الخطاب السياسي الإسلامي في العراق.. إضاءات في طريق التجديد


 

 

د. خالد عليوي العرداوي

موقع الإمام الشيرازي

 

لا يكفي الإسلاميين زعمهم أنهم أهل حق مقدس، وأنهم يخوضون صراعا مقدسا مع أعداء مدنسين، في سبيل الانتصار عليهم في نهاية غير معلوم أجلها، ونيل سعادة أخروية لا حدود لها بعد الحياة الدنيا؛ بل إنهم مطالبين بتقديم البرهان من خلال أفعالهم لا أقوالهم على إنهم بناة جيدين لتحقيق السعادة والرفاه والحرية للناس في حياتهم الدنيا. لقد فشل الإسلاميون حتى الآن في معظم الدول الإسلامية ومنها العراق، سواء كانوا في السلطة أم خارجها، في تقديم انموذجهم الحضاري الجيد، إذ لا زالت هذه الدول تعاني من التخلف اقتصاديا، وغياب الشفافية والديمقراطية في تشكيل أنظمة حكمها، وبناء هياكلها الدستورية الصحيحة، إضافة الى ضعفها الواضح في مؤسسات إنفاذ القانون، ناهيك عن اتساع دائرة الانتهاك للحقوق والحريات العامة، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، ومعاناتها من اختلال خطير في ميزان العدالة الاجتماعية لمصلحة الأقوياء من أصحاب السلطة والنفوذ، فضلا على تصاعد معدلات الفساد والجريمة المنظمة، وتخلخل التماسك الاجتماعي، وتنامي مشاعر العصبية والأفكار المتطرفة.

-------------------------------------

 

إن تصميم الأفكار مثل التصميم المعماري فهي يمكن أن تصبح عتيقة وقديمة الطراز إذا ما توقف أصحابها عن إجراء المراجعات لها، لتكييفها مع حاجات العصر ومقتضياته، فبدون هذه المراجعة والتكييف تتوقف الأفكار عن التأثير في المجتمعات التي تسود فيها، وعندها ستبدأ تلك المجتمعات بالبحث عن أفكار جديدة تناسبها وترضي تطلعاتها في الحياة.

وعليه، تبدو تجربة أكثر من قرن على ظهور وتطور الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر كفكر مؤثر في حياة الشعوب الاسلامية، وأكثر من خمسين سنة على كونه تيارا حركيا فاعلا خاض العديد من الصراعات مع غيره من التيارات الفكرية في العديد من البلدان، ونجح في الوصول الى السلطة في بعضها، أقول: هذه التجربة تبدو كافية لتحفيز العلماء والمفكرين الإسلاميين للبدء بإجراء مراجعات حقيقية وموضوعية لخطابهم، وتبين العثرات التي وقعوا فيها، والثغرات التي فاتهم تلافيها، والفرص التي ضاعت منهم.

ولا نريد الزعم أن هذا المقال القصير سيكفي للقيام بهذه المهمة الصعبة والمعقدة، والخطيرة في بعض الأحيان، ولكنه يهدف الى إجراء عصف ذهني للعقل الإسلامي السياسي المعاصر، وهو يفكر بالسلطة وادارتها، والتعامل مع قواها الفاعلة الوطنية والدولية، وإقناع الناس بتفوقه وقدرته على تلبية حاجاتهم الحياتية، واشباع تطلعهم الى العيش بكرامة في دولة حديثة تستجيب لمقتضيات العصر.

ولذا سيقترح المقال عددا من الإضاءات التي يجدها كاتبه مهمة أكثر من غيرها، لكونها تشكل ميدانا رحبا لإجراء مثل هذه المراجعات، التي ستحكم في النهاية على مدى نجاح الإسلاميين في الاستمرار كقوة مؤثرة فاعلة في بلدانهم أو التحول الى مجرد فاعلين في حقبة زمنية معينة من حياتها باتوا يقتربون أكثر وأكثر من لحظة نزولهم عن مسرح الأحداث السياسية، لفسح المجال لغيرهم في حديد مصيرها.

وتتمثل هذه الإضاءات بما يأتي:

1- استيعاب المفهوم الحديث للدولة.

