التفسير الثاني لـ(الشيء في ذاته، والشيء كما يبدو لنا).

([20]) تكلمنا حول (العلم الحضوري) في كتاب: (الحجة، المعاني والمصاديق) من سلسلة (بحوث في "المبادئ") وفي: (مباحث الأصول ـ القطع).

([21]) هذا الجواب أيضاً يصلح جواباً عن كلا المعنيين.

([22]) المرجعيات، إحدى مهامها (التصفية) و(الترشيح) فـ(المرجعيات) فكرة أشمل من (المرشحات).

([23]) سورة فاطر, 8.

([24]) فصلنا الحديث عن ذلك في كتاب (بحوث في العقيدة والسلوك) ومن الآيات الدالة: قوله تعالى (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) سورة الذاريات: 56، و (اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عِلْماً) سورة الطلاق: 12، و(وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ& إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ) سورة هود: 118-119.

([25]) كقوله تعالى: ?وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ? سورة الأعراف: 157.

([26]) سورة فصلت: 53.

([27]) سورة آل عمران: 191.

([28]) نهج البلاغة: ج3، كتاب 31، من وصية له للحسن بن علي سلام الله عليهما، ص39.

([29]) سورة البقرة: 31.

([30]) ليراجع (حق اليقين) للسيد عبد الله شبر، و(شرح التجريد) للعلامة الحلي وغيرهما.

([31])سورة البقرة : 31 .

([32]) تفسير العياشي: ج1، ص32، ح11.

([33]) كمال الدين: ج1 السر في أمره تعالى الملائكة السجود لآدم ص13.

([34]) مثل: كل حديد يتمدد بالحرارة، لا يصح عكسه الكلي إلى: كل ما يتمدد بالحرارة فهو حديد، بل الجزئية صحيحة فقط: بعض ما يتمدد بالحرارة حديد.

([35]) كـ: بعض الإنسان أبيض، تنعكس إلى: بعض الأبيض إنسان، وبعض الأطباء مفكرون، تنعكس إلى: بعض المفكرين أطباء.

([36]) مثل: لا شيء من الواجب الوجود بالذات، بحادث، وعكسه: لا شيء من الحادث بواجب الوجود بالذات.

([37]) فـ(بعض الطاقة ليست بنور) لا يصح عكسها إلى (بعض النور ليس بطاقة) ـ مع إلتزامنا بأن النور من أنواع الطاقة لا المادة.

([38]) فلو صح (كل مادي فهو زمكاني، أي في زمان ومكان) صح (كل لا زمكاني فهو لا مادي).

([39]) وصح (لا شيء من اللا زمكاني بمادي).

([40]) والمراد (القطع) فإنه أعم من العلم والجهل المركب، أما (العلم) فلا يطلق إلا لدى الإصابة، كما فصلنا ذلك في كتاب (مباحث الأصول ـ القطع).

([41]) هذا المثال تقريبي، لأن علم الأطباء الحاصل مع الملاحظة والمراقبة، هو علم حصولي كما لا يخفى.

([42]) سورة يونس: 22ـ23.

([43]) انظر مصباح الشريعة: ص16 الباب السادس.

([44]) الحقائق المنطقية مثل الأشكال الأربعة وشروط إنتاجها، القياس الاستثنائي، عكس النقيض، العكس المستوي، الموجهات البسيطة، الموجهات المركبة... الخ.

([45]) كحكمه بامتناع اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، أو الدور والتسلسل أو كون الجزء أعظم من الكل.

([46]) هذا من باب ذكر العام بعد الخاص، مثل (حسن العدل وقبح الظلم) و(حسن الاحسان) وغير ذلك.

([47]) أي التفسيرين الثاني والثالث, الذين ذكرناهما أول البحث.