مكافحة الفقر في منهج الإمام علي بن أبي طالب (4)


العوامل الاقتصادية لإنتاج الثروة والمحافظة عليها وتنميتها ولمكافحة الفقر

 

 

السيد مرتضى الشيرازي

موقع الإمام الشيرازي

 

الحلول الإستراتيجية([1])

تنقسم الحلول الإستراتيجية لمكافحة الفقر إلى قسمين:

القسم الأول:

حلول (الدفع) أو (الموانع).. وهي تلك التي تحول دون تولد الفقر أو بتعبير أدق: هي عوامل إيجاد الثروة والغنى ثم أسباب المحافظة عليها ثم بواعث تنميتها، وترتبط بالبنية التحتية والمنهج العام والأرضية التي تعد حاضنة لمشكلة الفقر.

القسم الثاني:

حلول (الرفع) أو (الروافع).. وهي تلك التي تعالج الفقر بعد حدوثه.

وسنشير إلى النوع الأول من الحلول، في هذا الفصل والفصل الثاني، وإلى النوع الثاني في الفصل الثالث، بإذن الله تعالى، على أن بعض العوامل مما يعد من حلول الدفع ومنع حدوث الفقر في علته المحدثة، يصلح أن يذكر أيضاً كعامل من عوامل الرفع للفقر في علته المبقية، أي إزالة الفقر بعد حدوثه، فإن بعض العوامل تمتلك خاصية كلا البعدين فمثلاً (ملكية الدولة للأراضي، والمعادن، والثروات، أو وضعها يدها عليها بحيث لا تسمح للناس بحيازة شيء منها إلا بعد استجازة، وروتين وشروط تعجيزية أو غير تعجيزية يعد عاملاً من عوامل إيجاد الفقر، كما أنه عامل من عوامل استمراريته وديمومته وتجذره، لذا فإن منح الأراضي والثروات العامة للناس وعدم احتكار الدولة لها، ادرجناه – بتعبيرين مختلفين – في الفصل الأول والثالث مثلاً، وذلك نظراً لأهميته الفائقة وتأثيره الكبير في (الدفع) و(الرفع) معاً.

ومن الضروري الإشارة إلى أن كافة العوامل التي ستذكر في الفصول الثلاثة، تتوزع بين:

1.  عوامل فردية – شخصية، يمتلك الأفراد التحكم فيها وذلك مثل القمار، الربا، الإسراف والتبذير، الصدقة، صلة الأرحام.. الخ

2.  عوامل ترتبط بالدولة، وقوانينها ومنهجيتها في الحكم والإدارة الاقتصادية وطريقة تحكمها في الثروات وكيفية تعاملها مع الفقراء والأثرياء ومع عامة الناس مثل ملكية الدولة، وسرقة الحكومة، كثرة الموظفين، التسلح، سوء التوزيع، التوازن بين الريف والحضر، المرونة في الضرائب.. الخ

3.  عوامل ترتبط بكل من الدولة والناس كـ(ترشيد الإنفاق) (التكافل الاجتماعي) (الضمان الاجتماعي) (التقوى) (النزاهة) (الفساد المالي) (الاحتكار) و(تزوير العملة)([2]).

نعم.. لم نشِر عند كل بند بندٍ إلى وجهي القضية، لكن اللبيب لا يخفى عليه ذلك ومن المهم الإشارة أيضاً إلى أن العوامل التي ترتبط بالدولة، يجب على الأفراد وعلى مؤسسات المجتمع المدني أن لا يقفوا سلبيين تجاهها فقط، بل عليهم الضغط الممنهج على الدولة لتغيير تلك القوانين أو المنهجية أو طريقة التنفيذ مما فصلناه في كتابنا عن الدولة والشعب([3])، وكتابنا الآخر عن المجتمع المدني([4]) كما فصله السيد الوالد(قدس سره) في العديد من كتبه([5])

 

عوامل إيجاد الثروة أو المحافظة عليها أو تنميتها وسبل مكافحة الفقر

 

أولاً: منح الأرض والمعادن والثروات كلها للناس([6])

بدون قيد أو شرط، التزاماً بحكمة الله تعالى وهندسته للحياة، حيث جعل الأرض بما فيها لعباده إذ قال: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً﴾([7]) بمعنى أن كل ما في الأرض من الثروات هي لكل الناس، وهذا يعني أن الدولة لا تملك الأراضي ولا المعادن، ولا البحار، ولا الأجواء، وغيرها بل كلها للناس فيها مطلق الحرية في التملك والاستثمار، فمن حاز شيئاً كان له، وعلى الدولة تنظيم هذه العملية وحسب. وبذلك فإن تكاليف هائلة جداً سترفع وبكل بساطة عن كاهل الفقراء، فلكي يمتلك الفقير مسكناً ـ مثلاً ـ لن يكون بحاجة إلى شراء الأرض، إذ يقول رسول الله(صلّى الله عليه وآله): Sالأرض لله ولمن عمرهاR([8])، بل يملكها بالحيازة فلا يتحمل إلا نفقات البناء فقط.

هذه الفقرة من القانون الإسلامي لها تأثير كبير جداً في توجيه أكبر ضربة للبطالة والغلاء والتضخم([9])، وذلك لتوفير الأراضي والأحجار وكافة المعادن والخشب وشبهها، بالمجان للناس، من أجل بناء دور سكن أو مصانع أو محلات ومتاجر، أو مراعي ومزارع وشبه ذلك، وذلك يعني توفير فرص عمل هائلة، كما يعني زيادة قدرة الفقراء على الاستثمار، وذلك من خلال توفر الأرض وقسم من رأس المال الذي يحتاجه ذوو الدخل المحدود لبناء مزرعة لتربية الدواجن أو مرعى للأغنام والأبقار وسائر المشاريع ألإنتاجية إذ لن يكون هذا الإنسان بحاجة إلى دفع مبالغ للدولة للعمل في أرض زراعية أو غيرها.

وكذلك في حال إنشاء مصنع، لن يكون بحاجة إلى توفير ثمن شراء الأرض أو ثمن توفير المواد الإنشائية، بل كل ذلك يتوفر له مجاناً، فله أن يستقطع من الجبال أو من أشجار الغابة أو من المعادن ما شاء مما يحتاجه.

وهذا المنهج هو الذي طبقه الإمام علي (عليه السلام) في دولته الكبيرة والمترامية الأطراف، فكانت الأراضي مباحة للجميع، وكذا الغابات وغيرها، وحسب المصطلح الفقهي فإن (الأنفال)([10]) وهي شطوط الأنهار وسيف البحار وقمم الجبال وبطون الوديان وغيرها كانت كلها مباحة للناس، والمهم أن ينطلقوا ويبنوا ويزرعوا ويستثمروا دون أن يدفعوا فلساً واحداً لشراء ما خلقه الله بالأصل لهم، ودون أن يمروا بأي روتين إداري، ودون أن يدفعوا ضريبة لمجرد أنهم بنوا داراً أو معملاً أو مزرعة. ألم يقل تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً﴾؟

ومما يتبع هذا العامل، عامل توفير الحق للناس في استثمار المشتركات وسنكتفي ههنا بإشارة واحدة فقط، وهي: توفير حق استثمار (المشتركات)

عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): سوق المسلمين كمسجدهم فمن سبق إلى مكان فهو أحقّ به إلى الليل وكان لا يأخذ على بيوت السوق الكراء.([11])

إن (السوق) هو من (المشتركات) أي أنه من الأماكن العامة المفتوحة، التي يحق لكل إنسان أن يعمل فيها أو يتاجر، ولكل إنسان أن ينتخب أي موضع في السوق، لم يسبقه إليه غيره، ليبيع ويشتري ويتعاقد ويتعامل، ولو أن هذا القانون (حرية الاستفادة من الأسواق) طُبِّق؛ إضافة إلى حرية الاستفادة من سائر المشتركات، كالحدائق العامة وكمياه البحار والأنهار والعيون التي تفجرت بنفسها والغدران والمستنقعات والمراعي العامة والمعادن والطرق العامة وغيرها، بما لا يضر بحق المارة، لتوفرت فرص عمل كثيرة للناس ولكان ذلك من عوامل محاصرة الفقر وتقليص رقعته ومساحاته.

ثانياً: أن تعطى الأولوية للإعمار والتنمية والاستثمار في البنية التحتية.

