منهجية التغيير والإصلاح عند آية الله السيد محمد رضا الشيرازي (قدس سره)

(الذكرى السنوية السابعة عشرة لرحيله)


 

 

موقع الإمام الشيرازي

 

مارس آية الله السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (قده) منهجية التغيير على محورين: الأول: تقديم القدوة الصالحة (نفسه)، وقد تجسد ذلك من خلال وصيته إلى المؤمنين، وقد تضمنت وصفاً واقعياً لشخصيته، بحسب الذين رافقوه على مدى سنوات طويلة، يقول (قده): "من يريد رضوان الله لا يظلم أحداً، ولا يتكبر على أحد، بل يكون ولياً من أولياء الله الذين هم أكثر الناس عدلًا وزهدا ونفعاً، ويكون مع الناس وأكثرهم ورعاً، وأدّاهم للأمانة وأفضلهم إيثاراً". ويكمل "لنحاول بلوغ المراتب المعنوية العالية بالتوجه إلى الله سبحانه، وعمل المستحبات والمندوبات، وغوث الملهوفين والمحرومين، ومد يد العون للأيتام والأرامل والمرضى، وأدعوكم إلى أن تغفروا للآخرين وتتجاوزوا عنهم مثلما تحبون أن يغفر الله لكم". الثاني: يقول (قده): "الإنسان - غالباً - في خضم المشاكل المؤلمة والقاسية، يفقد الأمل ويتحول إلى كائن يائس من أي احتمال للتغيير، في حين الإنسان المؤمن يمتلئ قلبه بالرجاء والأمل حتى عند تعرضه لأعتى الأزمات، وهناك أشخاص يتقوقعون على أنفسهم ولا يفكرون في تغيير المجتمع وإصلاحه، ولعل هؤلاء يشكلون الأكثرية من المجتمع, بينما هنالك أقلية تفكر في صناعة التغيير. من الممكن لأحد أن يتساءل: هل التغيير والإصلاح أمر ممكن وقريب المنال؟! والجواب: نعم، بإذن الله تعالى، وإن أدّل دليل على إمكان الشيء هو وقوعه في الخارج، فالمؤمنون الأفذاذ تحركوا من أجل التغيير في أشد الفترات التاريخية حرجًا وأحلكها ظلمة، وقد نجحوا في ذلك مرات ومرات. علينا أن نقاوم حالة افتقاد الأمل أو حالة العيش بلا هدف، فإن لدينا من الكنوز ما يفتقدها الآخرون".

--------------------------------

التخلف أزمة شائكة ومربكة، وتعريفاته عديدة، وجلها ينحو إلى الجانب السياسي والاقتصادي، وهو أوسع من ذلك، والإصلاح حلم قديم جديد يدفع – اليوم كما عبر التاريخ – الملايين الى التظاهر والاحتجاج في الشارع أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال المؤسسات والمؤتمرات  الدولية ومنظمات المجتمع المدني والتجمعات الثقافية، وكل ذلك من أجل تحقيق دولة الإنسان والعدل والسلام والخير والرفاه.

في إطار التنظير في الإصلاح ومكافحة التخلف، فإن للإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي إضاءة مميزة، حيث يقول (أعلى الله درجاته): "من مقومات الإصلاح، القضاء على بيئة التخلف، فكما أن لكل مخلوق من المخلوقات بيئته الخاصة به، فإن للتخلف أيضاً بيئة خاصة به"، ويبيِّن (قده) أن بيئة التخلف في بلاد المسلمين قد تشكلت منذ قرون، وذلك بعد إعراض معظمهم عن حديث الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله): "إني مخّلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي." وهنا الإمام الشيرازي يسلط الضوء على التخلف من خلال تشخيص مكمن التخلف وعوامل نشوئه وأسباب ديمومته في بلاد المسلمين وسبل القضاء عليه والتخلص منه.