لم يبدع العقل البشري خلال مسيرته الطويلة تنظيما اجتماعيا وسياسيا أروع من الدولة الحديثة، وعندما نشير الى الدولة الحديثة، فإننا نقصد بها دولة القانون والمؤسسات، تلك الدولة التي تتسع فضاءاتها ومؤسساتها لتستوعب كل الأفراد الساكنين فيها كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، فيشعرون جميعا بالانتماء والولاء لها، حيث يحكمهم قانون عادل يعبر عن إرادتهم ويحترم كرامتهم، ويسمح لهم بالعيش معا دون خوف ناجم عن الظلم والتمييز وغياب العدالة. وفي نفس الوقت تضيق هذه الدولة بوجه الغرباء فلا تسمح لغير ساكنيها بالتجاوز على حدودها وسيادتها والتدخل في شؤون مواطنيها، بصرف النظر عن الأسباب والذرائع.

وعلى الرغم من تعرض مكانة الدولة الحديثة الى الخرق وعدم الاكتمال حتى في أكثر الدول تقدما واحتراما للقانون، فإن وجود هذا العيب لا يشكل مبررا للإجهاز عليها وعدم السعي لاستكمال بنائها، فاحترام وجودها يعني فرض النظام المحفز للأمن والاستقرار داخل الدولة، وفي علاقاتها مع غيرها من الدول، وخلاف ذلك يجعل البديل هو الفوضى الناجمة عن الصراع والحروب المدمرة التي تعيد البشر الى بدائيتهم حيث العيش في ظل شريعة الغاب، ليأكل القوي الضعيف، ويجحف الغني بالفقير، فتضيع الحقوق وتنتكس الحريات.

والحقيقة التي من الصعب إغفالها موضوعيا هي انه كلما زاد استيعاب المجتمعات البشرية للمفهوم الحديث للدولة، كلما زاد استقرارها، وانتظامها، وتحسن الأداء لحكامها، وخضع أفرادها كبيرهم وصغيرهم، قويهم وضعيف، غنيهم وفقيرهم، لسلطة القانون والمؤسسات الدستورية المشروعة والشرعية، مما يضمن ارتقاء منظومة القيم الاجتماعية فتكون حضارية أكثر على مستوى التفكير والسلوك، وليدرك جميع مواطني الدولة في ظل غياب القهر والظلم وانعدام الفوارق الطبقية غير العادلة أهمية أن يكون الإنسان أخا لغيره في الإنسانية.

لقد واجهت -ولا زالت- الدولة الحديثة حتى في البلدان المتقدمة تحديات حقيقية كادت أن تنسف الأساس الفلسفي لوجودها، بسبب التيارات القومية العنصرية في الماضي القريب، وبسبب التيارات الشعبوية المغالية في الوقت الحاضر، ناهيك عما تواجهه من تهديدات تعرض منظومتها القيمية الأخلاقية للخطر الناجم عن التيارات الفكرية المنحلة التي تخالف فطرة الانسان السليمة، ويحاول أصحابها استغلال مظلة الدولة الحديثة، ومؤسساتها الدستورية، وقوانينها للترويج لأفكارهم بحجة الحرية متناسين أن الحرية لا تعطي الحق للإنسان ليكون بهيمة، وانها وجدت لتجعله أكثر إنسانية وتكاملا في بلوغ مقتضيات كرامته الخاصة والعامة، وقد تكون معركة الدولة الحديثة مع النمط الأخير من التهديدات هي أخطر معاركها على الاطلاق، فمعاركها مع القوميين والشعبويين وأمثالهم هي من نمط المعارك التي تغزو حصن الدولة من الخارج، وكلما اشتدت هذه المعارك كلما زادت القناعة الإنسانية بحاجة الناس الى الاحتماء بهذا الحصن للحفاظ على انسانيتهم، اما المعركة الأخيرة فهي من نمط المعارك المبنية على تلغيم الدولة من الداخل لنسف شرعيتها الاخلاقية ومشروعيتها القانونية في يوم ما، لتبدو هذه الدولة في نظر الكثيرين كدار بغاء تهدم منظومة قيمهم الانسانية، لتزجهم في النهاية في جولة جديدة من جولات الحيرة والتيه والبحث عن حلول فلسفية ومؤسساتية تنقذهم من المستنقع الذي من الممكن ان يصلوا اليه.