وهو القانون الذي سنّه (عليه السلام)، بأن أعطى الأولوية المطلقة للإعمار والتنمية والإنتاج، وليس للضرائب([12]). هذا القانون نصّت عليه وصية الإمام (عليه السلام) لمالك الأشتر عندما ولاّه مصر:

(وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج)([13]).

وعلل (عليه السلام) ذلك بتعليل يكشف عن النظرة الاستراتيجية الثاقبة والرؤية الاقتصادية الشاملة له (عليه السلام): (لأن ذلك لا يدرك إلاّ بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ولم يستقم أمره إلاّ قليلاً)([14]).

من هنا تخطئ الحكومات عند ما تركز على الضرائب مرتين، مرة بتحطيمها قدرة المزارعين وصغار المستثمرين على الإنتاج، فيزيد ذلك من نسبة الفقراء أولاً وتعود النتيجة للحكومة سلباً، إذ سوف تتناقص نسبة الضرائب التي ستحصل عليها بشكل مؤكد، ومرة لأن التركيز على الضرائب (يهلك العباد). هذه العبارة البليغة منه (عليه السلام) يمكن أن نجد مصاديقها في الظواهر والحالات التالية:

أ: الاضطرابات الاجتماعية التي قد تتمخض عن ثورات تتصف بالدموية والفوضوية، تحرق الأخضر واليابس وتزيد الوضع الاقتصادي سوءاً على سوئه([15])

ب: ظهور الأمراض الناجمة من الضغوط النفسية التي يواجهها المزارعون وصغار المستثمرين، نظراً لإصرار الدولة على الضرائب. وكذلك الأمراض التي تنجم عن عدم قدرتهم عندئذ على توفير مقومات العيش باطمئنان، ثم إن الأمراض تعني مزيداً من الفقر ومزيداً من الحرمان.

ج: تراجع قدرة الفقراء ومحدودي الدخل أمام فرص التعليم والتعلّم، وعلى توفير مستلزمات الحياة الكريمة، وغير ذلك، مما ينعكس بدوره سلباً على الاقتصاد العام للبلاد.

وقد سبق الإمام علي (عليه السلام) بأكثر من ألف وثلاثمائة وخمسين عاماً، أبرز اقتصاديي التنمية الذين ذهبوا إلى أن (الوصول إلى معدل استثماري يصل إلى 25% أو 30% من الناتج المحلي الإجمالي، لعدة سنوات متصلة، يقضي على الركود والتخلف ويسبب انطلاق الاقتصاد)، وهذا هو ما يراه البنك الدولي أيضاً من أن تدفق الاستثمارات والأموال يحل المشكلة.([16])

ومنهج الإمام علي (عليه السلام) إضافة إلى أسبقيته، فإنه أكثر تطوراً بكثير، إذ لا يحدد الإمام نسبة 25% أو 30% بل يفتح الباب على مصراعيه للاستثمار في البنية التحتية، لتوفير ليس الحاجات الأساسية فحسب، بل حتى الكمالية أيضاً.

ثالثاً: ترشيد الإنفاق

إن (ترشيد الإنفاق) الذي نجده واضحاً جلياً في حكومة أمير المؤمنين (عليه السلام)، يعد من أهم أسس سلامة الاقتصاد وطرق القضاء على الفقر.

ولنا في ذلك عشرات النماذج والأمثلة، التي تعكس مدى دقة الإمام (عليه السلام) في وضع قوانين تحول دون التفريط حتى في الدرهم من حقوق الناس.

ومن الواضح أن ذلك لو كان هو المنهج العام لتم توفير المليارات من الأموال التي تبذر اليوم هنا وهناك، والتي تبدو مجرد قطرات وذرات وأموالاً تافهة، إلا أنها تشكل بمجموعها ميزانية ضخمة كان ينبغي أن تصرف في تنشيط اقتصاد البلاد وتكامل البنية الاقتصادية التحتية ورفع العوز عن المعوزين.

ومن الأمثلة:

1.  إطفاء الإمام (عليه السلام) السراج، وكان من أموال بيت المال، ـ أموال الحكومة بمصطلح اليوم ـ عندما جاءه شخص ليتحدث في أمر شخصي.

2.  كان (عليه السلام) يقارب بين السطور في رسائله، بل إنه قد أصدر قراراً عاماً لعماله: (أدقوا أقلامكم وقاربوا بين سطوركم)([17]).

3.  من قراراته (عليه السلام) أيضاً: (واحذفوا عني فضولكم، واقصدوا قصد المعاني)([18])، وذلك يعني الاختزال في وقت الحاكم وفي وقت العمال والموظفين، والوقت له قيمته الكبرى، ومجموعة هذه الأوقات تشكل ثروة هائلة للبلاد لو صرفت في القضايا الإستراتيجية والأهم والأساس لا في الهوامش وترف القول، لكانت البلاد قد تقدمت أشواطا إلى الأمام.

هذا ما كان عليه الحال على عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) في العقد الثالث من بداية تأسيس الدولة الإسلامية المصادف للقرن السابع للميلاد.

وإذا القينا نظرة خاطفة على محاولات ترشيد الإنفاق في بلادنا الإسلامية التي ينعم معظمها باقتصاديات غنية وثروات ضخمة، فإننا سنجد أول مفارقة تكشف عن أن الترشيد على يد أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يصبّ في صالح المجتمع والأمة، لكنه على يد حكام اليوم يؤدي إلى الإضرار بالصالح العام، فإن الناس هم من يجب

أن يدفعوا الثمن وليس الوزير أو الرئيس، كما فعل الإمام (عليه السلام).

ولننظر إلى نوعية واتجاه عمليات ترشيد الإنفاق في دولنا([19]):

فإن ترشيد الإنفاق في دولنا يتجه لتقليص الخدمات التي تقدمها الحكومة للناس في المجالات كافة، لاسيما الصحة والتعليم والماء والكهرباء ووسائل النقل والاتصال، مما يفرض تكاليف إضافية على ميزانية الفرد والأسرة.

إضافة إلى أنه يسبب تعرض البلاد إلى الضغوط الاقتصادية والسياسية والأمنية، بسبب ترشيد الإنفاق الخاطئ، إذ تقوم الحكومات والأنظمة السياسية بتوسيع مشاريعها العسكرية أو الاقتصادية ذات التأثير السلبي والمدمر على اقتصاد الدولة، من قبيل صفقات التسليح والبرامج المخابراتية الواسعة الأبعاد، أو مشاريع الاستثمار غير الناجحة التي تعطى لشركات أجنبية، وذلك كله في مقابل تقليص الإنفاق على الشؤون الحيوية.

ومما يؤكد ذلك كله رفض ومعارضة الطبقة العليا من موظفي الدولة لأي محاولة للترشيد، كونه يكلفهم التنازل عن الكثير من امتيازاتهم ومصالحهم التي اعتادوا عليها، وهذا ما نلاحظه في الكثير من البلاد الإسلامية، لذا إن كان ثمة إصرار لتطبيق الترشيد في الإنفاق الحكومي، فإن هذه الطبقة وكبار المسؤولين يدفعون بتكاليف العملية لتقع على كاهل عامة الناس.

رابعا: الضمان الاجتماعي([20])

من القوانين التي شرّعها الإمام علي (عليه السلام) في هذا المجال ما ذكره في عهده لمالك الأشتر:

(ثم الله الله، في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين، والمحتاجين، وأهل البؤس (شدة الفقر) والزمنى (ذوي العاهات)، فإن في هذه الطبقة قانعاً (وهو السائل)، ومعتراً (وهو المتعرّض للعطاء بلا سؤال)، واحفظ الله ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسماً من بيت مالك، من غلات (الثمرات) صوافي الإسلام في كل بلد، فإن للأقصى مثل الذي للأدنى، وكل قد استرعيت حقه فلا يشغلنك عنهم بطر (الطغيان بالنعمة))([21]).

والضمان الاجتماعي في نظام حكم أمير المؤمنين (عليه السلام) يشمل:

أ: الأقليات من الأديان الأخرى، فمثلاً أجرى (عليه السلام) راتباً من بيت المال لذلك الشيخ المسيحي الذي فقد فرصة العمل.([22])

ب: كما أن الإسلام، قد أقر على بيت المال دفع أي دَين للعاجز المدين عن تسديد دينه. وهل تجد مثل ذلك في عالم اليوم؟

ج: كما أقر على بيت المال تكفل نفقات أية زوجة لا يقدر زوجها على الإنفاق عليها، أو أي ابن لا يقدر أبوه على الإنفاق عليه، أو أي أب لا يقدر ابنه على الإنفاق عليه.

