الحاجة إلى الدولة .. هذه دولة أمير المؤمنين فانظروا الى دولكم


من كتابات المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قده)

 

موقع الإمام الشيرازي

 

إن الفرد (المجتمع) له مصالح متعددة ينبغي أن تُؤمِّنها الدولة، بالتالي يرتبط الفرد والمجتمع تلقائياً بالدولة، حيثما يأمن على حريته وحياته وماله وأمنه ومستقبله وحيثما يتفيأ تحت ظلالها، وفي قبال ذلك، الفرد (المجتمع) يطيع أوامر الدولة كرهاً أو طوعاً. أيضاً، من المهم هنا التذكير والتأكيد على أن الحرية في الدولة الإسلامية - ويُفترَض في كل الدول - مضمونة ومكفولة، وهي إحدى دعائم، ومقومات الدولة الناجحة، فلا كبت ولا ضغوط ولا قيود على الأفراد والمجتمع، وإنما هم أحرار في كل حركاتهم وسكناتهم. من ذلك، تتأكد الحاجة الماسّة للشعوب والمجتمعات الى الدولة، وكلما تقدم العلم، وكثر أفراد البشر أصبحت الحاجة الى الدولة أكبر.

-------------------------

الدولة هي أرقى التشكلات البشرية لإدارة أمور جماعة كبيرة في مختلف شؤونها.

وكلما تقدم العلم والصناعة وكثر البشر في منطقة وتعقدت أحوال الأمم، كان الاحتياج إلى الدولة أكثر، حيث إن العلم يزيد حاجات البشر، والكثرة توجب تبادل العلاقات أكثر، والتغير في أحوال أمم يؤثر تلقائياً على أحوال غيرها، وكل ذلك يرفع درجة الاحتياجات، وبارتفاع درجة الاحتياجات يكون الاحتياج إلى الدولة المنظِمة لهذه الاحتياجات أكثر فأكثر.

مثلاً بعد أن أضيفت الى الحياة خدمات الماء والكهرباء والنقل، واحتاج الناس إلى معامل التصفية، ومكائن الكهرباء والمطارات والمحطات وما أشبه، زادت وظيفة الدولة بتوفير هذه الحاجات، بينما لم تكن من ذى قبل.

والفرق واضح بين الدولة التي تشرف على إصلاح شؤون مليون شخص، وبين الدولة التي تشرف على إصلاح شؤون مائة مليون، حيث إن الأولى تعالج مشاكل علاقات مليون، بينما الثانية تعالج مشاكل مئات الملايين من العلاقات، حيث إن التضاعف العددي في الأفراد لا يوجب التضاعف العددي في العلاقات، بل يوجب التضاعف الهندسي. فإن علاقة شخص بآخر هي في الحقيقة علاقتان بين طرفين، أما إذا كان شخص ثالث صارت العلاقات ستة، فإذا حضر شخص رابع أصبحت اثنتي عشرة علاقة، وهكذا كلما زاد فرد زادت العلائق بالقياس السابق.

إن الفرد (المجتمع) له مصالح متعددة ينبغي أن تُؤمِّنها الدولة، بالتالي يرتبط الفرد والمجتمع تلقائياً بالدولة، حيثما يأمن على حريته وحياته وماله وأمنه ومستقبله وحيثما يتفيأ تحت ظلالها، وفي قبال ذلك، الفرد (المجتمع) يطيع أوامر الدولة كرهاً أو طوعاً. أيضاً، من المهم هنا التذكير والتأكيد على أن الحرية في الدولة الإسلامية - ويُفترَض في كل الدول - مضمونة ومكفولة، وهي إحدى دعائم، ومقومات الدولة الناجحة، فلا كبت ولا ضغوط ولا قيود على الأفراد والمجتمع، وإنما هم أحرار في كل حركاتهم وسكناتهم. من ذلك، تتأكد الحاجة الماسّة للشعوب والمجتمعات الى الدولة، وكلما تقدم العلم، وكثر أفراد البشر أصبحت الحاجة الى الدولة أكبر.

أما الدولة في منظار أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام):

فقد قال علي أمير المؤمنين (عليه السلام) كما في (نهج البلاغة): "لابد للناس من أمير بر أو فاجر..." (نهج البلاغة. خطب الإمام علي (عليه السلام) – ج1 – ص91).

والظاهر أن المراد حاكم بر في بلاد الأبرار، وحاكم فاجر في بلاد الفجار، لأن كل طائفة تنتخب من نفسها، أو كما ورد: "كيفما تكونوا يولّى عليكم."

"... يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدو، وتأمن به السبل، ويؤخذ به للضعيف من القوي، حتى يستريح بر، ويستراح من فاجر" (نهج البلاغة: الخطبة 41). انتهى كلامه (عليه السلام).

وقال عبد الله بن عباس: دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) بذي قار، وهو يخصف نعله، فقال لي: "ما قيمة هذه النعل"، فقلت: لا قيمة لها، فقال (عليه السلام): "والله لهي أحب إليّ من إمرتكم، إلاّ أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً" (نهج البلاغة: الخطبة 33).