وهنا ربما من الضروري مبادرة المفكرين المعنيين بفلسفة ظهور الدولة، وأساس ليبراليتها الأخلاقي المنبثق من عقدها الاجتماعي الى التفريق بين الحرية التي أرادها الفلاسفة المتنورون كمنطلق للوصول الى الكمال الإنساني، والكرامة الحقيقية التي لا يخدشها قهر، ولا يعيبها ظلم وطغيان، وبين الحرية المخالفة لهذا الكمال والكرامة، والتي يروج لها البعض في الوقت الحاضر.

على أي حال، ومهما كانت التحديات والتهديدات التي تعرضت وتتعرض لها الدولة الحديثة، فإن مشكلة الإسلاميين، بل واتباع معظم التيارات الفكرية الأخرى في منطقتنا مع الدولة الحديثة تختلف كثيرا عما ذكرناه في أعلاه، بسبب أنهم لا يشكلون تهديدا لدولتهم الحديثة القائمة، بل انهم لم يستوعبوا أصلا المفهوم الحديث للدولة، فلا زالت تدور في مخيلتهم تصورات حول الدولة بوصفها دولة الحاكم بأمره (امام، خليفة، مرشد، سلطان)، دولة يحكمها المتغلب من المتصارعين على السلطة، وكلما زادت فرصه في الوصول إليها والبقاء فيها كلما أضفى على روايته في الحكم صفات الحق والصلاح والأفضلية على غيرها، بل يكفي مجرد انتصاره لفرضها على بقية رعيته الذين سيتحتم عليهم السمع والطاعة او مواجهة الاقصاء والتخوين وأحيانا التكفير.

وفي ظل دولة الحاكم بأمره سينشغل الخطاب السياسي سواء كان إسلاميا ام غير إسلامي في التركيز على شعارات تمجيد الحكم وإضفاء البعد الميثولوجي المقدس عليه، وتكون الدولة أداة لنشر أطروحة السلطة أكثر مما هي أداة لبناء الإنسان والمجتمع وجعل حياة المحكومين أفضل. وستمارس القيادات شكلاً من أشكال الوصاية على المجتمع، تزداد قسوته مع زيادة الاعتراض عليه شعبيا.

وما يغيب عن الإسلاميين في الوقت الحاضر هو إن الحاكم بأمره مهما كانت صفته فهو ليس معصوما ولا يعد ناطقا عن السماء، بل هو مجرد مجتهد بشري اجتهاده قابل للخطأ والصواب في قضايا الحكم والإدارة، كما في غيرهما، وهو معرض دائما الى مواجهة اجتهادات أخرى مخالفة له او متفقة معه، يمتلك أصحابها قدراً متساوياً من الحق في عرضها على الناس للقبول بها او رفضها، وهذا عند السماح به سيعني قبول التداول السلمي للسلطة وفقا للأطر الديمقراطية المعاصرة، مما سيعني –أيضا- ضرورة التصالح وإعادة النظر بالموقف من ديمقراطية الدولة وليبراليتها لقربها من مقاصد الشريعة الإسلامية. اما عند معارضته وهو ما يحدث –غالبا-فستكون النتيجة القبول بحاكم طاغية بغطاء ديني او غيره، فيستخدم هذا الحاكم أدوات السلطة وقدراتها لإرغام شعبه ومعارضيه على الطاعة والخضوع، وهو أمر لا ينسجم اطلاقا مع رؤية الإسلام الحقيقية لكرامة الانسان، وللحرية والحكم بين الناس.

وعليه، من المفيد لجميع الإسلاميين التخلي عن تصوراتهم القروسطية المتعلقة بدولة الحاكم بأمره، وأن يفهموا أنهم يعيشون في القرن الحادي والعشرين، أي يعيشون في ظل فهم وتصور جديد للدولة لم يسبق أن أدركه اسلافنا من البشر، وهو فهم يتطلب من الجميع استيعابه والتكيف معه، بل والمشاركة في تطويره وتحقيق غاياته، من خلال الاستفادة من اختراعات البشر وابداعاتهم المتصاعدة والمتراكمة.

