الاحتراب وعدم الانجرار إليه: الإمام الشيرازي نموذجاً


 

 

محمد علي جواد تقي

موقع الإمام الشيرازي

 

في ساحة المواجهة بين معسكر الإمام الحسين، والمعسكر الأموي، كل شيء يشير الى القتال والمواجهة المحتدمة، وفي لحظة غضب انتابت زهير بن القين، من إساءة صدرت من الشمر، أراد أن يجيبه بسهم يطلقه عليه، فمنعه الإمام الحسين، وقال: "أكره ان ابدأهم بقتال".

هنالك فارق واضح بين المنهج والسلوك، وبين الوسيلة المؤدية الى الهدف، الاول؛ يكون من المتبنيات الثابتة، تواكب صاحبها في جميع مراحل حياته، بينما الثانية؛ تمثل حالة متغيرة تعين على تحقيق الهدف، ولأنها ليست من الثوابت في فكر الإنسان، نراها تخضع للتحجيم أو التوسيع، بحسب مقتضيات الظروف والحاجة إليها، مثال ذلك؛ المال، فهو خير وسيلة لتحقيق أكبر الأهداف النبيلة، بيد أن من يحقق هذه الأهداف لن يكون انساناً مادياً، إنما انساناً نبيلاً وحضارياً أو أية سمة أخرى تنعكس من جوهر عمله الناجح، في تشييد مستشفى أو إقامة مصرف للقرض الحسن، أو أن يقيم مشروعاً انتاجياً يوفر فرص عمل للعاطلين.

بينما هنالك أمور يتبناها الانسان ويؤمن بها فترافقه طيلة حياته، بل تكون عنوان شخصيته بعد مماته، مثل الاخلاق والقيم الدينية، وإذا قرأنا التاريخ الإسلامي في صفحته البيضاء الأولى، نجد أن الحرب والقتال لم يكن ضمن المنهج والسلوك النبوي، بقدر ما كان وسيلة لنشر راية الإسلام في الآفاق وإيصال كلمة الحق الى البشرية، وكانت طريقة الاستخدام دفاعية بامتياز، كما تؤكد المصادر كافة، بمعنى أن السيف عند النبي، ومن بعده؛ أمير المؤمنين، وأيضاً الإمامين الحسن والحسين، عليهم السلام، كانت مهمته دفاعية، أو لتقويم الاعوجاج في طريق الرسالة، وليس لفرض شخصية قيادية، أو تثبيت نظام حكم، كما فعل الآخرون، وتسببوا بمجازر مريعة طيلة القرون الماضية.

هذه الإشكالية الفكرية، لم يبتلَ بها الحكام وأهل السلطة، وإنما حتى أصحاب النظريات والأفكار ممن راموا التغيير الثقافي في المجتمعات الإسلامية، ففي الوقت الذي يتحدثوا عن النظام الإسلامي، وعن قيم مثل؛ الحرية والمساواة والعدل، يبيحون لأنفسهم خوض الصراع الشرس مع من لا يوافقهم في الرأي أو ينتقدهم ويحدد نقاط ضعف في أفكارهم، ومع مرور الزمن يتضح أن العنف والديكتاتورية هي حجر الزاوية في منهجهم وفكرهم، وهي التي تقفز الى الواجهة عندما تصل الأمور الى المصالح والمكاسب.

بيد أن الساحة لم تخلُ ممن يتميّز بطرحه الحضاري ومنهجه الرسالي الأصيل، الذي لم يكن العنف والانجرار الى المواجهات والمهاترات في منهجه ولا في أدوات عمله، ذلك؛ المرجع الديني الإمام السيد محمد الشيرازي (طاب ثراه) الذي آثر العمل الدؤوب والتفكير بالإنتاج والإبداع والعطاء أكثر من التفكير في مواجهة الحاسدين والشككين ومن يرون مصالحهم ووجودهم في الساحة في التهميش والإلغاء لمن يختلف معهم.

إن جميع المناوئين للإمام الراحل لم تستوقفهم وتثيرهم مشاريعه ومؤلفاته ومبادراته المميزة اجتماعياً وثقافياً، بقدر ما حيّرهم صبره وطول أناته في مواجهة سيول من الاتهامات التي لو كانت نازلة على أي شخصية أخرى لجعلتها دكّاً _إن جاز التعبير_ بيد أن إصرار الإمام الشيرازي على منهجية اللاعنف وعدم الانجرار وراء المهاترات الرخيصة، هي التي جعلته في مستوىً يغبطه عليه نفس أولئك المنافسين (الحاسدين) عندما رحل الى الرفيق الأعلى، فأشادوا بصبره وصموده.