وقال (عليه السلام): "فقد جعل الله لي عليكم حقاً بولاية أمركم، ولكم علي من الحق مثل الذي لي عليكم، والحق أوسع الأشياء في التواصف، وأضيقها في التناصف، لا يجري لأحد إلاّ جرى عليه، ولا يجري له إلاّ جرى عليه، ولو كان لأحد أن يجري له ولا يجري عليه لكان ذلك خاصاً لله سبحانه دون خلقه، لقدرته على عباده، ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه، ولكنه سبحانه جعل حقه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب، تفضلاً وتوسعاً بما هو من المزيد أهله ...

ثم جعل سبحانه من حقوقه، حقوقاً افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها تتكافأ في وجوهها، ويوجب بعضها بعضاً، ولايستوجب بعضها إلاّ ببعض. وأعظم ما افترض الله سبحانه من تلك الحقوق، حق الوالي على الرعية، وحق الرعية على الوالي، فريضة الله سبحانه لكل على كل، فجعلها نظاماً لألفتهم، وعزاً لدينهم، فليست تصلح الرعية إلاّ بصلاح الولاة، ولا تصلح الولاة إلاّ باستقامة الرعية، فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه، وأدى الوالي إليها حقها، عز الحق بينهم، وقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل، وجرت على إذلالها السنن، فصلح بذلك الزمان، وطمع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الأعداء...

وإذا غلبت الرعية واليها، أو أجحف الوالي برعيته، اختلفت هنالك الكلمة، وظهرت معالم الجور، وكثر الأوغال في الدين، وتركت محاج السنن، فعمل بالهوى، وعطلت الأحكام، وكثرت علل النفوس، فلا يستوحش بعظيم حق عطل، ولا بعظيم باطل فعل، فهناك تذل الأبرار، وتعز الأشرار، وتعظم تبعات الله سبحانه عند العباد" (نهج البلاغة: الكتاب 34).

وسأله (عليه السلام) رجل: "العدل أفضل أم الجود؟" فقال (عليه السلام): "العدل يضع الأمور مواضعها، والجود يخرجها من جهتها، والعدل سائس عام والجود عارض خاص، فالعدل أشرفهما وأفضلها" (نهج البلاغة: الحكمة 437).

وقال (عليه السلام): "الحق القديم لا يبطله شيء، والله لو وجدته ـ أي المال المغصوب ـ قد تزوج به النساء وملك به الإماء لرددته، فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق" (نهج البلاغة: الخطبة 15).

وقال (عليه السلام): "أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز" (نهج البلاغة: الخطبة 3).

وطلب بعض منه (عليه السلام) أن يعمل بحسب القاعدة المعروفة: (الغاية تبرر الوسيلة) فقال (عليه السلام): "أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور، والله ما أطور به ما سمر سمير، وأم نجم في السماء نجماً، لو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف وإنما المال مال الله" (نهج البلاغة: الخطبة 126).

وقال (عليه السلام): "وليس امرؤ ـ وإن عظمت في الحق منزلته، وتقدمت في الدين فضيلته ـ بفوق أن يعان على ما حمله الله من حقه، ولا امرؤ ـ وإن صغرته النفوس واقتحمته العيون ـ بدون أن يعين على ذلك، أو يعان عليه" (نهج البلاغة: الخطبة 216).

وقال (عليه السلام): "فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة، ولا تتحفظوا مني بما يتحفظ عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة، ولاتظنوا بي استثقالا في حق قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي، فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه، فلا تكفوا عن مقالة بحق، أو مشورة بعدل" (نهج البلاغة: الخطبة 216).

وقال (عليه السلام) في كتابه إلى عامله بأذربيجان: "وإن عملك ليس لك بطعمة، ولكنه في عنقك أمانة، وأنت مسترعى لمن فوقك، ليس لك أن تفتات في رعيته" (نهج البلاغة: الكتاب 5).

وقال (عليه السلام) في مرسومه العام: "فأنصفوا الناس من أنفسكم، واصبروا لحوائجهم، فإنكم خزان الرعية، ووكلاء الأمة، وسفراء الأئمة" (نهج البلاغة: الكتاب 51).

وفي عهد الإمام (عليه السلام) إلى مالك الأشتر حين ولاه مصر وَرَدَ:

"وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان، إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق.. ولا تقولن إني مؤمر آمر فأطاع، فإن ذلك إدغال في القلب ومنهكة للدين وتقرب من الغير.. فإن حقاً على الوالي أن لا يغيره على رعيته فضل ناله، ولا طول خص به، وأن يزيده ما قسم الله له من نعمة دنواً من عباده، وعطفاً على إخوانه" (نهج البلاغة: الكتاب53).

وهنا نكتفي بهذا المقدار من كلام الإمام (عليه السلام)، لكفايته في عرض النماذج الذي نحن بصدده، وإن كانت جملة من الآيات والروايات الواردة عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) والأئمة الطاهرين (عليهم الصلاة والسلام) بهذا المعنى كثيرة.

7/ جمادى الأولى/1446هـ