ولكن نجاح الإسلاميين في استيعاب المفهوم الحديث للدولة لن يتحقق ما لم يلتزموا بثلاثة شروط أساسية هي:

الأول- امتلاكهم لمشروع سياسي متكامل يتناغم مع الفهم الحديث للدولة، وآليات عملها، يمكن أن يطمئن له جميع المواطنين سواء كانوا مسلمين ام غير مسلمين، ولا بأس ان يكون لهذا المشروع غطاء ديني، فالدين أساس البناء القيمي والروحي للشعوب والمجتمعات، على أن يكون بعيدا عن التعصب والتطرف والإرهاب، فضلا على أمانة ونزاهة القائمين عليه وبعدهم عن الفساد والنفاق، إذ غالبا ما تخسر أفضل المشاريع السياسية قوتها وتأثيرها بفساد القائمين عليها.

الثاني- أن لا يصادروا حق غيرهم من الناس في امتلاك مشروعهم السياسي الخاص-أيضا-، ويتركوا الخيار للشعب في تفضيلهم او تفضيل غيرهم بحرية تامة، طالما يتحرك الجميع في الفضاء السياسي استنادا الى القانون واحتراما لحقوق وحريات الأفراد العامة والخاصة، بما فيها انتماءاتهم وهوياتهم الخاصة.

الثالث- انهاء انقسامهم السياسي والالتفاف حول مشروع سياسي محدد، لأن وجود مشروعات إسلامية متعددة متقاطعة الرؤية، يعني الارتباك واستمرار الوهن في قوة خطابهم السياسي من جانب، ودخولهم في صراعات شديدة فيما بينهم تقود الى تشظيهم وابتعاد الناس عنهم من جانب آخر.

2- التصالح مع الذات والآخر

التصالح مع الذات دليل مهم على اعتدال تفكيرها، وصلاح قيمها، واستقامة منهجها، فهو الذي يساعدها على دقة التقييم، وسداد التوجيه والقرار.

عندما يكون الإنسان متصالحا مع نفسه لن يغفل عن عيوبها، ولن يتردد في تلافي هذه العيوب، بل والاعتراف بالفشل عندما يحدث، فمنهجه الفكري السليم سيبعده عن الانتفاخ والنرجسية في مدح الذات، ويمنعه من وضعها في غير موضعها، كما يحول بينه وبين الإصرار على المواقف الخاطئة المتطرفة، ويُشعره بالحاجة الدائمة الى التعلم والتقويم ومراجعة الأفكار والمواقف بموضوعية تامة.

إن الإسلاميين بحاجة ماسة الى هذه الفضيلة الأخلاقية، كما تحتاج إليها مجتمعاتهم، افرادا وجماعات، فقد كشفت بعض الأحداث والمواقف لديهم عن تصلب فكري، وتخندق سياسي، وإنكار متعمد للأخطاء... فأضعفت قدرتهم على القيادة والتأثير من خلال القدوة الحسنة. فالأفكار الرفيعة عندما تفتقر الى المنظومة القيمية المماثلة لها تتعرض الى فشل مريع عند تطبيقها.

ومن مقتضيات التصالح مع الذات فسح المجال لنقد الخطاب السياسي الإسلامي، ومراجعة متبنياته الفكرية وأداء حركاته السياسية، لبيان مدى انسجامها مع منهج الاعتدال والاستقامة؟، ومقدار فاعلية وكفاءة المتصدين له في تحقيق أهدافه؟، وهل كان تصديهم نابع من كفاءتهم ام من حسابات أخرى غير ملائمة؟، وهل طبقت الحركات الإسلامية مبادئ الشورى والديمقراطية في داخلها أم أنها عانت من التفرد والاستبداد في القيادة والقرار كما عانت منه كل الحركات السياسية الاخرى في بلدانها؟، فضلا على كشف حدود تكيفها مع عصرها واستجابتها للحاجات الحقيقية للشعوب والبلدان الإسلامية في الوقت الحاضر لا كما تصورها الاسلاف السابقون؟

هذه الأسئلة وغيرها باتت ضرورية بشكل حاسم لتصحيح مسار الإسلاميين الفكري والحركي ولا يمكن الإجابة عنها بدون التصالح مع الذات، والاعتراف بوجود حاجة ملحة الى ذلك.