أما في الوقت الحاضر، فإن الضمان الاجتماعي يشمل فقط أهل البلاد الغنية بالنفط والغاز ذات الاقتصادات المتينة، كما أنه ناقص ومشوه، أما في البلاد الفقيرة، فإن الإنسان يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة اليومية، فضلاً عن ضمان مستقبل حياته.

وحتى الضمان الموجود حالياً في بعض بلادنا، فإنه قانون فضفاض لا يقوى على مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية، وليس شاملاً برعايته جميع أفراد المجتمع، إلا من ارتبط بعمل وظيفي مع الدوائر الرسمية، ويبقى القسم الأكبر من المجتمع وهم من الكسبة والطلاب وكبار السن والنساء الأرامل وغيرهم بلا غطاء أو ضمان يسد حاجاتهم الأساسية.

بل مؤسسات الضمان ـ في كثير من الموارد ـ أصبحت مؤسسات تجارية لا تفكر إلا في أرباحها.

خامساً: خلق التوازن بين الريف والحضر

إن من أهم أسباب اختلال التوازن الاقتصادي وشيوع الفقر، اهتمام الحكومات بالمدن على حساب القرى والأرياف، مما يسبب نزوح الكفاءات والخبرات من الأرياف للمدن، نتيجة وجود فرص عمل أكثر، ووجود الراحة والرفاهية وسائر المغريات. ويسبب ذلك كله ضعف الإنتاج الزراعي وزيادة نسبة الفقر في الأرياف، وتخلف الأرياف علمياً وثقافياً أيضاً، مما ينعكس بدوره على الاقتصاد.

كان الإمام علي (عليه السلام) أول داعية لإيجاد التوازن بين القرى والأرياف وبين المدن، إذ يقول في عهده لمالك الأشتر:

(فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى وكل قد استرعيت حقه)([23]).

أي إن الحقوق الاقتصادية التي للأقصى، وهم أهل الأرياف والبوادي، هي تماماً مماثلة للحقوق التي للأدنى، وهم الحضر، Sوكل قد استرعيت حقه)([24])، فالحاكم مسؤول عن كلا الحقين، ولا يجوز له أن يفرط بأي منهما.

وقال (عليه السلام): (وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله، فإن في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم)([25])، فالعناية بالريف هي سبب أساسي في الحفاظ على اقتصاد سليم ومتطور.

سادساً: التكافل الاجتماعي([26])

أرسى الإمام علي (عليه السلام) دعائم التكافل الاجتماعي، حيث إن الإسلام قد وضع أسس التكافل الاجتماعي في أبعاد عديدة، فبات ذلك من أهم عوامل مكافحة الفقر، إضافة إلى كونه عامل استقرار اجتماعي.

ـــ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع)([27]).

ــ وقال (صلّى الله عليه وآله): (وليس بمؤمن من بات شبعان ريان، وجاره جائع ضمآن)([28]).

يقول الإمام الشيرازي (رحمه الله) في (الفقه: الاقتصاد) وهو المجلد 107 من موسوعة (الفقه) ص298:

"هذا الحديث إما أخلاقي يراد به الإيمان الكامل، أو فقهي يراد به مع الضرورة، كما في عام المخمصة حيث له أن يأخذ قدر حاجته الضرورية مع البدل، وإن لم يستطع فالبدل والضمان على بيت المال."

ويضيف سماحة الإمام الراحل(قدّس سرّه): "إذا اقترض فإنه مسؤول عن التسديد إلى سنة، وإن لم يستطع فعلى بيت المال".

ــ قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾([29]).

ومن أبرز مصاديق البر([30]):﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾([31]).

ــ أقر الإسلام قانون تكفل الزوج لنفقات الزوجة.

ــ قرر تكفل الأب لنفقات أولاده ماداموا محتاجين.

ــ قرر تكفل الابن لنفقات والديه ما داموا محتاجين.

كل ذلك بمعنى محاصرة الفقر من كافة أطرافه، فإن الزوجات والآباء والأبناء يشكلون أكثرية المجتمع.

وكان ذلك كله مطبّقاً في حكومة الإمام علي(عليه السلام).([32])

سابعاً: وضع معايير موضوعية للمسؤولين الاقتصاديين وإلزامهم بها

وضع الإمام علي (عليه السلام) أُسساً وضوابط دقيقة هامة لكافة من يدير الشأن الاقتصادي في البلاد: من حاكم ووالٍ ـ وذلك يعني أيضاً كل من له صلاحيات اتخاذ قرارات مصيرية في شأن اقتصاد الناس مثل: محافظ البنك المركزي في يومنا هذا ـ .

ومن الضوابط:

1.  أن لا يكون بخيلاً، ومن الواضح أن البخيل يميل إلى ملأ خزائن الدولة ورفع نسبة (الاحتياطي)([33])، حتى وإن بررها بفلسفة اقتصادية([34])، بل ويحاول عرقلة أية طريقة تهدف إلى بذل الأموال للناس، فهو يعادي التأمين الصحي، ويعارض زيادة الإنفاق على التعليم، بل و يسعى دوماً لتقليص نسبة ميزانية كافة الأمور الإنسانية لصالح زيادة ميزانية التسلّح!

والولايات المتحدة الأميركية تصلح مثالاً، والكثير من أنظمة الدول الإسلامية نموذجاً.([35])

2. أن لا يفتقر إلى الخبرة وعلى أرقى المستويات.

3.  ولا يكون جافياً.

4.  ولا يكون حائفاً لأطراف داخلية وخارجية، أي يكون ممائلاً ومتعاطفاً مع هذه الشركة أو تلك المؤسسة أو الحزب أو حتى الشخص.

5.  ولا يكون مرتشياً([36])، وواضح أن المرتشي يحابي الأغنياء على حساب الفقراء، فبدل أن يعطي مناقصات الدولة ـ مثلاً ـ للشركة أو للجهة التي تقدم أفضل الإنتاج وبأرخص الأسعار، يعطي المناقصة للجهة التي تقدم له مالاً أكثر أو دعماً سياسياً أو ما أشبه وإن كانت غير الأفضل، مما يعني ضربة مزدوجة للاقتصاد وللفقراء.

يقول الإمام (عليه السلام): (وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين: البخيل، فتكون في أموالهم نهمته. ولا الجاهل فيضلهم بجهله. ولا الجافي فيقطعهم بجفائه. ولا الحائف للدول فيتخذ قوماً دون قوم. ولا المرتشي في الحكم)([37]).

وهناك أحاديث كثيرة ترشدنا إلى ضرورة وجود معايير موضوعية للحكام والمسؤولين، وضرورة إلتزام المسؤولين بها، وان على الحكام أن لا يسيئوا استغلال موقعهم السياسي، في البعد الاقتصادي الشخصي.

ولنقتصر في هذه العجالة، على هذا الخبر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وكيف كان يحتاط أبلغ الاحتياط عن ان يترك موقعه السياسي والحكومي أدنى تأخير في (محاباة) التجار والحرفيين، له:

عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث قال (عليه السلام): ثمّ أتى دار فرات وهو سوق الكرابيس فقال: يا شيخ، أحسن بيعي في قميصي بثلاثة دراهم، فلمّا عرفه لم يشتر منه شيئاً، ثم أتى آخر، فلمّا عرفه لم يشتر منه شيئاً فأتى غلاماً حدثاً فاشترى منه قميصاً بثلاثة دراهم ولبسه ما بين الرسغين([38]) إلى الكعبين – إلى أن قال -: فجاء أبو الغلام صاحب الثوب فقيل: يا فلان، قد باع ابنك اليوم من أمير المؤمنين قميصاً بثلاثة دراهم قال: أفلا أخذت منه درهمين؟ فأخذ أبوه درهماً وجاء به إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو جالس على باب الرحبة ومعه المسلمون فقال: امسك هذا الدرهم يا أمير المؤمنين، قال: ما شأن هذا الدرهم؟ قال: كان ثمن قميصك درهمين. فقال: باعني برضاي وأخذت برضاه.([39])

إن على الحكام وذوي النفوذ، أن لا يسيئوا استغلال موقعهم ومنصبهم ونفوذهم، في العقود والمعاملات وخاصة في (المناقصات) حيث جرت عادة ذوي النفوذ على دفع رشاوي كبيرة لمسؤولين في الدولة، كي ترسو المناقصة، عليهم.

