![]() |
|
|
الإمام علي بن أبي طالب ... حاكماً
موقع الإمام الشيرازي
عندما وصل الإمام أمير المؤمنين الى سدة الحكم، عزل معاوية "الوالي على الشام" فوراً، كما عزل سائر الولاة الذين وصلوا إلى السلطة، عبر المحسوبيات والمنسوبيات، دون أن يملكوا شيئاً من الكفاءة أو التقوى، وقال أمير المؤمنين في ذلك: "ولكني آسى أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها وفجارها فيتخذوا مال الله دولاً وعباده خولاً والصالحين حرباً والفاسقين حزباً." ثم قام أمير المؤمنين بتنصيب ولاة صالحين بدلاً عن أولئك الفاسدين؛ فنصَّب عثمان بن حنيف، وسهل بن حنيف، وقيس بن سعد بن عبادة وغيرهم من المعروفين بالورع والصلاح والنزاهة، وقد أحدث هؤلاء الولاة تغييراً إيجابياً كبيراً في جميع المجالات، حتى عادت الأمور إلى مجاريها، ولم يعد في البلاد الإسلامية حتى فقير واحد؛ وفي ذلك يقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): "ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا عهد له بالشبع ولا طمع له بالخبز" ـ أي إن هناك احتمالاً ضعيفاً بوجود فقير في أحد هذين البلدين اللذين كانا من أكثر البلاد تخلفاً وفقراً آنذاك.
------------------------------ عندما وصل الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى الحكم كان وضع البلاد الإسلامية متدهوراً جداً، فقد سرى الفساد والانحراف في كل أجهزة الدولة، وأصبح المجتمع طبقتين متباعدتين: طبقة غنية تملك من الذهب ما يكسر بالفؤوس، وطبقة فقيرة تمون في العراء من وطأة الجوع! المسؤولون والفساد وتجاه هذا الوضع المنحرف، اتخذ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) عدّة قرارات إيجابية وبناءة وحكيمة، كان من أهمها: (1) عزل جميع الولاة الفاسدين الذين ولاهم عثمان أو من سَبَقَه الحكم؛ فعند وصول الإمام (عليه السلام) إلى الحكم عزل معاوية ـ الوالي على الشام ـ فوراً، كما عزل سائر الولاة الذين وصلوا إلى السلطة، عبر المحسوبيات والمنسوبيات، دون أن يملكوا شيئاً من الكفاءة أو التقوى، وقال الإمام (عليه السلام) في ذلك: "ولكني آسى أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها وفجارها فيتخذوا مال الله دولاً وعباده خولاً والصالحين حرباً والفاسقين حزباً"([1]). (2) نصَّب ولاة صالحين بدلاً عن أولئك الفاسدين؛ فنصَّب عثمان بن حنيف، وسهل بن حنيف، وقيس بن سعد بن عبادة وغيرهم من المعروفين بالورع والصلاح والنزاهة، وقد أحدث هؤلاء الولاة تغييراً إيجابياً كبيراً في جميع المجالات، حتى عادت الأمور إلى مجاريها، ولم يعد في البلاد الإسلامية حتى فقير واحد؛ وفي ذلك يقول الإمام (عليه السلام): "ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا عهد له بالشبع ولا طمع له بالخبز"([2]) ـ أي إن هناك احتمالاً ضعيفاً بوجود فقير في أحد هذين البلدين اللذين كانا من أكثر البلاد تخلفاً وفقراً آنذاك. وقد أرسل الإمام علي (عليه السلام) والياً إلى أفريقيا ـ أفريقيا التي يموت فيها الآن يومياً (1000) إنسان تقريباً من الجوع أي (360) ألف في السنة الواحدة([3]) ـ وبعد مدة أرسل الوالي إلى الإمام برسالة يقول فيها: إن الأموال كثيرة، فماذا نفعل بها؟ فأرسل له الإمام (عليه السلام): أن أعطها للفقراء كي يستغنوا، فأرسل الوالي مرة أخرى برسالة إلى الإمام يقول فيها: أنه أغنى الفقراء ولا تزال الأموال زائدة فماذا يفعل بها؟ فأمره الإمام (عليه السلام) بتزويج العزّاب كلهم بهذه الأموال، فزوج العزاب ثم أرسل بالفائض من الأموال إلى الإمام (عليه السلام). الاقتصاد والمال وفي المجال الاقتصادي والمالي قام الإمام (عليه السلام) بما يلي: (1) ألغى مبدأ التفاضل في العطاء، وأعاده كما كان في زمن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) فقد كان النبي (صلى الله عليه وآله) يساوي في العطاء، فكل الأموال التي كانت تفيض من بيت المال كان يقسمها بين المسلمين بالتساوي؛ سواء منهم الغني والفقير والعربي والأعجمي والسيد والمولى، باعتبار