من جانب آخر، تجد أن الإسلاميين -أيضا- بحاجة الى التصالح مع الآخر، والآخر هنا قد يكون شريكا في الوطن، لكنه مختلف في انتمائه الفكري والعرقي والديني والمذهبي، أو يكون شريكا في الإنسانية، أي ينتمي الى دول أخرى، قريبة أم بعيدة، وقد ذكرنا مسبقا أن علاقة المسلمين مع غيرهم تاريخيا وثقافيا وسياسيا لم تكن على ما يرام، وقد اورثت هذه العلاقة كما هائلا من العداء والكراهية المبررة في بعض الأحيان، ولكن بناء اجتماع وطني وانساني سليم يقتضي عدم إيقاف التفكير عند لحظة زمنية ما او عند حدث تاريخي وسياسي معين، فالتطور في العلاقات الإنسانية وطبيعة دائرة المصالح بين الناس تتغير باستمرار، والتحجر في التفكير بوصم الآخر بصفة العدو الكافر غالبا ما يكون على حساب الحق وبناء السلوك الحضاري القويم.

إن التحجر أو ما يمكن تسميته بالجمود الفكري يخلق ثقافة صلبة غير منفتحة، تضفي الحق والصواب على الذات، وتسلبه من الاخر، بل أنها تسلبه أحياناً حقه الإنساني في الحياة والحرية والعمل، مما يعني إقامة جدار دائم من الكراهية بين الطرفين تكون نتائجه فكرا سياسيا متعصبا متطرفا غير قابل للتسامح والحوار مع الاخر، تبنى مواقفه السياسية والاجتماعية السلبية مسبقا، مما يهدد بوحدة النسيج الاجتماعي الداخلي للمجتمعات العربية والإسلامية، كما يهدد العلاقات الدولية بالصراعات والحروب التي لا تنتهي، وقد اثبتت التجارب القريبة والبعيدة في العراق وغيره من البلدان دقة هذا الرأي، ويمكن لأي دراسة استقصائية محايدة تجري في مجتمعاتنا ان تتوصل الى هذه النتيجة، لتكشف عن حجم الاهوال الجسيمة التي وقعت على الناس بسبب الكراهية الشديدة والمواقف السلبية المسبقة ضدهم.

إن عدم المصالحة مع الاخر ووزن الأمور بميزان عقلي وأخلاقي صحيح، يوفر الأرض الخصبة لاختراق مجتمعاتنا الإسلامية من قبل أصحاب الاجندات التخريبية التي تريد تدميرها واضعافها، تلك الاجندات التي تتغذى وتقوى شوكتها من خلال إشاعة روح الكراهية داخل وبين الحكومات والشعوب، مرة بتركيزها على سرمدية العداء، ومرة أخرى بداعي الانتصار لما تسميه حق هذا الطرف على باطل الطرف الآخر، ومرة ثالثة بتأجيج الصراعات سعيا خلف المطامع والغرائز غير المشروعة.

وعليه فإن عدم تصالح الإسلاميين مع أنفسهم ومع الآخر في بلدانهم وخارجها سيبقيهم في أزمة دائمة عند تنظيمهم مؤسساتهم وعلاقاتهم الاجتماعية والسياسية، وهي أزمة تركت وستترك باستمرار تأثيراتها السلبية على الفضاء السياسي المحلي والدولي فتملئه بكم كبير من انعدام الثقة والكراهية المتبادلة، فضلا على ما تولده من صراعات بينية وعمودية لا تنتهي تكون محصلتها النهائية فشلهم ومجتمعاتهم في الحصول على الامن والاستقرار، ناهيك عن فقدانهم القدرة على تحقيق أهدافهم السياسية، أي كانت مقاصدها.

3- بناء النموذج الحضاري الإسلامي التنافسي.

ما يلاحظ على الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر في معظم خطوطه الرئيسة أنه يرتكز على الاعتقاد بالحق المطلق، والصراع والانتصار الحتمي، والسعادة الأخروية في الجانب النظري، ولكنه يهمل بشكل كبير الاهتمام بضرورة بناء أنموذج حضاري متقدم في الحكم والإدارة، والفنون والعمران، والعلم والأدب، والصناعة والتجارة والزراعة، والعدالة الاجتماعية في توزيع الدخل والثروة والفرص، واحترام القانون، وحماية الحقوق والحريات العامة...أنموذج يحول الفكر السياسي للإسلاميين من ميدانه النظري المليء بالوعود الى اطاره التطبيقي العملي الذي يثبت صحة الوعود وصدق القائمين عليها.