وإن علياً عليه الصلاة والسلام، يعطينا درساً وأيّ درس بموقفه النادر هذا، وهذا الموقف قد يبدو بسيطاً ظاهرياً، إلا أنه يشكل منهجاً مثالياً، لو سار عليه الحكام، ولو ضغط عليهم عامة الناس لينتهجوه، لتغيرت حياة الأمة الاقتصادية، ولاختفى سبب من أهم أسباب الفقر.

ثامناً: تكريس مبدأ المساءلة والمحاسبة([40])

لقد كرّس الإمام علي (عليه السلام) مبدأ المساءلة والمحاسبة والشفافية، بل وفتح باب عزل الحاكم فيما إذا خرج عن النهج الاقتصادي أو السياسي السليم الذي يعطي الناس حقوقهم.

قال (عليه السلام):(ثم تفقد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصدق والأمانة عليهم)([41]).

ويعد هذا من أهم الفروق بين الإسلام وبين الأنظمة المستبدة، فيما يتعلق بالمراقبة عن بُعد، ففي الإسلام وعلى ضوء منهج الإمام علي (عليه السلام) فإن العيون (الجواسيس) يكونون على الحكام والمدراء ومسؤولي الاقتصاد، لصالح الناس.

أما في الأنظمة المستبدة فعلى العكس تماما، فإن العيون والجواسيس توضع على الناس لعد أنفاسهم لصالح الحكام والولاة والمسؤولين!

ولنقرأ كامل القانون العلوي (عليه السلام) كما عهده للأشتر:

"ثم تفقد أعمالهم، وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم، فإن تعاهدك في السر لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية، وتحفظ من الأعوان فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك، اكتفيت بذلك شاهداً فبسطت عليه العقوبة في بدنه، وأخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام المذلة ووسمته بالخيانة وقلدته عار التهمة".

وههنا كلام طويل في التعليق على فقرات هذا الحديث العظيم نتركه لمجال آخر.

تاسعاً: تنشيط حركة الأموال

كلما تحركت رؤوس الأموال أكثر، شهد الاقتصاد نشاطاً وحيوية أكثر، وتوفرت السيولة بيد الناس، وجرت التعاملات بسهولة أكثر، وانخفض التضخم.

أما اكتناز الأموال([42]) فهو يجمدها ويمنع الثروة من الحركة أولاً، ويقلل أو يبطئ من دورات رأس المال ثانياً، ولذلك حاربه الإسلام بشدة. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾([43]).

وليست حرمة الاكتناز منحصرة في الذهب والفضة، بل هما من أبرز الأمثلة والمصاديق على ذلك، والدول الآن تقوم بهذه العملية الخطيرة وهي تكديس الأموال باسم (الاحتياطي) حيث تتجمد المليارات بل مئات المليارات، وهنا يكون الإشكال مضاعفا، كون هذه الأموال الضخمة تكون بيد بيروقراطية إدارية([44]).

بينما نجد في المنهج الاقتصادي للإمام علي (عليه السلام): أن الأموال التي تجبى من الضرائب أو غيرها، يجب أن تعطى للناس فوراً، ومن هنا لم يكن الإمام علي (عليه السلام) يستبقي أموال بيت المال حتى لليلة واحدة، بل كان يوزعها في نفس اليوم، وفي المساء كان يكنس بيت المال، للدلالة على عدم بقاء شيء.

هذا النهج يؤدي إلى أن تصب كل هذه الأموال في جيوب عامة الناس ومنهم الفقراء، مما يحد من نسبة الفقر بشكل كبير في المجتمع أولاً، ثم يزيد من سرعة حركة رأس المال في عجلة الاقتصاد، إضافة إلى تأثيره الإيجابي الآخر على وضع الدولة والناس، إذ أن إعطاء الأموال كلها للناس يوفر لهم فرصاً أكبر لاستثمار الأرض، بالبناء والزراعة والرعي وتشييد المصانع وإحياء المعادن وسائر الثروات مما يعني مردوداً مالياً أكبر للناس، وبالنتيجة وارداً أكبر من الضرائب ـ على فرض صحتها ـ للدولة التي تصب مرة أخرى في جيوب الناس.

وهكذا نجد أن صب (الاحتياطي) من العملة الصعبة أو الذهب في أيدي الناس، يوفر إمكانية هائلة مباشرة وغير مباشرة للقضاء على الفقر، ويزيد من رصيد وقوة الدولة والشعب، لأنه يرفع من الناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير، وهذا هو (الاحتياطي الحقيقي الفاعل) وهذا هو الذي يشكل القاعدة الاقتصادية الأكبر لدعم العملة.

ويرى بعض الباحثين أن ضرورة تنشيط حركة رأس المال وتسريع دورانه، كانت من الأسباب الرئيسية وراء القرار الذي اتخذه رسول الله محمد المصطفى(صلّى الله عليه وآله)، عندما حول نظام تبادل البضائع، إلى النظام النقدي وجعل المقياس؛ الذهب والفضة، كما أنه ثبّت قيمة العملة أيضاً، فقرر: (مثقال الذهب = دينار)، و(مائة دينار=جمل)([45]).

وواضح أن النظام النقدي([46]) ووجود واسطة سهلة الحمل والنقل والتداول، وصالحة لأن تتحول إلى كل بضاعة وبالعكس، أسرع وأكثر جدوائية لحركة الأموال والقضاء على التضخم، من طريقة تبادل البضاعة بالبضاعة، مما يبقي حاجات كثيرة معطلة أو مؤجلة، كما قد يتسبب في فساد بضائع كثيرة خلال عملية التعامل.

عاشراً: تقليص ساعات العمل([47])

لقد دعا الإسلام إلى تقليص ساعات العمل بطريقة مباشرة وغير مباشرة، وهذا يعني توفر مساحة أكبر للفقراء للمشاركة في الإنتاج لانتشال أنفسهم من الفقر، وقد سلكت فرنسا أخيراً هذا المسلك. فقد قالت وكالة الإحصاء القومي في فرنسا: إن (قانون العمل) الذي قلص ساعات العمل من 39 ساعة بالأسبوع إلى 35 ساعة أتاح 350 ألف فرصة عمل منذ بدأ تطبيقه عام 1998 حتى 2002، علماً بأن توقعاتهم كانت توفير 600 ألف فرصة عمل، أما البطالة فقد تراجعت إلى نسبة 10% حسب وكالة (الأسوشيتد برس)، لكن البرلمان الفرنسي الذي يسيطر عليه المحافظون عدل القانون بعد ذلك. والنقص في قانون العمل الفرنسي أنه لم يقم بعلاج المشكلة بأطرافها أي أنها كانت مفردة واحدة.([48])

والإمام علي (عليه السلام) دعا إلى تقليص ساعات العمل عبر طرق عديدة:

1:  التحريض على الخروج مبكراً من السوق.

2:  الالتزام بالصلوات في أوقاتها مما يعني الخروج من السوق مرتين أو أكثر يومياً.

3:  التحريض على تخصيص قسم جيد من الوقت للعبادة وللعائلة وللأصدقاء وللنزهة، ففي الحديث:

(ينبغي للعاقل إذا كان عاقلاً أن يكون له أربع ساعات من النهار، ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه...)([49]).

الحادي عشر: المرونة في الضرائب([50])

تُعد الضرائب المجحفة من أهم عوامل الفقر، وقد ذكرنا في بند آخر، أن من أسباب الفقر فرض الضرائب على الاستهلاك، لا على الأرباح، والإسلام قد فرض الضرائب على الأرباح كما في الخمس والزكاة والخراج لا على الاستهلاك كما هو واضح.

وهنا نقول:

إن من الحلول ـ إضافةً إلى ضرورة أن تكون الضرائب على الأرباح لا على الاستهلاك ـ أن يتسم النظام الضرائبي بالمرونة، إذ يجب أن تنخفض نسبة الضرائب كلما انخفضت نسبة الأرباح، وهو ما ينسجم مع العقل، وفي ذلك نطالع نص القانون الإنساني الذي أصدره أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال:

(فإن شكوا) أي أهل الخراج الذين تأخذ منهم الضريبة. (ثقلاً أو علة أو انقطاع شرب أو بالة أو إحالة أرض اغتمرها غَرَق أو أجحف بها عطش خفقت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم)([51]).