إن التخلف أس الأزمات، ومكافحته تعد أولوية لأية عملية إصلاح جادة، وإن سبل التحرر من التخلف ليست مجهولة، ولا هو بعيد المنال، كما يصور بعض، وقد بيَّن الإمام الشيرازي الراحل (أعلى الله مقامه) أن طريق التحرر من التخلف يبدأ بـ"الرجوع فكرا الى العترة الطاهرة، ولو شيئاً فشيئاً، بقدر ما يتمكن منه المجتمع، ثم يتسع ويتسع، وإرساء الوعي العام في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية وغيرها."

في الموازاة، فإن الرجوع إلى الإسلام لا يمنع - أبداً - من مواكبة العصر والتماهي مع متطلباته المتجددة، حيث إن عدم مواكبة العصر أحد عوامل التخلف، فإن الإسلام هو الدين الخاتم، وهو الدين الصالح لكل زمان ومكان، ويملك مقومات فكرية وأخلاقية تجعله قابلاً للتطبيق في مختلف الظروف والأمكنة، نحو توفير سعادة البشرية وتطورها وازدهارها.

ولتحصين الإصلاح وتوطيده، لابد من التصدي للبدع والانحرافات والشبهات، لذلك لابد من تقديم إجابات وحل معضلات وفك تعقيدات، يقول الإمام الصادق (عليه السلام): "علماء شيعتنا مرابطون بالثغر الذي يلي إبليس وعفاريته، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا، وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته النواصب، ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة، لأنه يدفع عن أديان محبينا وذلك يدفع عن أبدانهم" (الاحتجاج. الشيخ الطبرسي، ج2، ص155)

وهكذا كان الفقيه السعيد، آية الله السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (أعلى الله مقامه)، الذي قال سماحة المرجع الشيرازي (دام ظله) في تأبينه: "كان مصداقاً باهراً للحديث الشريف: "المؤمن نفسه منه في تعب والناس منه في راحة"، فقد عاشه تطبيقاً وعملاً، في وقت ندر جدا مَنْ يعمل به".

وقال المرجع الشيرازي (دام ظله) مخاطباً حشد المعزين بأربعينيته (رحمه الله):

"أنتم.. كل واحد منكم، من الكبار والشباب والأحداث ممّن عايشتموه، حاولوا أن تتّخدوا منه أسوة وقدوة. إن قدوتكم الأولى هم المعصومون الأربعة عشر عليهم السلام بلا شكّ، ولكن من يمثّل المعصومين عليهم السلام؟ لقد كان الفقيد السعيد ممّن يمثّلهم، فاتخذوا منه أسوة، واتخذوا منه قدوة؛ لأنه كان يمثّلهم مع فارق العصمة التي اختصّ الله تعالى بها المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين. لقد كان رحمه الله في درجات العدالة بلا شكّ، فحاولوا أن تكونوا عادلين، وكان على درجة عالية من الخلق الرفيع مع الصديق والعدوّ، مع القريب والغريب، مع من كان يتواضع له أو يتكبّر عليه.. فحاولوا أن تطبقوا على أنفسكم هذه الانطباعات التي لكم عنه."

منهجية الفقيه الشيرازي (قده) في الإصلاح إنطلقت من قناعة بأن بين الإسلام كمعطى ثقافي حضاري وبين التخلف كحالة اجتماعية، علاقة تفاعلية، من التأثر والتأثير المتبادل بين الطرفين. فالإسلام يؤثر في المجتمع من حيث شيوع الأفكار والعلاقات والمظاهر والتعاليم والممارسات، في المقابل يتماهى المجتمع مع الإسلام من حيث بلورة أفكار الإسلام الى ممارسات على مستوى المجتمع وحاجاته وتاريخه وثقافته وقدراته على الفهم والإدراك والتمثيل.