لقد فات المنظرون الإسلاميون أن المعرفة البشرية في وقتنا الحاضر لا تتأثر كثيرا بوعود الغيب غير المنظورة، ولا تنجذب طويلا الى الأفكار مهما كانت روعتها مالم تنجح الوعود والأفكار في تحقيق أمرين مهمين:

الأول- قدرتها على معالجة مشاكل الروح والعقل والجسد التي يعاني منها الناس في وقتنا الحاضر، سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين، في البلدان الإسلامية وفي غيرها من البلدان، تلك المشاكل التي تتسبب لهم بالظلم والالم المحسوس وغير المحسوس، فيعيشون بسببها اوضاع غير آمنة وغير مستقرة، يختل فيها ميزان العدل والنظام، وتتسع فيها الفجوة بين من يملكون ومن لا يملكون، كما تزداد سطوة الظالمين على المظلومين في حياة يهيمن عليها الإحساس بالكراهية والخوف وعدم الثقة وتنامي سقف المخاطر.

الثاني- نجاحها في تقديم بديل تطبيقي عملي يمكن تلمس معالمه والإحساس بها امبريقيا لا ميتافيزيقيا فقط، فوجود هذا البديل سيمكن الإنسان من المقارنة بين الحياة التي يعيشها، والحياة التي يبشر بها أصحاب الوعود والأفكار، وهذا يعني الارتكاز على قوة الأنموذج في جذب الناس إليه والإيمان به، سواء بطريقة شعورية أو لا شعورية، وجاذبية الأنموذج هي ما يسمى اليوم في ميدان العلاقات الدولية بالقوة الناعمة التي تمارس تأثيرها الفعال على الناس للحكم على صحة الأفكار من خطأها.

ما نريد قوله: إنه لا يكفي الإسلاميين اليوم لكسب الناس والتأثير الإيجابي فيهم زعمهم أنهم أهل حق مقدس، وأنهم يخوضون صراعا مقدسا مع أعداء مدنسين، في سبيل الانتصار عليهم في نهاية غير معلوم أجلها، ونيل سعادة أخروية لا حدود لها بعد الحياة الدنيا ... بل إنهم مطالبين بتقديم البرهان من خلال افعالهم لا أقوالهم على أنهم بناة جيدين لتحقيق السعادة والرفاه والحرية للناس في حياتهم الدنيا، فكما قال الامام علي بن ابي طالب عليه السلام: "بحُسن العمل تجنى ثمرة العلم لا بحُسن القول"، وأن "حُسن الأفعال مصداق حُسن الأقوال"، ولذلك يحتاج الفكر السياسي الإسلامي المعاصر الى تجسيد عملي له بتشكيل أنموذج حضاري يتنافس الى جانب النماذج الأخرى غير الإسلامية في التأثير الإيجابي على عقول الناس وأرواحهم، وإيجاد الحلول العملية التي تضع حدا لبؤسهم ومعاناتهم، وحماية مستقبلهم ومستقبل من يحبون.

لقد فشل الإسلاميون حتى الآن في معظم الدول الإسلامية ومنها العراق، سواء كانوا في السلطة أم خارجها، في تقديم انموذجهم الحضاري الجيد، إذ لا زالت هذه الدول تعاني من التخلف اقتصاديا، وغياب الشفافية والديمقراطية في تشكيل أنظمة حكمها، وبناء هياكلها الدستورية الصحيحة، إضافة الى ضعفها الواضح في مؤسسات إنفاذ القانون، ناهيك عن اتساع دائرة الانتهاك للحقوق والحريات العامة، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، ومعاناتها من اختلال خطير في ميزان العدالة الاجتماعية لمصلحة الأقوياء من أصحاب السلطة والنفوذ، فضلا على تصاعد معدلات الفساد والجريمة المنظمة، وتخلخل التماسك الاجتماعي، وتنامي مشاعر العصبية والأفكار المتطرفة...