ولأن الإمام (عليه السلام) يعرف بثاقب نظره أن الولاة والحكومات يصعب عليهم ـ بل يكاد يمتنعون ـ عن تخفيف الضرائب، أضاف:

(ولا يثقلن عليك شيء خففت به المؤونة عنهم، فإنه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك وتزيين ولايتك مع استجلابك حسن ثنائهم وتبجحك باستفاضة العدل فيهم، معتمداً فضل قوتهم بما ذخرت عندهم من إجمامك لهم([52])، والثقة منهم بما عودتهم من عدلك عليهم، ورفقك بهم، فربما حدث من الأمور ما إذا عولت فيه عليهم من بعد، احتملوه طيبة أنفسهم به، فإن العمران محتمل ما حملته، وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها، وإنما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع، وسوء ظنهم بالبقاء وقلة انتفاعهم بالعبر)([53]).

الثاني عشر: توفير الحريات

إن الأصل في الإسلام الحرية، فقد عدّ الله تعالى من أهم أهداف بعثة الرسول(صلّى الله عليه وآله): ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ ([54]).

وقال الإمام علي (عليه السلام): (أيها الناس، إن آدم لم يلد عبداً ولا أمة، وإن الناس كلهم أحرار)([55]).

وقال(عليه السلام): (من توفيق الحر اكتساب المال من حله)([56]).

وقال(عليه السلام) : (الحرية منـزهة عن الغل والمكر)([57]).

وقال(عليه السلام) أيضاً: (من أوحش الناس تبرأ من الحرية)([58]).

ولذا فإن الحرية هي العامل الأول في النمو والازدهار الاقتصادي، ولذلك نجد الإمام الشيرازي الراحل(رحمه الله) أفتى بحرمة كل ما يتسبب في خفض الإنتاجية.([59])

وقال (قدّس سرّه) في (الفقه العولمة):

"يحرم أي قانون أو تخطيط يسبب تحجيم وتقليل الإنتاج زراعياً كان أم صناعياً، ويحرم تخطيط وتنفيذ ما يضر بالإنسان أو يخدش كرامته ولو بتقليل دخله اليومي" ([60]).

كما أن الحرية تُعد العامل الأساسي في تفجر الطاقات وظهور المواهب والإبداعات، مما يعني فرصة أكبر للابتكار، ومساحة أوسع للعمل التكنولوجي، زراعياً وصناعياً، وبالنتيجة تكون الفرصة أكبر لمكافحة الفقر بشكل أقوى وأسرع.

ومن يريد التفصيل في هذا الموضوع فليراجع (الفقه: الحريات) و(الفقه: الاقتصاد) و(الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام)، للإمام الشيرازي الراحل(قدس سره) حيث برهن أن الحريات الاقتصادية في عالم اليوم لا تصل إلى 10% من الحريات الاقتصادية التي منحها الإسلام.([61])

الثالث عشر: على الدولة.. التخطيط والإشراف لا الإنتاج

يجب على الدولة أن تضطلع بمهمة حفظ النظام، ومراعاة العدل، والتخطيط لازدهار الاقتصاد

وفي نفس الوقت عليها أن تتجنب أي دور اقتصادي يُعد بديلاً عن دور الناس؛ شركات و أفراداً.

وعلى ذلك فإن (التأميم)([62]) الذي يحصر ممتلكات البلد بيد الحكومة، يُعد خطأ فاحشاً، كما أن تدخل الدولة في الإنتاج المباشر هو خطأ آخر، علماً أن فكرة (التأميم) نشأت لتكون وسيلة تخلص الشعوب من سيطرة الاستعمار القديم على ثرواتها المعدنية والزراعية وغيرها، لاسيما النفط، لكن نجد الأمر انقلب على الشعوب ليكون نقمة بدلاً من أن يكون نعمة. إذ الواجب أن تكون (ملكية) كل ثروة عائدة للناس، وأما إدارة بعض الثروات الكبرى التي يعجز عنها آحاد الناس، فالواجب أن تكون بيد ممثلين عن الناس، ينتخبونهم، لا بيد الحكومة.([63])

كل ذلك أدى إلى تزايد الفقر، وقد قال الإمام علي (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر:

"ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات و أوص بهم خيراً.. وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك..."

وقال (عليه السلام): (وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله)([64]).

فمسؤولية الحاكم الرعاية وتوفير الأمن الاقتصادي والعناية بسلامة مسيرة عملية الإنتاج، لا التدخل المباشر في إنتاج السلع أو الخدمات.

ولهذا البحث كلام طويل جداً، يمكن متابعته في (الفقه: السياسة)، و(الفقه: الاقتصاد) و(الفقه: الحقوق)، و(الفقه: الدولة الإسلامية)، للإمام الشيرازي الراحل (قدّس سرّه).

هذا كله من جانب، ومن جانب آخر فان على (الحكام) و(الوزراء) و(الولاة) ونظائرهم، أيضاً أن يعملوا، وعندئذ ستُرفع عن ميزانية الدولة أعباء مالية كبيرة أولاً، وسيعرف الحكام والولاة قيمة العمل والعمّال أكثر فأكثر مما سيبعثهم على السعي الجاد لتحسين فرص العمل وظروفه، ثانياً، كما ان ذلك سيزيد حب الشعب لحكامه والتفافه حولهم، مما يسبّب استقرار البلاد واستتباب الأمن، والذي سينعكس بدوره على تحسين فرص الانتاجية الاقتصادية، ثالثاً.

والروايات التي تحرض الحكام على العمل كثيرة،كما ان التاريخ يحدثنا عن (عمل) بعض الولاة الصالحين، وهذه إشارة سريعة لنموذج منها:

على الحكام أيضاً العمل

فقد ورد في التاريخ انه كان سلمان يسفّ الخوص – وهو أمير المؤمنين على المدائن – ويبيعه ويأكل منه ويقول: لا أحب أن آكل إلاّ من عمل يدي وقد كان تعلَّم سفّ الخوص من المدينة.([65])

إن على (الحكام) والولاة والوزراء، والمسؤولين، أيضاً (العمل)، ولو عملوا جميعاً وعاشوا من كدّ أيديهم، لما كبّدوا ميزانية الدولة الكثير الكثير، فإن الملايين بل مئات الملايين - في بعض الدول - يتكبدها بيت المال وخزانة الدولة، من نفقات المسؤولين، وكم كان ذلك سوفر على الفقراء من الأموال؟!

سُفَّ الخوص ولا تغصب أموال الآخرين

في كتاب من سلمان مولى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى عمر بن الخطاب فيه: وأمّا ما ذكرت أنّي أقبلت على سفّ الخوص وأكل الشعير فما هما ممّا يعيّر به مؤمن ويؤنَّب عليه، وايم الله، يا عمر، لأكل الشعير وسفّ الخوص والاستغناء به عن رفيع المطعم والمشرب وعن غصب مؤمن حقّه وادّعاء ما ليس له بحقّ، أفضل وأحبّ إلى الله عز وجل وأقرب للتقوى، ولقد رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا أصاب الشعير أكل وفرح به ولم يسخطه.([66])

وهنا حقائق:

1-  العمل شريف مهما بدا متواضعاً -بل وحتى محتقراً - في أنظار الناس.

2-  من يتعالى عن العمل، بدعوى دناءته، كثيرا ما يسقط في شِراك الربح المحرم، إذ يحاول أن يسلك أسهل السبل إلى الثراء فلا يجد إلا الغش والتدليس أو الغصب والسرقة، أو الاحتكار ورفع الأسعار، ولذا قال سلمان (... لأكل الشعير وسفّ الخوص والاستغناء به عن رفيع المطعم والمشرب وعن غصب مؤمن حقّه وادّعاء ما ليس له بحقّ، أفضل وأحبّ إلى الله عز وجل وأقرب للتقوى...).

3-  على المؤمن أن يقنع بالموجود مهما بدا متواضعاً بل عليه أن يفرح به كما كان رسول الله صلى الله عليه وآله (إذا أصاب الشعير أكل وفرح به ولم يسخطه)، والقناعة بالموجود بل والفرح به، تؤثر في الصحة النفسية والجسمية، وفي هدوء الأعصاب، وينعكس ذلك كله على (الانتاجية) و(القدرة على العمل بشكل أفضل) كما ينعكس إيجابياً على الوضع العائلي.

الرابع عشر: محاربة كافة عوامل تبديد أو تحطيم الاقتصاد

وهذا سيكون في البحث القادم بإذن الله تعالى.

يتبع....

