![]() |
|
من أعلام الشيعة .. العلامة الحلي (3) (مناظرة تاريخية .. تُنقل من جيل إلى جيل)
موقع الإمام الشيرازي
"حصر سبحانه الخشية في أعلى مراتبها بالعلماء؛ لأنهم العارفون بأصول العبادة وأنواعها الصحيحة الموصلة لله عز وجل، فعِلْمُهم هو الذي زادهم خشية من الله تعالى، ومَنْ يريد أن يحصل على النضج والوعي الكافي، عليه أن يتسلح بالعلم، فالجاهل لا يمكن أن يكون واعياً وناضجاً أبداً." الإمام الشيرازي الراحل ---------------- يضم التراث الفكري لأهل البيت (عليهم السلام) الكثير من الروايات التي تتحدث عن فضل العلماء، ودورهم الاستثنائي في بناء الإنسان المؤمن والمجتمع الصالح والأمة الحية، فكان الحث _مؤكَداً ومكرراً_ على مجالسة العلماء والانتفاع من علومهم، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "مجالسة العلماء عبادة" (البحار: م/1، ص/64، عن كشف الغمة). وقال لقمان لابنه: "يا بني، جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحيي القلوب بنور الحكمة، كما يحيي الأرض بوابل السماء" (البحار: م/1، ص/64، عن روضة الواعظين). وعن العلم وأهميته، وضرورة طلبه والبحث عنه، وفضل العلماء الذين يحملونه إلى الناس، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "العلم خزائن، ومفتاحه السؤال، فاسألوا يرحمكم الله، فإنه يؤجر فيه أربعة: السائل، والمعلم، والمستمع، والمحب لهم" (المجازات النبوية للشريف الرضي: ص 209). وقال الإمام الصادق (عليه السلام): "إنما يهلك الناس لأنهم لا يسألون" (البحار: م/1، ص/62، عن صحيفة الرضا، وعيون أخبار الرضا). إن الاهتمام بشأن العلماء، ومجالستهم، وتوقيرهم، والعمل بإرشاداتهم، هو أساس مكين لارتقاء الإنسان، ورفعة المجتمع، وازدهار البلاد، وعز الأمة، ونصرة الدين. وجدير بالمؤمنين والمؤمنات الاقتداء بالعلماء الأعلام، والاطلاع على علومهم، والتعرف الى سر نجاحهم وتوفيقهم في الوصول الى ما وصلوا إليه، من المراتب السامية وخلود ذكرهم. ومن أعلام الشيعة، الشيخ جمال الدين أبو منصور الحسن بن سديد الدين يوسف بن زين الدين علي بن محمد مطهر الحلي، والمعروف بالعلاّمة الحلي، المولود في ليلة الجمعة 27 شهر رمضان لسنة 648هـ، كما صرح بذلك نفسه في الخلاصة (من مؤلفاته)، وتوفي في يوم السبت الحادي والعشرين من محرم الحرام سنة 726، ونقل إلى مدينة النجف الأشرف، ودفن في الحجرة التي إلى جنب المنارة الشمالية من حرم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام). مما يُروى عن شيوع ذكره في الآفاق، قصته مع سلطان طلَّق زوجته ثلاثاً في مجلس واحد، وكان من الأخوة السنة، وقد ندم على طلاق زوجته، وكان يرغب في إرجاع زوجته، لكن لا يمكن له رجوع زوجته إليه، إلا إذا تزوجت رجلا آخر، بعد أن يدخل بها ثم يطلقها، ليتزوجها زوجها السابق الذي كان قد طلّقها. عند ذلك جمع السلطان علماء البلاد واستفتاهم في الأمر، فأجمعوا على المحلل، فاغتم الملك، ولكن أحد الوزراء أخبره بأن هناك عالماً في العراق، يقول بعدم المحلل، بناءً على عدم اعتبار الثلاث طلقات في مجلس واحد، سوى طلقة واحدة، فقال الملك عليّ به، فجيء إليه به، وأفتى الملك بجواز الرجوع بدون محلل، وبسبب ما قدمه من رأي في الطلاق ومجريات اللقاء، أعلن الملك مذهب أهل البيت المذهب (عليه السلام) الرسمي في البلاد، وانطلق التشيع في ايران، بعد أن كان معظم أهلها على المذاهب الأربعة. ولأهمية المناظرة التاريخية التي جرت بين العلامة الحلي وفقهاء من المذاهب الأربعة، نذكرها كاملة، والمناظرة موجودة في كتب الشيعة المعتبرة، وتُنقل من جيل إلى جيل، لكن ننقل ما ذكره العلامة محسن الأمين في موسوعته الشهيرة "أعيان الشيعة" عن العلامة المجلسي في شرح الفقيه، ما نصه: السلطان الجايتو محمد المغولي، الملقب بشاه خدا بندا، غضب يوماً على امرأته فقال لها: "أنتِ طالق ثلاثاً"، ثمّ ندم فجمع العلماء. فقالوا: "لابدّ من المحلّل". فقال: "عندكم في كلِّ مسألة أقاويل مختلفة، أوَ ليس لكم هنا اختلاف؟". فقالوا: "لا". فقال أحد وزرائه: "إنّ عالماً بمدينة الحلّة، يقول ببطلان هذا الطلاق". فقال علماء البلاد: "إنّ له مذهباً باطلاً، ولا عقل للروافض، ولا يليق بالملك أن يبعث إلى طلب رجل خفيف العقل". والتفت إليهم السلطان قائلاً: "لن يضرنا أن نسمع منه، وسأجمعه بكم عندي، فإن تبيّن لي