أسحار رمضانية ... متى يتأثر المجتمع بالعلم والعالم؟!


 

 

نزار حيدر

موقع الإمام الشيرازي

 

بعض يتصوَّر أَنَّ مُهمَّتهُ تقتصِر على نقلِ العلمِ والمعرِفةِ من مصادرِها إِلى العامَّة من دونِ أَن تمُرَّ بهِ، وكأَنَّ العِلمَ الذي يحمِلهُ هوَ لغيرهِ وليسَ لنفسهِ أَوَّلاً قبلَ أَن يمُرَّ منهُ إِلى الآخرين، ولذلكَ لا تُلاحظ أَيَّ تأثيرٍ للعلمِ الذي يحملهُ على شخصيَّتهِ وعلى مُختلفِ المُستوياتِ، ولهذا السَّبب فإِنَّ العلمَ والمعرفةَ في مجتمعاتنا لا تُؤثِّر، لأَنَّ النَّاسَ عادةً لا تتأَثَّر بالعلمِ المُجرَّدِ كتأَثُّرِها وانبهارِها بالنُّموذجِ الذي تأخُذَ منهُ العلمَ والمعرفةَ، وإِلَّا كيفَ يُمكِنُ لفاسدٍ أَن يقنعَ المُتلقِّي بأَهميَّةِ النَّزاهةِ إِذا كانت رائِحةَ فسادهِ تُزكِمُ الأُنوفَ؟!

-------------------------------------

 

قال الله سبحانه: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(آل عمران 18).

 

قد يسأَلُ سائلٌ؛ إِذا كانت للعلمِ كُلَّ هذهِ الأَهميَّة في عمليَّةِ الإِصلاحِ والتَّغييرِ فلماذا لا نُلاحظ ذلكَ في المُجتمعِ؟! لماذا لم يغيِّر حالَ البلادِ نحوَ الأَفضلِ والأَحسنِ؟! لماذا لم نلمِسَ مفهُوم الآية الكريمة (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ)(فاطر 28). في واقعِنا الاجتماعي؟! بل العَكس هي الحالَة المُنتشرةُ فيهِ؟!

يبدو أَنَّ سببَ ذلكَ أَمرانِ:

أ/ الفِهمُ القاصِرُ لفلسفةِ التَّعليمِ والتعلُّم.

فالعِلمُ، كما هوَ معلُومٌ، للعملِ وليسَ للتُّخمةِ أَو للتَّرفِ، فإِذا كسبَ المرءُ عِلماً واحتفظَ بهِ ولم يُقرِّر توظيفهِ لتغييرِ سلُوكهِ فهو بالتَّأكيد عِلمٌ لا ينفع، وهوَ حال مُجتمعاتِنا التي تحمِل الكثير من العلمِ لكنَّها لم تُقرِّر أَن تدعهُ يؤَثِّر في سلوكيَّاتها، وهذا هوَ أَسوءُ أَنواع العِلم!.

يقولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (عليه السلام): "أَوْضَعُ الْعِلْمِ مَا وُقِفَ عَلَى اللِّسَانِ وأَرْفَعُه مَا ظَهَرَ فِي الْجَوَارِحِ والأَرْكَانِ" (شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد - ج ١٨ - الصفحة ٢٤٥)،

وقوله: "الْعِلْمُ مَقْرُونٌ بِالْعَمَلِ فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ والْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ فَإِنْ أَجَابَه وإِلَّا ارْتَحَلَ عَنْه" (شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد - ج ١٩ - الصفحة ٢٨٤)، وهو المعنى الذي أَشارت إِليهِ الآية الكريمة (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)(الجمعة 5).

لننظُرَ في النصِّ التَّالي كيفَ يربط أَميرُ المُؤمنِينَ (عليه السلام) بين العلمِ والعملِ فهُما، بحسبَ هذا المنطِقِ، كسِكَّتَي قِطار لا يمكنُ أَن ينقطِعَ أَحدهُها ويستمرَّ الآخر وإِلَّا وقعَ المحذُورُ:

"فَالنَّاظِرُ بِالْقَلْبِ الْعَامِلُ بِالْبَصَرِ يَكُونُ مُبْتَدَأُ عَمَلِه أَنْ يَعْلَمَ؛ أَعَمَلُهُ عَلَيْه أَمْ لَه؟! فَإِنْ كَانَ لَه مَضَى فِيهِ وإِنْ كَانَ عَلَيْه وَقَفَ عَنْهُ فَإِنَّ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ فَلَا يَزِيدُهُ بُعْدُهُ عَنِ الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ إِلَّا بُعْداً مِنْ حَاجَتِه، والْعَامِلُ بِالْعِلْمِ كَالسَّائِرِ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ؛ أَسَائِرٌ هُوَ أَمْ رَاجِعٌ!" (بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ١ - الصفحة ٢٠٩).

فهوَ (عليه السلام) يُقارنُ بينَ العالمِ والجاهلِ بمعيارِ العملِ، فهوَ الذي يميِّز بينهُما، وإِلَّا ما الذي يُميِّز العالِم عن الجاهلِ إِذا لم يُغيِّر علمَهُ سلوكهُ ويُحسِّن من أَخلاقهِ ويُقوِّم طريقةَ تعامُلهِ في المُجتمعِ؟! ماذا ينفعُ العالِم إِذا كانَ يضعَ عِلمهُ على الرفِّ عندما يخرُجُ من بيتهِ ولا يأخذهُ معهُ للسُّوقِ؟!.

يقولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (عليه السلام): "وإِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمِه كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لَا يَسْتَفِيقُ مِنْ جَهْلِه بَلِ الْحُجَّةُ عَلَيْه أَعْظَمُ والْحَسْرَةُ لَه أَلْزَمُ وهُوَ عِنْدَ اللَّه أَلْوَمُ" (نهج البلاغة الخطبة 110).

حقاً فإِنَّ العِلمَ حُجَّةٌ بالغةٌ على العالِمِ، كما أَنَّ شهادةَ الطبِّ حُجَّةٌ على الطَّبيبِ الذي يُراجعهُ المرضى في العيادةِ، فإِذا لم يكُن أَهلها فهل لهُ الحقَّ في أَن يرفعَ لافتةً أَمامَ المبنى تُشيرُ إِلى اختصاصهِ الطبِّي مثلاً؟!.

ب/ عدم إِنعكاس العلمِ على السلوكيَّات فغابَت [القُدوة والأُسوة].

بعض يتصوَّر أَنَّ مُهمَّتهُ تقتصِر على نقلِ العلمِ والمعرِفةِ من مصادرِها إِلى العامَّة من دونِ أَن تمُرَّ بهِ، وكأَنَّ العِلمَ الذي يحمِلهُ هوَ لغيرهِ وليسَ لنفسهِ أَوَّلاً قبلَ أَن يمُرَّ منهُ إِلى الآخرين، ولذلكَ لا تُلاحظ أَيَّ تأثيرٍ للعلمِ الذي يحملهُ على شخصيَّتهِ وعلى مُختلفِ المُستوياتِ، ولهذا السَّبب فإِنَّ العلمَ والمعرفةَ عندنا لا تُؤثِّر، لأَنَّ النَّاسَ عادةً لا تتأَثَّر بالعلمِ المُجرَّدِ كتأَثُّرِها وانبهارِها بالنُّموذجِ الذي تأخُذَ منهُ العلمَ والمعرفةَ، وإِلَّا كيفَ يُمكِنُ لفاسدٍ أَن يقنعَ المُتلقِّي بأَهميَّةِ النَّزاهةِ إِذا كانت رائِحةَ فسادهِ تُزكِمُ الأُنوفَ؟!

ولذلكَ نُلاحظ أَنَّ القرآن الكريم لم يمنحَ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله) صِفةَ [العظَمةِ] كما وصفهُ فيها بالأَخلاقِ في قولهِ تعالى (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ)(القلم 4)، لأَنَّ النَّاسَ ينظرُونَ إِلى سلوكِ النبيِّ والرَّسولِ والإِمامِ والمُصلحِ و [الواعظِ] قبلَ أَن ينظرُوا في كلامهِ وحديثهِ و [رِسالتهِ] فلمَّا نزَّهَ اللَّهُ تعالى أَخلاقَ نبيِّهِ (صلى الله عليه وآله) عندئذٍ قالَ سبحانه "لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا" (الأحزاب 21).

ويشيرُ القرآن الكريم إِلى مُحوريَّةِ [القُدوة] في قولهِ تعالى "قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ" (هود 88).

فالإِصلاحُ بالقُدوةِ، والدَّعوةُ للإِصلاحِ بالأُسوةِ.

يقُولُ الصَّادقُ (عليه السلام): "كُونُوا دُعاةً للنَّاسِ بغَيرِ أَلسِنتِكُم، ليَرُوا مِنكُم الوَرَع والاجتهاد والصَّلاح والخَير، فإِنَّ ذلكَ داعِيَةٌ" (وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج ١ - الصفحة ٧٦).

أَمَّا أَميرُ المُؤمنِينَ (عليه السلام) فكلامهُ واضحٌ جدّاً بهذا الصَّددِ، إِذ يقولُ (عليه السلام): "مَنْ نَصَبَ نَفْسَه لِلنَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِه قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِه ولْيَكُنْ تَأْدِيبُه بِسِيرَتِه قَبْلَ تَأْدِيبِه بِلِسَانِه، ومُعَلِّمُ نَفْسِهِ ومُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالإِجْلَالِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ ومُؤَدِّبِهِمْ" (وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي - ج ١٦ - الصفحة ١٥١).

وقولهُ (عليه السلام): "الإِيمَانُ أَنْ تُؤْثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ وأَلَّا يَكُونَ فِي حَدِيثِكَ فَضْلٌ عَنْ عَمَلِكَ وأَنْ تَتَّقِيَ اللَّه فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ" (شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد - ج ٢٠ - الصفحة ١٧٥).

فالفضلُ الذي يلمسَهُ المُجتمع في حديثِ العالمِ عن عملهِ وسلوكهِ اليومي هو الذي يُحوِّل العِلم والمعرِفة إِلى مُجرَّدِ ثرثَرةٍ لا تُغني ولا تُسمِنُ من جوعٍ، وهوَ حال مُجتمعاتِنا للأَسفِ الشَّديد.

إِنَّ العلمَ الذي يُؤثِّر في المُجتمع هو الذي يسيرُ في الأَسواقِ نمُوذجاً وليسَ الذي يتحرَّك في المُجتمعِ لِساناً وخِطاباً!.

* (مدير مركز الإعلام العراقي في واشنطن)

13/ شهر رمضان/ 1445هـ