من تاريخ الكعبة المكرمة (2)


 

  

موقع الإمام الشيرازي

 

حدث فريد

بعد (عام الفيل) بثلاثين عاماً، كانت الكعبة المشرّفة على موعد مع حدث فريد في تاريخها، فقد ولد في جوفها الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، حدث إستثنائي وإعجاز إلهي.

روي أن السيدة فاطمة بنت أسد (عليها السلام) كانت تطوف بالبيت العتيق، وهي حامل بـ(علي)، فضربها الطلق، فلاذت ببعض جوانب البيت، وتمسكت بأستار الكعبة، وأنشأت تقول: (رب إني مؤمنة بك، وبما جاء من عندك من رسل وكتب، وإني مصدقة بكلام جدّي إبراهيم الخليل، وإنه بنى البيت العتيق، فبحق الذي بنى هذا البيت، وبحق المولود الذي في بطني لما يسّرت عليّ ولادتي).

يقول الراوي: فرأينا البيت وقد انفتح عن ظهره، ودخلت فاطمة بنت أسد (عليها السلام) فيه، وغابت عن أبصارنا (الأمالي للشيخ الصدوق: ص132 المجلس السابع والعشرون).

وكانت ولادته (عليه السلام) في أسعد يوم، من أشرف شهر، في أشرف بقعة وأقدسها، وذلك في يوم الجمعة، الثالث عشر من شهر رجب (شهر الله)، داخل البيت الحرام، وليس غيره ولد في البيت الحرام، لا قبله ولا بعده، فقد تفرد (عليه السلام) بهذه المنقبة الباهرة.

وإن أبا طالب (عليه السلام) حينما سمع بخبر ولادة علي (عليه السلام) في الكعبة، ذهب مسرعاً مهرولاً نحو البيت وهو ينادي: (أيها الناس ولد في الكعبة ولي الله عزوجل)، ثم تبعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخذ علياً (عليه السلام) فكبر وأقام في أذنيه وضمّه إلى صدره. (المناقب: ج2 ص174).

وقد ولدته أمه على "الرخامة الحمراء" الكائنة بين الاسطوانتين، بين الباب والركن اليماني، وساعدها في الولادة (حوّاء، ومريم ابنة عمران، وآسية، وأم موسى)، وقد حدثت فاطمة بنت أسد (عليه السلام) عما جرى معها، فقالت: (إني دخلت بيت الله الحرام، فأكلت من ثمار الجنة وأرزاقها، فلما أردت أن أخرج هتف بي هاتف: يا فاطمة، سميه علياً، فهو عليّ، والله العلي الأعلى يقول: إني شققت اسمه من اسمي وأدبته بأدبي، وأوقفته على غامض علمي، وهو الذي يكسر الأصنام في بيتي، وهو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي، ويقدسني ويمجدني، فطوبى لمن أحبه وأطاعه، وويل لمن أبغضه وعصاه).

ثم قالت (عليه السلام): (فولدتُ علياً ولرسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاثون سنة)، وقال لها: (اجعلي مهده بقرب فراشي)، وكان (صلى الله عليه وآله) يلي أكثر تربيته، وكان يطهّر علياً في وقت غسله، ويوجره اللبن عند شربه، ويحرك مهده عند نومه، ويناغيه في يقظته، ويحمله على صدره ورقبته، ويقول: هذا أخي ووليي وناصري وصفيي وذخري وكهفي وصهري ووصيي وزوج كريمتي وأميني على وصيتي وخليفتي.

وقال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): هبط حبيبي جبرئيل (عليه السلام) في وقت ولادة علي (عليه السلام)، فقال: (يا حبيب الله، الله يقرؤك السلام، ويهنئك بولادة أخيك علي، ويقول: هذا أوان ظهور نبوتك وإعلان وحيك، وكشف رسالتك، إذ أيدتك بأخيك ووزيرك وصنوك وخليفتك، ومن شددت به أزرك، وأعليت به ذكرك).

 

على جدار الكعبة

إن للكعبة باباً يمكن الدخول منه، ولكن فاطمة بنت أسد (عليها السلام) لم تدخل من الباب، بل انشق لها الجدار، ليكون أوضح وأدل على أن الولادة بأمر رباني، لا يستند إلى الصدفة والاتفاق، جعله الله تعالى ليطلع عليه الناس حتى مستقبلاً، ليعرفوا أن علياً (عليه السلام) هو الذي اصطفاه الله (عز وجل) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومما يؤكد ذلك أن أثر الفطر على الجدار، من الجهة المقابلة للحجر من الجانب الغربي، عند المستجار جنب الركن اليماني، ما يزال واضحاً وماثلاً للعيان حتى يومنا هذا، وسيبقى رغم تجديد بناء الكعبة أكثر من مرة.

وعلى الرغم من أعمال الهدم والحرق والضرب بالمنجنيق التي تعرضت لها الكعبة المكرمة، بقي أثر الشق ظاهراً للعيان، ومن المكان الذي دخلت منه فاطمة (عليها السلام)، وجرت محاولات عديدة لإخفاء هذا الشق لكنها باءت بالفشل؟!

إن دخول السيدة فاطمة بنت أسد (عليها السلام) من عند المستجار، من جانب الركن اليماني، حيث يستحب الالتصاق هناك والتضرع والدعاء والسؤال لقضاء الحوائج، دلالات تؤكد حثّ المسلمين على الالتصاق بحائط الكعبة عند المستجار، لإعلامهم بذلك الحدث المبارك. وقد روي عن أبي عبد الله (عليه السلام): (إذا فرغت من طوافك، وبلغت مؤخر الكعبة - وهو بحذاء المستجار دون الركن اليماني بقليل - فابسط يديك على البيت، وألصق بطنك وخدك بالبيت وقل: "اللهم البيت بيتك والعبد عبدك، وهذا مكان العائذ بك من النار"، ثم أقرّ لربك بما عملت، فإنه ليس من عبد مؤمن يقر لربه بذنوبه، في هذا المكان، إلا غفر الله له، إن شاء الله، وتقول: ".. اللهم إن عملي ضعيف فضاعفه لي، واغفر لي ما اطلعت عليه مني وخفي على خلقك"، ثم تستجير بالله من النار وتدعو لنفسك، ثم استلم الركن اليماني، ثم إئت الحجر الأسود).

وفي الحديث: لما هبط آدم إلى الأرض طاف بالبيت، فلما كان عند المستجار دنا من البيت، فرفع يديه إلى السماء فقال: يا رب اغفر لي، فنودي إني قد غفرت لك، قال: يا رب ولولدي، قال: فنودي: يا آدم من جاءني من ولدك فباء بذنبه بهذا المكان غفرت له.

وإن لولادته (عليه السلام) على الرخامة الحمراء بين الاسطوانتين، التي يستحب الصلاة عليها لمن دخل إلى الكعبة، بعد الاغتسال والدعاء بعدها بالمأثور سراً آخر، وقد عقد صاحب الوسائل باباً لذلك، في أنه: يستحب لمن أراد دخول الكعبة أن يغتسل، ثم يدخلها بسكينة ووقار بغير حذاء، ولا يبزق ولا يمتخط، ويدعو بالمأثور، ويصلى بين الأسطوانتين على تلك الرخامة ركعتين.

 

8/ ذو الحجة/1438هـ