إن مقارنة الشعوب الإسلامية بين أوضاعها وأوضاع غيرها في البلدان الأخرى سيبعدها عن الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر بكل أطيافه عاجلا ام آجلا، فالإنسان مجبول على التأثر كثيرا بما يراه لا ما يسمع عنه، فهو يتطلع الى عيش الحياة الأفضل لا الوعد بها، واستمرار فشل الحركات الإسلامية وعدم اهتمامها ببناء نموذجها الحضاري القادر على منافسة غيره من النماذج إقليميا ودوليا سيعني الحكم عليها بالفشل في نظر شعوبها وغيرها من شعوب العالم، بل وفي نظر اتباعها المخلصين أنفسهم في النهاية، كون فشلها في تحقيق هذا الهدف (بناء الانموذج الحضاري) يعني فشل قياداتها في وضع أفكارها موضع التطبيق، مما سيسلب الأفكار قوة تأثيرها الروحي والعقلي المأمول، كما سيسلب قياداتها محبة الناس وثقتهم، فيقود ذلك الى افول وزوال الأفكار والقيادات ولو بعد حين.

4- التحرر من وصاية الخط العقائدي.

عندما ندعو الى تحرير العمل السياسي الإسلامي من وصاية الخط العقائدي الذي يمثله بعض فقهاء الدين لا نقصد بذلك نزع هويته الدينية، بل على العكس نريد حماية هذه الهوية وترسيخ قدرتها على الفعل السياسي في نظام الدولة الحديثة، ولكننا نريد الفصل بين ثيوقراطية الدولة ومدنيتها، بين انغلاقها وانفتاحها، بين يمينيتها واعتدالها، فالفقيه أي فقيه ينصب اهتمامه على ميدان التبليغ ونشر الدعوة، وتفسير نصوص الكتاب والسنة وفقا لمذهبه الديني واجتهاده العقلي، وغالبا ما تكون بوصلة تصور الإدارة والحكم لديه متجهة الى الماضي، أي انه يحاول فهم ما تم تطبيقه في قرون الإسلام الأولى واسقاطه بشكل ما على الحاضر والمستقبل، ولذا تجد الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر فيما يتعلق بالحكم وبناء الدولة وتنظيم العلاقات بين الناس ما هو الا محاولة تكييف وتطوير لما جرى في عهد الرسول صلى عليه وآله، وعهود الخلفاء ومن جاء بعدهم، في الوقت الذي يشهد الفهم الحديث لهذه الأمور تطورات مهمة لم تكن متصورة في ذلك الوقت، بل يحتاج فهمها والتكيف معها فكرا سياسيا لديه عمق ديني لا فهم فقهي، ولديه اهتمام سياسي خالص لا مجرد اهتمام عرضي وطارئ.

إن الإبقاء على وصاية الخط العقائدي على العمل السياسي الإسلامي سيبقيه أسير اجتهادات فقهية لم تتفق يوما على رأي جامع للحكم والادارة، وغالبا ما قادت الى تقاطع اتباعها في المصالح والتصورات، وهي مفيدة في منح الخيارات المتعددة لصاحب القرار الذي يقود الدولة وفقا لما هو أصلح لحكم الناس وإدارة شؤونهم لا ان تحتكر اتخاذ القرار لمصلحة خيار بعينه فيما تحكم على غيره بالإنكار والرفض.

إن الفرق بين الخط العقائدي والخط السياسي هو كالفرق بين المبلغ ناشر الدعوة المدافع عن حصنها وجماعتها الدينية الخاصة ورجل الدولة الباني لمؤسسات الدولة والمدافع عن سيادتها وحقوق مواطنيها بصرف النظر عن انتماءاتهم الفكرية والدينية، وطالما أن ميدان العمل الإسلامي هو البلدان الإسلامية وهي بلدان يشكل المسلمون غالبيتها، فهي لا تحتاج الى مبلغين ينشرون الدين وانما تحتاج بالدرجة الأولى الى رجال دولة يتقنون ادارتها وحكمها وحماية حقوق وحريات مواطنيها، رجال دولة يوفرون البيئة الآمنة للفقيه والعالم والطبيب والاكاديمي والكاسب وغيرهم على قدم المساواة، فمشكلة بلداننا الإسلامية خلال تاريخها الطويل لم تكن في ضعف معرفتها العقائدية وقلة فقهائها ومبلغيها، بل كانت في سوء إدارة حكمها وتنظيم علاقاتها واستثمار ثرواتها البشرية والطبيعية، فضلا على تخلف وعيها وتفكيرها السياسي الخاص ببناء الدولة والانسان، وتطوير منظومة الاخلاق والقيم.