أن حجتكم أقوى في الرد عليه، فلن أستمع إلى مقالته، وإلا فالعكس". وأمر الملك بإنفاذ رسوله إلى العلامة الحليّ، طالباً منه القدوم، لغرض مناقشة فقهاء المذاهب الأربعة في مسألة الطلاق. وقبل العلامة الحليّ الدعوة، وانطلق مع رسول السلطان إلى مقر السلطنة. وعندما وصل، استقبله السلطان بترحاب وأكرم ضيافته. فلمّا حضر العلاّمة، بعث الملك إلى علماء المذاهب الأربعة، للحضور في مجلسه للمناظرة، فلمّا دخل العلاّمة الحليّ، أخذ نعليه بيده، ودخل المجلس، وقال: "السلام عليكم". وجلس عند الملك، فقالوا للملك: "ألم نقل لك، إنّ الرافضة ضعفاء العقول". قال الملك: "اسألوه عن كلِّ ما فعل". فقالوا له: "لمَ لمْ تنحني للسلطان، وتركت الآداب؟. فأجاب العلامة: "إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان ملكاً، ولم يفعل له مثل ما تفعلون أنتم لملككم، وليس من واجب عليّ، إلا السلام لقوله تعالى: (فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة)(النور/61). ثم قالوا له: "وكيف سمحت لنفسك بالجلوس عند السلطان". فأجاب العلامة: "لم يكن مكان غيره". فقالوا له: "لأي شيء أخذت نعليك معك، وهذا مما لا يليق بعاقل، بل بإنسان". فأجاب العلامة: "خفت أن يسرقه فقهاء الحنفية، الموجودون في هذا المجلس، كما سرق أبو حنيفة نعل رسول الله". فصاح فقهاء الحنفية بنبرة حادة: "حاشا وكلا، ما تقول يا فاقد العقل، متى كان أبو حنيفة في زمان رسول الله، وكان تولده بعد مئة عام من وفاته". فاستدرك العلامة الحلي بالقول: "نسيت، لعلّ كان السارق الشافعي". فاستشاط فقهاء الشافعية غضباً، وصرخوا: "سبحان الله، ماذا يقول هذا الكذاب، إن الشافعي لم يولد إلا بعد مائتي سنة من وفاة رسول الله". فاستدرك العلامة الحلي ثانية، وقال: "فلعلّه كان مالك". فقفز علماء المالكية، وصاحوا: "ما هذا الافتراء، فمالك لم تلده أمه إلا بعد رسول الله بقرن ونيف". فاستدرك العلامة الحلي ثالثة، وقال: "فلعلّه كان أحمد إذاً". فهاج علماء الحنبلية، وقالوا: "أي زور هذا، فشتّان ما بين عصر رسول الله، وعصر أحمد بن حنبل". وبعد ما انقلب المجلس إلى هرج ومرج، التفت العلامة الحليّ إلى الملك قائلاً: "أيها السلطان، قد علمتَ بأن رؤساء المذاهب الأربعة، لم يكن أحدهم في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهذا من بدعهم، أنهم اختاروا من علمائهم، هؤلاء الأربعة فقط، وحصروا الإتباع بهم، ولم يُجوزوا الإتباع بغيرهم، مع أنهم ما كانوا على عهد رسول الله أو على عهد صحابته. أما نحن الشيعة، فنتبع أمير المؤمنين، وهو نفس رسول الله، وأخيه وابن عمه ووصيه، وهو رئيس مذهبنا. أترى بعد ذلك من حجة لهم علينا. أيها السلطان، إن طلاقك هذا باطل، لأن من شروط الطلاق، حضور شاهدين عادلين، فهل قال السلطان بمحضرهما". قال: "لا". فاندهش السلطان بما سمعه من العلامة الحليّ، أما الفقهاء الحضور من المذاهب الأخرى لازموا الصمت. وأكمل العلامة الحليّ قوله: "كما أن طلاق الثلاث، في آن واحد، هو بدعة أيضاً، وذلك لقوله تعالى: (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان). إلى قوله تعالى: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره)(البقرة 230). والآية صريحة في أن الطلاق مرتان، مرة بعد مرة، مع تخلل الرجعة بينهما، لا لفظتان أو ثلاث، ولا تشمل الآية قول القائل لزوجته، أنتِ طالق ثلاثاً، وإلا كان قوله هذا لا معنى له، إطلاقاً، بعد قوله تعالى، إلا إذا تكرر الطلاق منه مرتين قد تخلل بينهما رجعة". فأعجب السلطان بعلم العلامة الحلي وبراعته وذكائه، ودعاه إلى أن يستكمل حديثه عن عقيدة أهل البيت (عليهم السلام) ويناظر العلماء." انتهى كلام الأمين. يجدر أن مسألة الطلاق بالثلاث، وأيضاً توريث البنت الوحيدة، وعموم قانون الأحوال الشخصية الذي يستند إلى فقه المذاهب الأربعة، منذ سنوات هو على طاولة النقاش، إذ يقوم محققون ومفكرون ومثقفون من الأخوة السنة، وخاصة من النساء، وخاصة في مصر، بمناقشة علمية لذلك القانون الذي أصبح عبئاً على حياة الناس، وذلك للمشاكل الاجتماعية الهائلة التي يسببها ذلك الفقه أو القانون، وهو ما دفع بعدد من الكتّاب والكاتبات إلى رفض ذلك القانون، لعدم عدالته بحسب قولهم، واللجوء إلى قانون الأحوال الشخصية، وفق مذهب أهل البيت (عليهم السلام)... يتبع
1/ جمادى الآخرة/ 1446هـ |