وذات مرة جاء إليه عدد من العاملين في مكتبه بقم المقدسة، وهم يحملون منشوراً من الأوراق الصفراء ضد سماحته، وطالبوا بالرد، ولو ببيان يوضح الحقائق للناس، ولكن؛ حتى هذا المستوى من الرد الذي يراه بعض حقّاً مكفولاً له، أوصى سماحته بغضّ الطرف عنهّ، والسبب في ذلك أن الانجرار وراء الاتهامات والرد عليها، أو التشكيك وإثبات عكسه، يستهلك جهداً ذهنياً وعضلياً مع إضاعة ساعات ثمينة من عمر الإنسان التي دائماً ما كان يحولها (رحمه الله) الى تأليف أو تحقيق أو متابعة لنشاطات ولقاءات مع شرائح مختلفة من المجتمع. وهنا تحديداً يكمن الذكاء من سماحته في إدارة الصراع وتحويله من ساحة لقتل الوقت واستهلاك الجهود الى فرصة لتجاوز هذه العقبة، من خلال تعبئة النفوس وشحذ الهمم للمزيد من العمل، وعدم التوقف مطلقاً مهما كانت الأسباب، وعندما كان بعض من أولئك المناوئين يأتون إليه في الأيام الأخيرة من حياته، معتذرين نادمين على صدر منهم، كان سماحته يعرب عن عدم اهتمامه بما مضى، ويعده كأن شيئاً لم يكن تماماً.

وفي كتابه؛ اللاعنف منهج وسلوك، يبين سماحة الإمام الشيرازي الى هذه الحقيقة الثابتة بأن من "يتولى عملاً من الأعمال أو مسؤولية من المسؤوليات، غالباً ما يواجه ببعض العقبات والصعوبات والمعوقات التي تعترض سير عمله، وقد تكون هذه العقبات مادية أو معنوية. وتختلف ردود أفعال الناس تجاه هذه العقبات من شخص لآخر تبعاً لدرجة الوعي والإيمان الذي يمتلكه الفرد، وتبعاً لتكامل شخصية العامل ـ من ناحية الخبرة والنضوج والهمة، فقد ينهزم شخص أمام أبسط العقبات؛ لأنه لا يعتقد بإمكانية تجاوزها، وقد يصمد آخر أمام أعتى وأشد الصعوبات".

هنا يقفز السؤال عن كيفية الجمع بين العمل وسط سهام الاتهامات والتحديات، وبين التمسك بحالة اللاعنف؟ يجيب سماحته في مؤلفه القيّم هذا، بأن "من أهم ما يتطلبه العمل الصحيح الذي يعطي ثماره ويرضاه الله سبحانه وتعالى، هو أن يكون مصحوباً باللاعنف وممتزجاً بالتقوى والورع والأخلاق، وقال رسول الله، صلى الله عليه وآله: "ما وضع الرفق على شيء إلا زانه، ولا وضع الخرق على شي‏ء إلا شانه، فمن أعطي الرفق أعطي خير الدنيا والآخرة، ومن حُرِمه حرم خير الدنيا والآخرة"، لذا يجب أن يخلو عملنا من العنف، ويمتاز بالتفاهم والخُلُق الرفيع واحترام الرأي الآخر، ومتى ما اقترنت هذه الصفات مع عمل أي فرد أو جماعة أو أمة فإنها سترتقي به سلم التقدم والسيادة".

إن التجارب الناجحة لعلماء ومفكرين قدموا نظريات راقية في النهضة والإصلاح والتغيير، وأيضاً ثوار قادوا حركة تغيير شاملة، وغيرهم كثير، كانت تخلو من أي انجرار نحو النزاع اللفظي أو الصراع على صفحات الجرائد والكتب، كما كان سابقاً، ثم مواقع التواصل الاجتماعي في الوقت الحاضر، فيما نرى العكس بالعكس تماماً، فمن ينشغل بالصراعات مع هذا وذاك، إن لم نقل يتعرض للفشل والانهيار، فإنه _بالقطع_ سيخسر قدراً كبيراً من جهوده الفكرية وإمكاناته المادية مما يترك أثره المباشر على أداءه المهني، وهو بدوره يترك تأثيراً بالغاً على المخاطب، عندما يلحظ أن الجهة الإعلامية أو المؤسسة الثقافية أو حتى شخصية ما، منهمكة بالصراع مع جهة أخرى أكثر مما تفكر بالحلول لمشاكل يعيشها الناس، فضلاً عن التفكير بمستقبلها ومستقبل أبنائها.

شبكة النبأ

10/ ربيع الآخر/1440هـ