----------------------------------------

([1])استعرنا مصطلح (الحلول الاستراتيجية) من نطاقاته العسكرية المعهودة، لنقصد به (الحلول النوعية، بعيدة المدى) سواء أكانت مسؤولية الدولة بالدرجة الأولى، أم مسؤولية مؤسسات المجتمع المدني، أم مسؤولية عامة الناس، أم مسؤولية مشتركة بين الجميع، كما يتضح ذلك بملاحظة البنود الأربعة عشرة الآتية.

([2]) إذ قد تقوم الدولة بالاحتكار وقد يقوم الناس بالاحتكار، وقد يقوم – اشخاص بتزوير العملة، وقد تطبع الدولة نقوداً أكثر من الخلفية الاقتصادية لها – مما نسميه توسعاً نوعاً من تزوير العملة.

([3])ملامح العلاقة بين الدولة والشعب.

([4])معالم المجتمع المدني في منظومة الفكر الإسلامي.

([5])  الصياغة الجديدة، والسبيل الى انهاض المسلمين، وممارسة التغيير، والفقه السياسة والاقتصاد، الحقوق، الدولة، وغيرها.

([6])يلاحظ أن التعبير بـ(منح) أيضاً تسامحي، لأن الأرض والثروات كلها خلقها الله تعالى للناس، ولا يتوقف تملك الناس لها على منح الدولة لهم، بل التملك منوط بالحيازة والإحياء، كما هو مبين في كتب الفقه، (راجع مثلاً الفقه كتاب إحياء الموات/المجلد 80).

([7]) سورة البقرة: 29.

([8])وسائل الشيعة: ج17 ص328.

([9])التضخم يعد من أكثر الاصطلاحات الاقتصادية شيوعاً، وبالرغم من ذلك فإنه لايوجد اتفاق بين الاقتصاديين بشأن تعريفه، ويرجع ذلك إلى انقسام الرأي حول تحديد مفهوم التضخم حيث يستخدم هذا الاصطلاح لوصف عدد من الحالات المختلفة، مثل: الارتفاع المفرط في المستوى العام للأسعار. ارتفاع الدخول النقدية أو عنصر من عناصر الدخل النقدي مثل الأجور أو الأرباح. ارتفاع التكاليف. الإفراط في خلق الأرصدة النقدية.

وليس من الضروري أن تتحرك هذه الظواهر المختلفة في اتجاه واحد في وقت واحد، بمعنى أنه من الممكن أن يحدث ارتفاع في الأسعار دون أن يصحبه ارتفاع في الدخل النقدي، كما أن من الممكن أن يحدث ارتفاع في التكاليف دون أن يصحبه ارتفاع في الأرباح، ومن المحتمل أن يحدث إفراط في خلق النقود دون أن يصحبه ارتفاع في الأسعار أو الدخول النقدية. وبعبارة أخرى فإن الظواهر المختلفة التي يمكن أن يطلق على كل منها (التضخم) هي ظواهر مستقلة عن بعضها بعضاً إلى حد ما وهذا الاستقلال هو الذي يثير الإرباك في تحديد مفهوم التضخم.

([10]) الأنفال جمع (نفل)، وهو بمعنى الزيادة، وقد أطلقت على (النوافل اليومية) أيضا لأنها زيادة على الفريضة، وربّما تستعمل في العطيّة، ولعلّ المعنيين متقاربان. وقد اُطلق هذا اللّفظ في الآية و اُريد منه غنائم ما أخذ من دار الحرب بغير قتال، وما أشبهه وعن الإمام الباقر عليه السلام انه عرف الأنفال بـ(منها المعادن والآجام وكل أرض لا رب لها وكل أرض باد أهلها).

([11]) الكافي (فروع) : ج5 ص155 ح1.

([12])الضريبة أو الجباية هي مبلغ مالي تتقاضاه الدولة من الأشخاص والمؤسسات بهدف تمويل نفقات الدولة. أي بهدف تمويل كل القطاعات التي تصرف عليها الدولة كالتعليم متمثلا في المدارس ورواتب المدرسين، والوزارات ورواتب عمالها، وصولا إلى عمال النظافة الحكومية، والسياسات الاقتصادية كدعم سلع وقطاعات معينة، أو الصرف على البنية التحتية كبناء الطرقات والسدود أو التأمين على البطالة. وللتفصيل يراجع الملحق .

([13]) نهج البلاغة: ج3 ص96.

([14]) نهج البلاغة: ج3 ص96.

([15])توصلت دراسة متعمقة إلى أن الشبان العرب يتوقون للتغيير، لكن أحلامهم الاقتصادية تعوقها المجتمعات المتعصبة التي لا تعترف بإمكاناتهم الضخمة، وللتفصيل يراجع الملحق.

([16]) راجع www.siironline.org

([17]) الخصال: ص 310.

([18]) وسائل الشيعة: ج12 ص299 ب 15 ح2.

([19]) بل حتى في الدول الديمقراطية، كما يشاهده المتتبع.

([20])وهي اليوم تُعد مؤسسة عمومية ذات طابع اجتماعي وإداري يتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والانتساب إليه إجباري. أما خدماته، فهو يقدم لكل الأشخاص العاملين و ذويهم وتشمل التأمينات الاجتماعية: المرض، الولادة، العجز، حوادث العمل، الأمراض المهنية، البطالة. بتقديم أداءات نقدية وعينية. أما مداخيله، فتتحقق من الاشتراكات التي يدفعها كل من صاحب العمل والعمال الأُجراء وغير الأجراء وصندوق الخدمات الاجتماعية. ويعتبر الضمان الاجتماعي مؤسسة (لـلادخار الإجباري).

([21])نهج البلاغة: ص436.

([22])يقول المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي(دام ظله) في كتابه (السياسة من واقع الاسلام): انظر إلى القصة التالية وتدبر في أبعاد دلالتها، ذكر الشيخ الحرّ العاملي (رحمه الله) في كتاب (وسائل الشيعة): إن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يمشي في سكك الكوفة، فنظر إلى رجل يستعطي الناس: فوجه الإمام السؤال إلى من حولـه من الناس قائلاً: ما هذا؟

فقالوا: إنه نصراني كبر وشاخ ولم يقدر على العمل، وليس لـه مال يعيش به، فيكتنف الناس..

فقال الإمام (عليه السلام) في غضب: استعملتموه على شبابه حتى إذا كبر تركتموه؟

ثم جعل الإمام (عليه السلام) لذاك النصراني من بيت مال المسلمين مرتباً خاصاً ليعيش به حتى يأتيه الموت.

وهذا يدل على أن الفقر كاد أن لا يرى لنفسه مجالاً في الدولة الإسلامية، حتى إذا رأى الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) فقيراً واحداً كان يستغرب، ويعتبره ظاهرة غير طبيعية وغير لائقة بالمجتمع الإسلامي، والنظام الاقتصادي الإسلامي. ثم يجعل لـه من بيت مال المسلمين مرتباً يرتزق به مع أنه نصراني لا يدين بالإسلام، لكيلا يكون في البلد الإسلامي مظهر واحد للفقر والجوع. ولكي يعرف العالم، والمسلمون أنفسهم أنّ الحكومة الإسلامية تقضي على الفقر وترفع مستوى المعيشة.

([23])نهج البلاغة: ص438.

([24])نهج البلاغة: ص438.

([25]) نهج البلاغة: ص436.

([26]) يقصد بالتكافل الاجتماعي: أن يكون أفراد المجتمع مشاركين في المحافظة على المصالح العامة والخاصة ودفع المفاسد والأضرار المادية والمعنوية بحيث يشعر كل فرد فيه أن عليه واجبات إزاء الآخرين كما له حقوق، ويكون له شعور بالمسؤولية إزاء الذين ليس باستطاعتهم أن يحققوا حاجاتهم الخاصة وذلك بإيصال المنافع إليهم ودفع الأضرار عنهم.

التكافل الاجتماعي في الإسلام يتحقق في المجتمع الذي يطبق الإسلام عقيدة وشريعة ونظاماً وسلوكاً وفقاً لما جاء به الكتاب والسنة الشريفة، وكما جاء في سيرة الرسول الأكرم وأمير المؤمنين (صلوات الله عليهما)، ذلك أن الإسلام أهتم ببناء المجتمع المتكامل وحشد في سبيل ذلك جملة من النصوص والأحكام لإخراج الصورة التي وصف بها الرسول (صلى الله عليه وآله) بقوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).

([27]) الكافي: ج2 ص668.

([28]) مستدركالوسائل: ج8، ص 428.

([29]) سورة المائدة: 2.

([30]) كما حض الإسلام أشد الحض والحث على (المواساة) و(الإيثار) في المئات من الآيات والروايات. يراجع في ذلك (فقه التعاون) للمؤلف.

