من أعلام الشيعة .. العلامة الحلي  (2)

على يديه تشيع السلطان ثم تشيعت إيران


 

 

موقع الإمام الشيرازي

 

"حصر سبحانه الخشية في أعلى مراتبها بالعلماء؛ لأنهم العارفون بأصول العبادة وأنواعها الصحيحة الموصلة لله عز وجل، فعِلْمُهم هو الذي زادهم خشية من الله تعالى، ومَنْ يريد أن يحصل على النضج والوعي الكافي، عليه أن يتسلح بالعلم، فالجاهل لا يمكن أن يكون واعياً وناضجاً أبداً." الإمام الشيرازي الراحل

----------------

يضم التراث الفكري لأهل البيت (عليهم السلام) الكثير من الروايات التي تتحدث عن فضل العلماء، ودورهم الاستثنائي في بناء الإنسان المؤمن والمجتمع الصالح والأمة الحية، فكان الحث _مؤكَداً ومكرراً_ على مجالسة العلماء والانتفاع من علومهم، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "مجالسة العلماء عبادة" (البحار: م/1، ص/64، عن كشف الغمة). وقال لقمان لابنه: "يا بني، جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة، كما يحيي الأرض بوابل السماء" (البحار: م/1، ص/64، عن روضة الواعظين).

وعن العلم وأهميته، وضرورة طلبه والبحث عنه، وفضل العلماء الذين يحملونه إلى الناس، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "العلم خزائن، ومفتاحه السؤال، فاسألوا يرحمكم الله، فإنه يؤجر فيه أربعة: السائل، والمعلم، والمستمع، والمحب لهم" (المجازات النبوية للشريف الرضي: ص 209). وقال الإمام الصادق (عليه السلام): "إنما يهلك الناس لأنهم لا يسألون" (البحار: م/1، ص/62، عن صحيفة الرضا، وعيون أخبار الرضا).

إن الاهتمام بشأن العلماء، ومجالستهم، وتوقيرهم، والعمل بإرشاداتهم، هو أساس مكين لارتقاء الإنسان، ورفعة المجتمع، وازدهار البلاد، وعز الأمة، ونصرة الدين. وجدير بالمؤمنين والمؤمنات الاقتداء بالعلماء الأعلام، والاطلاع على علومهم، والتعرف الى سر نجاحهم وتوفيقهم في الوصول الى ما وصلوا إليه، من المراتب السامية وخلود ذكرهم.

ومن أعلام الشيعة، الشيخ جمال الدين أبو منصور الحسن بن سديد الدين يوسف بن زين الدين علي بن محمد مطهر الحلي، والمعروف بالعلاّمة الحلي، المولود في ليلة الجمعة 27 شهر رمضان لسنة 648هـ، كما صرح بذلك نفسه في الخلاصة (من مؤلفاته)، وتوفي في يوم السبت الحادي والعشرين من محرم الحرام سنة 726، ونقل إلى مدينة النجف الأشرف، ودفن في الحجرة التي إلى جنب المنارة الشمالية من حرم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

وهو أول من لقب بآية الله، وذلك لفضله وعلمه الكثير، ومن جملة أساتذته: السيد ابن طاووس، والخواجة نصير الدين الطوسي، وابن ميثم البحراني.

ومن أشهر تلامذته: قطب الدين الرازي، وفخر المحققين، وابن معية، ومحمد بن علي الجرجاني. ومناظرته الشهيرة أدت إلى تشيع السلطان محمد خدا بنده المغولي، وكان سبباً لنشر التشيع في إيران. ومن أشهر مؤلفاته: كشف المراد، ونهج الحق وكشف الصدق، وباب الحادي عشر، وخلاصة الأقوال، والجوهر النضيد.

علميته

يعدّ المحامي المصري"، الدكتور عبد الرزاق السنهوري، من أكبر فقهاء القانون المدني في البلاد العربية، ويُعْرَف بـ(أبو القانون المدني العربي)، وتعدّ موسوعته في القانون المدني، مما لا يمكن لدارس القانون الاستغناء عنها. وهو الذي وضع (القانون المدني العراقي لعام 1953)، بعد أن عمل به على مدى ثلاث سنوات، كما أن جميع القوانين المدنية العربية قد استندت إلى جهوده وآرائه وعلى موسوعته.