وعليه فإن تحرير العمل السياسي للحركات الإسلامية من وصاية الخط العقائدي هي دعوة الى تحريره من سيطرة التفكير بالفضاء الضيق (الدين والمذهب)، لمصلحة التفكير بالفضاء الواسع (الدولة والإنسانية)، ومن التخندق والإيمان بحقيقة واحدة الى الاستعداد لتقبل وجود حقائق أخرى تتعدد بأنفاس الخلائق كما يقال، ومن تكرار المؤسسات والممارسات السياسية التي حكمت الماضي الى البحث عن مؤسسات وممارسات سياسية جديدة تنسجم مع حاجات العصر ومقتضيات تطوير المجتمعات فيه. فتحرير العمل السياسي الإسلامي بهذه الصورة سيوسع تصورات ودائرة تأثير الإسلاميين لتكون بحجم الوطن، بل والإنسانية، وسينقذه من خوض الصراعات التي لا تنتهي للدفاع عن هذا الاجتهاد أو ذاك ، ويحثه على الأخذ بمنهج الاعتدال عند وضع الأجندات السياسية وتطبيق أحكام الشريعة، بل وحماية السمعة والهوية الإسلامية، وكلما زاد مقدار التحرر كلما اقتربت القيادات السياسية الإسلامية من سلوك رجال الدولة، وأخذت احزابها تؤثر في مجتمعاتها لا بما تطرحه من شعارات عقائدية متصلبة تستهدف جمهور المؤمنين وإنما بما تطرحه من برامج سياسية قابلة للتطبيق تعود بالفائدة على جميع المواطنين من مسلمين وغير مسلمين.

نعم سيحتاج الخطاب الإسلامي الى وقت طويل لتحقيق هذا الهدف المصيري، وسيحتاج الى نخبة فذة من المفكرين والقيادات الإسلامية القادرة على فهمه وتثبيت اركانه وتوضيح حدوده، وتهيئة ساحة الفكر والعمل السياسي للانتقال من المرحلة السابقة الى المرحلة الجديدة في مسيرة وعرة للغاية لن تخلو من تحديات ستكون فيها القوى الداخلية المعارضة والمشككة بها أشد من القوى الخارجية الناقدة او المؤيدة.

إن هذه الاضاءات الأربع: استيعاب المفهوم الحديث للدولة، المصالحة مع الذات والآخر، بناء النموذج الحضاري الإسلامي التنافسي، والتحرر من وصاية الخط العقائدي ستحدد مستقبل الخطاب السياسي الإسلامي في العراق وغيره من البلدان الاسلامية، وهي ليست طرحا فكريا معدا في أبراج عاجية، بل هي ضرورة تحتمها تطورات المعرفة البشرية، والعلاقات الدولية، ومأسسة الحياة المعاصرة، وتزيد الحاجة إليها طبيعة التقارب بين البشر الناجم عن التقدم التكنولوجي وثورة المعلومات والاتصالات، كما تفرضها المشاكل والأزمات والصراعات المتجددة بين الأفراد والمجتمعات والأمم.

إن التغاضي عن الاهتمام بهذه الإضاءات وغيرها، بالاستسلام للكسل الفكري والحلول الجاهزة المبسطة والعصبيات الضيقة والمصالح المتقاطعة لن يطور أي خطاب سياسي سواء كان إسلاميا ام غير إسلامي، وستبقى الحياة السياسية في مجتمعاتنا أسيرة التعثر والصراع، وسوء الحكم والإدارة، وستخسر أجيالها القادمة إضعاف ما خسرته أجيالها الحاضرة.

بكلمة أخيرة: إن قوة الإنسان الحقيقية ليست في تجاهل الإشارات في الطريق وإهمال الثقوب في الجدران، وتكرار الأخطاء عندما تحصل، بل قوته الحقيقية تكون باستعداده للتخلي عن بعض قناعاته عندما تبدو انها خاطئة، وتغيير سلوكياته التي فشلت في تطوير حياته، والتراجع عن قراراته التي جعلت حياته أسوء أو قادته الى الهاوية. ومن المهم للغاية إدراك أن الناس في زمننا اذكياء، وهم يتطلعون الى احترام ذكائهم، ومعرفة ان سكوتهم أحيانا لا يعني رضاهم، وأنهم قادرون بسهولة على التفريق بين الناجح والفاشل من الأفكار والقيم والسلوكيات.

* ( مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية)

22/شوال/1445هـ