واقع إيجابي لإعمار البقيع


 

 

موقع الإمام الشيرازي

 

في سياق تعاظم الشعور بالحاجة الى استرجاع قيم الخير والسلام واحترام الآخر وحقه في الإيمان والاعتقاد والتعبير، تزامناً مع انخفاض منسوب الخطاب المتشنج، وتحسن العلاقات البينية داخل المجتمعات المسلمة، والتحولات الإيجابية في عموم حكومات البلاد المسلمة المتمثل بالتوجه إلى تعزيز الأمن الفكري والاستقرار المجتمعي وتحسين أحوال الناس، فإن الواقع اليوم يوفر فرصة لإعمار أضرحة البقيع. في الوقت أن هذا الإعمار؛ الذي طال انتظاره أكثر من مائة عام، سيضيف قوة دفع للانطلاق في هدم مخلّفات سوء الفهم والاحتقان والكراهية، وصولاً إلى تعزيز قيم الأخوّة والحرية والسلم المجتمعي، ثم إعمار النفوس وترسيخ الأفكار الإيجابية وتشجيع الأعمال الصالحة.

-------------------------

عديدة العوامل والأسباب؛ التي منها المخرجات الفكرية والسياسية للحرب على الإرهاب التكفيري الذي ضرب العديد من بلاد العالم، خاصة في السنوات العشر الأخيرة، تلك العوامل والأسباب دفعت الى تغييرات سياسية ودينية وفكرية في مجمل الساحة الإسلامية، وقد تجسد أهمها في حجب الوهّابيّة عن المشهد العام؛ الديني والسياسي على وجه الخصوص.

وقد انعكست التغييرات السياسية والدينية والفكرية؛ وما زالت، بنسب متفاوتة على واقع العديد من الدول الإسلامية. كما أن تلك التغييرات لم تبرز كنتيجة طبيعية لهول ما جرى من جرائم بشعة ومجازر مريعة، وكسنة من سنن التاريخ وحسب، بل أيضاً بسبب الحاجة المتنامية للتغيير؛ في بلدان معينة أكثر من غيرها، كضرورة عقلية وإنسانية ووجودية، فما باتت من ثغرة لتبرير بقاء الحال المأزوم ولا فسحة للتسويف.

ولم تنحصر نتائج تلك التغييرات في تنامي الحريات، والانفتاح على حقوق الإنسان، وتصاعد الرفض للاستبداد والفساد، بل شجعت أيضاً إلى مبادرات فكرية - سياسية باتجاه تغيير فقهي يحدُّ من ظاهرة التطرف والإرهاب، ويُحجِّم روح الكراهية والبغضاء والانتقام، خاصة ضد الشيعة، وذلك بعد أن أكدت الوقائع بأن الإرهاب التكفيري الذي ظهر بعناوين "إسلامية" كان ضد الإسلام والمسلمين بكل مذاهبهم أكثر بكثير من أنه ضد غيرهم.

في كل الأحوال، لا يمكن استسهال المبادرة إلى أي تغيير، ثم تجسيد هذا التغيير عملياً بما يصب في مصلحة قيم السلام والاعتدال والتعايش، فإن لكل تغيير تحديات، ولكل بلد ظروفه الخاصة. بالتالي، ينبغي التعامل مع المبادرات التغييرية بإيجابية وبعيداً عن مواطن تاريخية أو سياسية ماضوية ضيقة أو إشكالية، وعبر هذا المنظار، تتبين مؤشرات إلى وجود فسحة لإعمار أضرحة البقيع؛ خاصة مع اندحار الوهابية رسمياً ومجتمعياً بعد أن اندحرت فقهياً واخلاقياً.

الشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي (1937_1980)؛ مؤسس الحوزة العلمية الزينبية بالشام، دأب على مدّ جسور التواصل والمحبة بين الفرقاء والمختلفين، وكان قد بادر في ستينيات القرن الماضي إلى إعمار أضرحة البقيع، في وقت كان مستبعداً مجرد التفكير بذلك. الشهيد الشيرازي كان قد وصل إلى خواتيم الأمر لكنه لم يبلغ مخرجاته ونتائجه بسبب الرؤية المأزومة لدى بعض، والمصلحة الضيقة لدى بعض آخر.

بمبادرته الرائدة، الشهيد الشيرازي كسر حواجز واقعية مشلولة، مع ذلك، لم يشعر (رضوان الله عليه) حينها بأنه بالدعوة إلى إعمار البقيع فإنه قد قام بما يجب، لذا سافر مرات عدة إلى البلاد التي تضم أقدس الأماكن عند جميع المسلمين؛ ومنها البقيع، والتقى من بيده أمور البلاد وكبار العلماء، وقد لمس تجاوباً، وبذلك أكّد الشهيد الشيرازي - عملياً - أن التحرر من الرؤية المأزومة والمواقف المتشنجة، ومدّ أواصر السلام والتفاهم والتعاون بين الشعوب والدول، هي مفاتيح النجاح في خدمة المبدأ والإنسان والصالح العام.

في سياق تعاظم الشعور بالحاجة الى استرجاع قيم الخير والسلام واحترام الآخر وحقه في الإيمان والاعتقاد والتعبير، تزامناً مع انخفاض منسوب الخطاب المتشنج، وتحسن العلاقات البينية داخل المجتمعات المسلمة، والتحولات الإيجابية في عموم حكومات البلاد المسلمة المتمثل بالتوجه إلى تعزيز الأمن الفكري والاستقرار المجتمعي وتحسين أحوال الناس، فإن الواقع اليوم يوفر فرصة لإعمار أضرحة البقيع. في الوقت أن هذا الإعمار؛ الذي طال انتظاره أكثر من مائة عام، سيضيف قوة دفع للانطلاق في هدم مخلّفات سوء الفهم والاحتقان والكراهية، وصولاً إلى تعزيز قيم الأخوّة والحرية والسلم المجتمعي، ثم إعمار النفوس وترسيخ الأفكار الإيجابية وتشجيع الأعمال الصالحة، وذلك كله سيتحقق عبر استحضار وتفعيل رؤى التعايش والتواصل والاعتدال والوسطية والسلام والمحبة؛ وبلا شك كل ذلك سيكون خدمة للإسلام العظيم، دين الخير والمحبة والإنسانية، وفي الوقت نفسه، سيصب في خير واستقرار ورفاه وتقدم الشعوب والبلاد المسلمة وعموم العالم.

8/شوال/1445هـ