ويُذكر بأنه إبان وضعه اللمسات الأخيرة على مشروع القانون المدني العراقي، جيء إليه بكتاب (التذكرة) للعلامة الحليّ، وحين اطلع عليه، لم يخف إعجابه بالكتاب، فقال: "لو اطلعتُ على هذا الكتاب، قبل وضعي للقانون المدني العراقي، لأخضعتُ هذا القانون لهذا الكتاب".

وقد ورد في كتاب لسان الميزان (ج 2/ص317/ ط: حيدر آباد)، على لسان مؤلفه ابن حجر العسقلاني، وهو أحد علماء الأخوة السنة، قوله في العلاّمة الحليّ: "عالم الشيعة وإمامهم، ومصنفهم، وكان آية في الذكاء، وكان ابن المطهر، مشتهر الذكر، حسن الأخلاق".

كما ذُكر في كتاب (أعيان العصر وأعوان النصر)، لمؤلفه صلاح الدين الصفدي الشافعي، قوله في العلامة الحليّ: "الإمام العلامة ذو الفنون، كان ريض الأخلاق، حليماً، قائماً بالعلوم العقلية، حكيماً طار ذكره في الأقطار، واقتحم الناس إليه المخاوف والأخطار، وتخرّج به أقوام، ومرّتْ عليه السنون والأعوام".

لكل المسلمين

عاش العلاّمة الحليّ (قده) في عصر تقاس فيه درجة الفقيه والعالم والعلميّة، بمقدار ما يلف عباراته من التعقيد، والغموض الذي لا يتسنى لأي أحد الوقوف على حقيقته، ومعاني ما يريد في كتاباته ومحاضراته، وبالتالي فلابد من وسيط بين العالم والناس، يفكّ للناس عبارات ذلك العالم المعقّدة، ولذلك تجد عشرات الشروح قد كُتبَت _في عصرنا الحالي_ لكتابات أولئك الأعلام، ومع ذلك يوجد من العبارات ما لم يتمكن أحد القطع بالمعنى المراد منها، فتجد الشرّاح مترددين في تفسيرها بين عدة آراء، إلا أن العلاّمة الحليّ، وإنْ كان غموض وتعقيد في بعض كتبه، إلا أن ذلك الغموض قد توقف عند حد تلك الموسوعات الفقهية والأصولية والفلسفية التي إنما كتبها في الأصل للمتقدمين من طلبة العلم، ولكنه في مقابل ذلك، اهتم بعامة الناس، وتفاوت تعليمهم وأدوات إدراكهم، فكتب الكتب التي يتمكن عموم الناس من فهم المراد منها.

ذكره في البلدان

مما يُروى عن شيوع ذكره في الآفاق، قصته مع سلطان طلَّق زوجته ثلاثاً في مجلس واحد، وكان من الأخوة السنة، وقد ندم على طلاق زوجته، وكان يرغب في إرجاع زوجته، لكن لا يمكن له رجوع زوجته إليه، إلا إذا تزوجت رجلا آخر، بعد أن يدخل بها ثم يطلقها، ليتزوجها زوجها السابق الذي كان قد طلّقها.

عند ذلك جمع السلطان علماء البلاد واستفتاهم في الأمر، فأجمعوا على المحلل، فاغتم الملك، ولكن أحد الوزراء أخبره بأن هناك عالماً في العراق، يقول بعدم المحلل، بناءً على عدم اعتبار الثلاث طلقات في مجلس واحد، سوى طلقة واحدة، فقال الملك عليّ به، فجيء إليه به، وأفتى الملك بجواز الرجوع بدون محلل، وبسبب ما قدمه من رأي في الطلاق ومجريات اللقاء، أعلن الملك مذهب أهل البيت المذهب (عليه السلام) الرسمي في البلاد.

نقل العلامة محسن الأمين في موسوعته الشهيرة "أعيان الشيعة" عن العلامة المجلسي في شرح الفقيه، ما نصه:

"إن السلطان أولجايتو محمد المغولي الملقب ب‍ "شاه خدابنده" غضب على إحدى زوجاته، فقال لها: أنت طالق ثلاثا، ثم ندم فسأل العلماء فقالوا: لا بد من المحلل، فقال: لكم في كل مسألة أقوال فهل يوجد هنا اختلاف؟ فقالوا: لا، فقال أحد وزرائه: في الحلة عالم يفتي ببطلان هذا الطلاق، فقال العلماء: إن مذهبه باطل، ولا عقل له ولا لأصحابه، ولا يليق بالملك أن يبعث إلى مثله، فقال الملك: أمهلوا حتى يحضره ونرى كلامه.