([31]) سورة البلد: 14ــ 16.

([32]) ولمن يريد المزيد، مراجعة كتاب (أمير المؤمنين(عليه السلام) شمس في أفق البشرية) للإمام الشيرازي الراحل(قدس سره)،  وكذلك (الفقه: الاقتصاد)، للامام الشيرازي(قدس سره)، وكتاب (السياسة من واقع الإسلام) للمرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي(دام ظله).

([33]) اسم منسوب إلى (احتياط). وهو ما يُدَّخر تحسُّبًا للطوارئ، أو ما يكون تحت الطّلب عند الحاجة (الاحتياطي الدولي)، (مال احتياطي).

([34]) فإن الاحتياطي الحقيقي هو في عمارة الأرض وتشييد المصانع والمعامل، وارتفاع مستوى التعليم وكسب ثقة الناس في الحكومة وما إلى ذلك، أما النقد فإنه يكتفى منه بالأقل الأقل اللازم من الاكتناز، بل لو كانت الدولة صالحة فإن (النقد) بأيدي الناس سيكون هو الخلفية والسند من غير حاجة إلى (الكنز) أبدا.

([35]) تشير المعلومات الصادرة عن تقرير لجنة الأبحاث في الكونغرس الأميركي أن حجم إنفاق دول الخليج على التسلح في العام المنصرم 2010 قد تجاوز 105 مليارات دولار أميركي بزيادة تبلغ 11 مليار دولار عن العام الذي سبقه 2009، وللتفصيل يراجع الملحق.

([36]) الرشوة نــوع من الفساد، يُطلق على دفع شخص أو مؤسسة مالاً أو خدمة من أجل الاستفادة من حق ليس له، أو أن يعفي نفسه من واجب عليه.

([37]) نهجالبلاغة: ج2 ص14.

([38]) اي: المفصل بين الساق والقدم، راجع لسان العرب: ج8 ص428.

([39]) بحار الأنوار: ج40 ص 332 ب98 ح14، مستدرك الوسائل : ج 13 ص248.

([40]) يعد هذا العامل من أهم عوامل (الحفاظ) على الثروة، كما يصب بالمآل إلى تنمية الثروة، وإن لم يعد عامل إيجاد للثروة.

([41]) نهج البلاغة: ج2 ص96.

([42]) الاكتناز hoarding هو جمع المال وتكديسه والاحتفاظ بالمتراكم منه نقداً سائلاً مدة زمنية غالباً ما تكون طويلة، والكنز في اللغة هو المال المدفون. وبذلك يظل المال المكتنز مجمداً بعيداً عن التداول، ومن دون فائدة مباشرة أو نفع اقتصادي.

([43]) سورة التوبة: 34.

([44]) البيروقراطية أو (الدواوينية) هي مفهوم يستخدم في علم الاجتماع والعلوم السياسية يشير إلى تطبيق القوانين بالقوة في المجتمعات المنظمة. وتعتمد هذه الأنظمة على الإجراءات الموحدة وتوزيع المسؤوليات بطريقة هرمية والعلاقات الشخصية. وللتفصيل يراجع الملحق.

([45]) لكن هذه الدعوى بحاجة إلى تحقيق أكثر من حيث (صغرى القضية).

([46]) جاءت اتفاقية مؤتمر بريتون وودز ليتقرر فيها النظام الجديد للنقد الدولي، فكان لابد من مؤسسة عالمية، تكون مسؤولة عن الإشراف على تنفيذ اتفاقية بريتون وودز، كما تكون مسؤولة عن انضباط المعاملات النقدية والمالية، ووضع قاعدة ثابتة تنضبط بها أسعار صرف العملات، كما أن لهذه المؤسسة حق المراقبة على حسن سير نظام النقد الدولي الجديد، لكن الذي حدث مع مرور الوقت هو اختلال بعض دعائم هذه الاتفاقية ووقوع العالم في أزمات نقدية أخرى.

([47])تقليص ساعات العمل، يوفر فرص عملٍ للملايين من العاطلين عن العمل، لذا اعتبرناه من عوامل توفير المال للمحرومين، كما أنه يخفف الضغط على العمال والموظفين.

([48]) CNN العربي بتاريخ 25 \ 6 \ 2006.

([49]) بحار الأنوار: ج1 ص131، روضة الواعظين: ص 4.

([50])المرونة في الضرائب، تعد من عوامل الحفاظ على الحد الأدنى من أموال الفقراء، وثروات الطبقة الوسطى.

([51])(ثقلاً): مثل آفة ضربت الزراعة أو أمراض أثقلتهم عن الإنتاج الوفير، (علة): كعلة سماوية أضرت بالزراعة، (انقطاع شرب): أي الماء الذي يسقى به الزرع، (انقطاع بالة): أي ما يبل الأرض من ندى ومطر، (إحالة أرض): أي تحويلها البذور إلى بذور فاسدة بالتعفن.

([52]) الاجمام: الترفيه والإراحة.

([53]) نهج البلاغة: عهده (عليه السلام) للأشتر.

([54]) سورة الأعراف: 157.

([55]) الكافي: ج8 ص69.

([56]) غرر الحكم: ص354.

([57]) غرر الحكم: ص291.

([58]) غرر الحكم: ص204.

([59])راجع (قراءات في فكر الإمام الشيرازي) على موقع (معهد الامام الشيرازي للدراسات) حيث يقول: إغراق السوق يعني تصدير خدمات أو سلع إلى السوق في دولة أخرى وبسعر أقل من التكلفة أو سعر المماثل في الدولة المستوردة. ويمكن أن يؤدي الإغراق إلى تسريح العمال والموظفين وإقفال المصانع وإفلاسها وإنخفاض في الإنتاج واضطرابات اقتصادية واجتماعية وسياسية كبيرة، لذلك يعتبر الإغراق من نشاطات المنافسة غير العادلة والمخالفة للإنصاف، ولذلك يواجه معارضة حكومة البلد المستورد وشركاته.

يقول الإمام الشيرازي الراحل (رحمه الله) في كتابه (فقه المرور) ص 176 ــ 177: التجارة حرة باستثناء تجارة المحرمات وتجارة المواد الضارة كالمخدرات، وليس شيء في بلاد الإسلام يسمى بالتهريب وما أشبه ذلك، نعم هناك مسألة ( ضرر) حيث يلزم على التاجر أن لا يستورد ولا يصدر ما يوجب ضرر المسلمين، أو ضرر غير المسلمين الساكنين في بلاد الإسلام، كما أنه لا يحق للإنسان أن يستورد ما فيه ضرر على المسلمين كإيجابه تعطيل العاملين. ولا يحق أيضا لإنسان أن يصدّر ما يوجب ضرراً على المسلمين أو غير المسلمين كإيجابه ارتفاع الأسعار الضار أو ما أشبه ذلك.هذا وإن الجمارك والمكوس حرام قطعاً، وأخذ المال من الناس بالباطل تحت أي اسم كان موجب للضمان، و يعزر الفاعل بالعقوبة الإسلامية مع العلم و العمد.

([60])الفقه العولمة، للامام الشيرازي: ص 216.

([61])يقول المرجع الديني الراحل الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي(قدس سره): الحرية في الإسلام حق قبل كل شيء، والذي يظهر للمتتبع أن الحريات الممنوحة في الإسلام مائة في المائة، بينما الحريات الممنوحة في العالم المسمّى بـ (العالم الحر) عشرة في المائة أو أقل منه. فقد أعطى الإسلام للإنسان حرية الفكر، وحرية القول، وحرية العمل، لكن في الإطار المعقول الصحيح، من عدم الإضرار بالآخرين وعدم الإضرار البالغ بالنفس حتى أن الأكل والشرب المضرين ضرراً بالغاً لا يجوزان لأنهما إضرار بالنفس، والسباب بالقول، والضرب ونحوهما غير جائزة لأنها إضرار بالآخرين، والاستفادة من مواهب الحياة أكثر من القدر الصحيح لا يجوز، لأنه اضرار بالأجيال القادمة.