إن تأثير الإسلام في المجتمع ينطوي على رفع المجتمع إلى درجة أعلى في سلم الحضارة، انطلاقاً من إن الإسلام "دين تقدمي" كما يقول الإمام الشيرازي الراحل، والإسلام أيضاً ينطوي على مشروع حضاري يستوعب مواكبة الحاضر وتطوراته والمستقبل ومتطلباته، بالإضافة الى أن الإسلام قادر على استنهاض المجتمع وتحريك طاقاته، وهو ما قد تحقق في دولتي الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ووصيه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ويمارس الإسلام هذا التأثير الإيجابي على حياة المجتمع من خلال مفهوم التغيير القرآني: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).(الرعد 11)

وقد مارس الفقيه الشيرازي (قده) منهجية التغيير على محورين:

الأول: تقديم القدوة الصالحة (نفسه)، وقد تجسد ذلك من خلال وصيته إلى المؤمنين، وقد تضمنت وصفاً واقعياً لشخصيته، بحسب الذين رافقوه على مدى سنوات طويلة، يقول (قده): "من يريد رضوان الله لا يظلم أحداً، ولا يتكبر على أحد، بل يكون ولياً من أولياء الله الذين هم أكثر الناس عدلًا وزهدا ونفعاً، ويكون مع الناس وأكثرهم ورعاً، وأدّاهم للأمانة وأفضلهم إيثاراً". ويكمل "لنحاول بلوغ المراتب المعنوية العالية بالتوجه إلى الله عز وجل، وفعل المستحبات والمندوبات، وغوث الملهوفين والمحرومين، ومد يد العون للأيتام والأرامل والمرضى، وأدعوكم إلى أن تغفروا للآخرين وتتجاوزوا عنهم مثلما تحبون أن يغفر الله لكم".

الثاني: يقول (قده): "الإنسان - غالباً - في خضم المشاكل المؤلمة والقاسية، يفقد الأمل ويتحول إلى كائن يائس من أي احتمال للتغيير، في حين الإنسان المؤمن يمتلئ قلبه بالرجاء والأمل حتى عند تعرضه لأعتى الأزمات، وهناك أشخاص يتقوقعون على أنفسهم ولا يفكرون في تغيير المجتمع وإصلاحه، ولعل هؤلاء يشكلون الأكثرية من المجتمع, بينما هنالك أقلية تفكر في صناعة التغيير. من الممكن لأحد أن يتساءل: هل التغيير والإصلاح أمر ممكن وقريب المنال؟! والجواب: نعم، بإذن الله تعالى، وإن أدّل دليل على إمكان الشيء هو وقوعه في الخارج، فالمؤمنون الأفذاذ تحركوا من أجل التغيير في أشد الفترات التاريخية حرجًا وأحلكها ظلمة، وقد نجحوا في ذلك مرات ومرات. علينا أن نقاوم حالة افتقاد الأمل أو حالة العيش بلا هدف، فإن لدينا من الكنوز ما يفتقدها الآخرون".

وفي السياق، طالما دعانا آية الله السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (قده) الى أن نبدأ التغيير انطلاقاً من بناء علاقة وعي وعمل مع كتاب الله، القرآن الكريم، حتى يغير الله ما بنا، ويأخذ بأيدينا إلى الصلاح والرفاه في الدنيا والسعادة في الآخرة، فيقول (قده): "القراءة الميتة للقرآن لا تعني أكثر من كلمات يرددها اللسان دون أن تؤثر في واقع الفرد التأثير المطلوب، أما التلاوة الواعية فهي تتجاوز اللسان لكي تنفذ إلى القلب، فتهزه، وتؤثر في اتجاهه"، ويقول: "إن هنالك خيارات صعبة وعديدة تطرح أمام الفرد، وأمام الأمة في كل يوم، ولاختيار الطريق السليم بين هذه الخيارات، لابد من الرجوع إلى القرآن، والتدبر في آياته ومن هنا، يقول الله سبحانه: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)، ومن هنا أيضاً أطلق القرآن على نفسه اسم (الفرقان)، ذلك لأنه يفصل ويفرّق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، ولكن، لمن؟! والجواب: لمن يفهم آياته، ويتدبر فيها".

26/ جمادى الأولى/1446هـ