فبعث، فأحضر العلامة الحلي، فلما حضر جمع له الملك جميع علماء المذهب، فلما دخل على الملك - أخذ نعله بيده ودخل وسلم، وجلس إلى جانب الملك، فقالوا للملك: ألم نقل لك إنهم ضعفاء العقول، فقال: اسئلوه عن كل ما فعل.

فقالوا: لماذا لم تخضع للملك بهيئة الركوع؟ فقال لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يكن يركع له أحد، وكان يسلم عليه وقال الله تعالى (فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة)( النور: 61)  ولا يجوز الركوع والسجود لغير الله، قالوا: فلم جلست بجنب الملك؟ قال: لأنه لم يكن مكان خال غيره، قالوا: فلم أخذت نعليك بيدك وهو مناف للأدب، قال: خفت أن يسرقه بعض أهل المذاهب كما سرقوا نعل رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فقالوا: إن أهل المذاهب لم يكونوا في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بل ولدوا بعد المائة فما فوق من وفاته (صلى الله عليه وآله)، كل هذا والترجمان يترجم للملك كما يقوله العلامة، فقال للملك: قد سمعت اعترافهم هذا، فمن أين حصروا الاجتهاد فيهم ولم يجوزوا الأخذ من غيرهم، ولو فرض أنه أعلم.

فقال الملك: ألم يكن أحد من أصحاب المذاهب في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) ولا الصحابة؟ قالوا: لا. قال العلامة: أما نحن نأخذ مذهبنا عن علي بن أبي طالب نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأخيه وابن عمه ووصيه، وعن أولاده من بعده.

فسأله عن الطلاق، فقال: باطل، لعدم الشهود العدول، وجرى البحث بينه وبين العلماء حتى ألزمهم جميعا، فتشيع الملك، وخطب، بأسماء الأئمة الاثني عشر في جميع بلاده، وأمر فضربت السكة بأسمائهم وأمر بكتابتها على المساجد والمشاهد."

نبوغه

كان العلامة الحليّ نابغة من نوابغ عصره، فقد ولع بطلب العلم، وتفوّق فيه منذ نعومة أظفاره، كما أنه كتب تصنيفاته العلمية المعمّقة والقيّمة، ولما يزل شاباً، وعن ذلك يقول (قده) في خطبة المنتهى بأنه "فرغ من تصنيفاته الحكمية والكلامية، وأخذ في تحرير الفقه، من قبل أن يكمل له ست وعشرون سنة".

برع العلاّمة الحليّ في كل أبواب العلم، التي خاض فيها وكتب، فقد أحصى كتّاب التراجم له تصنيفه في أكثر من أحد عشر باباً من أبواب العلم والفن، توزعت بين الفقه، والأصول، وعلم الكلام، وأصول الدين، والاحتجاج والجدل، وآداب البحث، والتفسير، والمعقول، والحديث، والأدعية، والنحو، والشروحات التي كتبها لكلام سيد الموحدين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).

من تصنيفاته

يمكن تقسيم مصنفات العلامة (قدس سره) كالتالي:

(1) الفقه: أ ـ المطولات: وهي: (المختلف)، (التذكرة)، (منتهى المطالب). ب ـ المتوسطات: وهما: (القواعد)، (التحرير). ج ـ المختصرات: وهي: (إرشاد الأذهان)، (ايضاح الأحكام)، (التبصرة).

(2) الأصول: أ ـ المطولات: (النهاية). ب: المتوسطات: (التهذيب)، (شرح مختصر ابن الحاجب)، وهو الكتاب الذي أُعجب به الخاصة والعامة، حتى قال ابن حجر أنه (في غاية الحسن). ج: المختصرات: (مبادئ الأصول).

(3) الأدعية: (الأدعية الفاخرة المنقولة عن الأئمة الطاهرة).

(4) الشروحات: (مختصر شرح نهج البلاغة)، وهو اختصار لشرح ابن ميثم، (شرح الكلمات الخمس لأمير المؤمنين(ع) في جواب كميل).

(5) علوم العربية: (كشف المكنون في كتاب القانون)، (بسط الكافية)، (المطالب العلية في علم العربية).

إلى غير ذلك من كتب التفسير، والمنطق، والفلسفة، والاعتقاد، وفن الجدل والمناظرة،  وذكر من ترجم للعلامة الحلي(قده) بأن عدد مؤلفاته، قد بلغ مائة وعشرين مؤلفاً.. يتبع

23/ جمادى الأولى/1446هـ