فالحرية ـ إذاً ـ عامة لجميع الناس حتى الكفار، في مختلف أنواع الحقول. منها: الحرية الفكرية، أي حرية البحث والمناقشة في البحوث العلمية والبحوث الدينية. ومنها الحرية الاقتصادية، أي حرية الاكتساب بجميع أنحائها. ومنها الحرية الدينية، أي التسامح نحو الأديان الأخرى. ومنها: الحرية السياسية التي تتناول العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وإن الحاكم يجب أن يكون باختيار الأمة وممن يتوفر فيه رضى الله سبحانه وتعالى وسائر الشروط الإسلامية وهي كلها شروط يؤكد عليها العقل كأن يكون عالماً بالغاً عادلاً، إلى غير ذلك مما ذكره الفقهاء في أول مباحث التقليد. وقد ذكرنا جملة من الروايات المرتبطة باختيار الحاكم في كتاب: (الحكم في الإسلام) وفي غيره من بعض كتبنا الإسلامية وهناك مائة نموذج للحريات الإسلامية نذكر عناوينها هنا فمن الحريات الإسلامية:

1:  حرية العبادة في أي مكان، صلاةً وصوماً وطهارة وذكراً لله، وقراءة القرآن، ودعاءً لله. أما الصلاة ففيها الحرية المطلقة، وقد قال النبي(صلّى الله عليه وآله): (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً). 2: والحرية في البيع. 3: والحرية في الشراء. 4 : والحرية في الرهن. 5: والحرية في الضمان. 6: والحرية في اختراع أي عقد جديد لم يمنع عنه الشارع. 7: والحرية في الكفالة. 8: والحرية في الصلح. 9: والحرية في التأمين. 10: والحرية في الشركة. 11: والحرية في المضاربة. 12: والحرية في المزارعة. 13: والحرية في المساقاة. 14: والحرية في حيازة الأرض. 15: والحرية في حيازة المباحاة. 16: والحرية في الوديعة. 17: والحرية في العارية. 18: والحرية في الإجارة. 19: والحرية في الوكالة. 20: والحرية في الوقف. 21: والحرية في الصدقة. 22: والحرية في العطية. 23: والحرية في الهبة. 24: والحرية في السكنى. 25: والحرية في العمران. 26: والحرية في السبق. 27: والحرية في الرماية. 28: والحرية في الوصية. 29: والحرية في النكاح للرجل وللمرأة دواماً وانقطاعاً. 30: والحرية في الطلاق. 31: والحرية في الخلع. 32: والحرية في الرضاع. 33: والحرية في السفر. 34: والحرية في الإقامة. 35: والحرية في فتح المحل. 36: والحرية في الإقرار. 37: والحرية في الجعالة. 38: والحرية في الطباعة. 39: والحرية في قدر المهر وسائر الخصوصيات المرتبطة بالنكاح. 40: والحرية في امتهان أية مهنة شاءها الإنسان. 41: والحرية في الثقافة بأن يطلب العلم النافع له وللبشر وللحيوان والنبات وغير ذلك فينتهي إلى أن يكون طبيباً أو مهندساً أو محامياً أو خبير سياسة أو اقتصاد أو غير ذلك، أو أن يكون فقيهاً أو خطيباً أو مؤلفاً أو نحو ذلك. 42: الحرية في العهد. 43: الحرية في اليمين. 44: الحرية في النذر. 45: الحرية في تناول الأطعمة المحللة بأي كيفية شاء. 46: الحرية في إحياء الموات. 47: الحرية في الأخذ بالشفعة. 48: الحرية في الإرث بأن يكون الإرث للورثة على ما بيّنه الرسول (صلّى الله عليه وآله) وحسب الموازين الإسلامية، فقد قال: (من ترك دينا أو ضياعاً فعليّ، ومن ترك مالاً فلورثته). والمراد بالضياع العائلة التي لا كفيل لها، بينما القوانين الوضعية تجعل جملة من الإرث ـ قد تصل أحياناً إلى تسعين في المائة ـ من نصيب الحكومة كما هو معروف. 49: الحرية في المراجعة إلى أي قاض شرعي. 50: الحرية في الشهادة والاستشهاد. 51: الحرية في اختيار الدية، أو القصاص، أو العفو في الموارد الخاصة. 52: الحرية في الزراعة. 53: الحرية في الصناعة. 54: الحرية في العمارة. 55: الحرية في كون الإنسان بدون جنسية ولا هوية وما أشبه من الرسوم المتعارفة الآن. 56: الحرية في إصدار الجريدة. 57: الحرية في إصدار المجلة. 58: الحرية في امتلاك محطة الإذاعة. 59: الحرية في امتلاك محطة التلفزيون للبث.

60:  الحرية في العمل. 61: الحرية في إبداء الرأي. 62: الحرية في التجمع. 63: الحرية في تكوين النقابة. 64: الحرية في إنشاء الجمعيات. 65: الحرية في إنشاء المنظمة. 66: الحرية في إنشاء الحزب. 67: الحرية في الانتخاب. 68: الحرية في الإمارة. 69: الحرية في الولاية. 70: الحرية في السفارة. 71: الحرية في انتخاب أية وظيفة من وظائف الدولة. 72: الحرية من جهة عدم جواز رقابة الحكومة على الناس بأجهزة الإنصات والتليفون أو ما أشبه من أساليب المباحث والبوليس السري. 73: الحرية في إنجاب أي عدد من الأولاد. 74: والحرية في عدد الزوجات إلى أربع على نحو الدوام، أو أكثر على نحو الانقطاع. 75: والحرية في العقيدة، قال سبحانه: (لا إكراه في الدين). 76: والحرية في كيفية الأكل والشرب واللباس وما أشبه. 77: والحرية في الذهاب والرجوع من البيت وإلى البيت ليلاً أو نهاراً في قبال أن بعض البلاد كموسكو ونحوها من بلاد الشيوعيين لا حرية للإنسان فيها أن يسافر إلا بمقدار خاص، وكذلك لا حرية في أيام منع التجول في سائر البلاد. 78: والحرية في بناء المساجد. 79: والحرية في بناء المدارس. 80: والحرية في بناء الحسينيات. 81: والحرية في بناء المستشفيات. 82: والحرية في بناء المستوصفات. 83: والحرية في بناء دور النشر. 84: والحرية في بناء دور الثقافة. 85: والحرية في بناء الخانات والفنادق. 86: والحرية في بناء دور الولادة. 87: والحرية في بناء دور العجزة. 88: والحرية في فتح البنوك. 89: والحرية في الدخول في اتحاد الطلبة. 90: كما أن للإنسان الحرية في الخروج من أية مؤسسة أو وظيفة أو ما أشبه إلا إذا ربط نفسه بشرط ونحوه. 91: الحرية في اختيار نوع أثاث الدكان والمنزل وما أشبه. 92: الحرية في انتقاء أي نوع من أنواع السيارات ونحوها. 93: والحرية في كيفية المعاملة. 94: والحرية في الإقراض والاقتراض. 95: والحرية في إعطاء التولية في الوقف ونحوه لأي أحد. 96 ـ والحرية في جعل الإسم لأي شخص، أو لأي محل مرتبط به، فلا يرتبط جعل الإسم بإجازة الدولة كما هو المتعارف في كثير من البلاد الآن. 97: الحرية في فتح حقول الدواجن. 98: والحرية في تقليد أي مرجع شاء جامع للشرائط. 99: والحرية في انتخاب أي خطيب أراد. 100: والحرية في تسجيل العقد ونحوه عند أي عالم في مقابل عدم الحرية في ذلك بالنسبة إلى غالب الدول حيث يقيدون الإنسان بتسجيل عقده ونحوه عند دائرة خاصة. إلى غيرها من الحريات الكثيرة الموجودة في الإسلام. راجع كتاب الصياغة الجديدة على موقع الامام الشيرازي على الانترنت.

 ([62])التأميم هو نقل ملكية قطاع معين إلى ملكية الدولة أي تحويله إلى القطاع العام. وهي مرحلة تمر بها ما تسمى بالدولة المستقلة عادة في إطار عملية نقل الملكية وإرساء قواعد السيادة بحيث تقوم الدولة بإرجاع ملكية ما يراد تأميمه إلى نفسها. كما أنها عملية تستمر كثيراً لإرجاع المباحات الاصلية (كالغابات والمعادن) للدولة.

([63]) يراجع تفصيل ذلك، في كتاب (ملامح العلاقة بين الدولة والشعب) للمؤلف، والفقه الحقوق، والفقه الدولة الاسلامية، والفقه الاقتصاد، وغيرها.

([64])نهج البلاغة ص436.

([65])  مستدرك الوسائل: ج13 ص60 ب26 ح1.

([66]) الاحتجاج: ج1 ص130 – 131، جامع أحاديث الشيعة : ج 17، ص 134.

20/ ذو الحجة/1444هـ