أن بيت المال ملك للمسلمين جميعاً.. الخ. إلاّ أن عمر عند ما جاء قرر: التفاضل في العطاء؛ ففضَّل الأوس على الخزرج، والمهاجرين على الأنصار، والعرب على العجم، ومضر على ربيعة، فجعل لمضر (300)، ولربيعة (200) وهكذا. وعندما تولى الإمام علي (عليه السلام) الحكم أعاد العطاء متساوياً؛ وذلك للأضرار التي ولّدها التفاضل في العطاء، وفي طليعتها الطبقية والعنصرية، فقد تولدت بين العرب والعجم والموالي والسادة.. الخ عداوات وأحقاد بسبب هذا التفضيل، حتى أن عمر أدرك ذلك في آخر سنين خلافته فقال: "إن عشت هذه السنة ساويت بين الناس فلم أفضل أحمر على أسود، ولا عربياً على عجمي، وصنعت كما صنع رسول الله 9 وأبو بكر"([4]). (2) أعاد الأموال غير الشرعية التي تكونت على أثر سياسة عثمان الجاهلية إلى بيت المال، فقد كان الزبير يملك خمسين ألف دينار وألف فرس وألف عبد وضياع أخرى، وكانت غلة طلحة بن عبد الله في العراق كل يوم ألف دينار وغلّته في منطقة (السراة) أكثر من ذلك، وعبد الله بن عوف كان على مربطه مائة فرس وعشرة آلاف شاة وألف بعير، وقد بلغ ربع ثُمن ماله بعد وفاته 84 ألفاً!! وعندما قتل عثمان كان له 150 ألف دينار ومليون درهم وقيمة ضياعه: مائة ألف دينار([5]).. وقد أعاد الإمام الأموال التي تجمعت عند هؤلاء وغيرهم من بيت المال، وقد أعاد الإمام (عليه السلام) الأموال التي تجمعت عند هؤلاء وغيرهم من بيت المال، وقد قال الإمام (عليه السلام) في هذا المجال: "ألا وإن كلّ قطيعة أقطعها عثمان، وكلّ مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال، فإن الحق لا يبطله شيء، ولو وجدته قد تزوّج به النساء وملّك بن الإماء وفرق في البلدان لرددته، فإن في العدل سعة ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق." وقد طبق الإمام (عليه السلام) مبدأ العدالة في الحقوق إلى أقصى درجة ممكنة، فقد أتي الإمام (عليه السلام) بمال من أصفهان، فقرر الإمام (عليه السلام) توزيعه بين المسلمين، وكان أهل الكوفة سبعة أقسام فقسّمه سبعة أسباع، وكان بين المال رغيف يابس، فقسمه الإمام (عليه السلام) سبعة أقسام، ثم جعل على كل جزء من الأموال كسرة من الخبز([6]).. ودخل عليه عمرو بن العاص ليلة والإمام (عليه السلام) في بيت المال، فأطفأ الإمام (عليه السلام) السراج وجلس يتحدث مع عمرو تحت ضوء القمر، فسأله عن ذلك، فقال (عليه السلام): إن السراج من بيت مال المسلمين ولا يحق لي استخدامه لأجل شؤوني الخاصة!([7]).. وقد ساومه (عليه السلام) مجموعة من الأشراف على أن يبايعوه بشرط أن يدع أموالهم ويقتل قتلة عثمان، فرفض الإمام (عليه السلام) ذلك، فقد أرسل إليه أثرياء قريش الوليد بن عقبة بن أبي معيط فقال للإمام (عليه السلام): يا أبا الحسن إنك قد وترتنا جميعاً ونحن أخوتك ونظراؤك من بني عبد مناف، ونحن نبايعك اليوم على أن تضع عنا ما أصبناه من المال أيام عثمان، وأن تقتل قتلته وإنا إن خفناك تركناك فالتحقنا بالشام، فرفض الإمام (عليه السلام) ذلك بشدة([8]).. ورغم أن الإمام (عليه السلام) كان يعلم تماماً إن سياسته المبنية على أساس "العدالة والمساواة في العطاء" سوف تثير جميع الطبقات البرجوازية أمثال طلحة والزبير وقريش والولاة السابقين ضده ـ كما حدث ذلك بالفعل ـ ورغم الضغوط الشديدة التي وجهها إليه أصحابه والتي كان منها: "أن طائفة من أصحابه مشوا إليه عند تفرق الناس عنه وفرار كثير منهم إلى معاوية فقالوا: يا أمير المؤمنين أعط هذه الأموال وفضّل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم ومن يخاف عليه من الناس فراره إلى معاوية، فقال لهم أمير المؤمنين (عليه السلام): "أتأمرونّي أن أطلب النصر بالجور، لا والله لا أفعل ما طلعت شمس ولاح في السماء نجم، والله ولو كان مالهم لي لواسيت بينهم، وكيف وإنما هو أموالهم" ([9]) الحديث. * الفصل الثالث من كتاب "أضواء على حياة الإمام علي عليه السلام" لسماحة آية الله السيد مرتضى الشيرازي
14 / رجب الأصب / 1446هــ ([1]) نهج البلاغة، الكتب: 62. ([2]) نهج البلاغة، الكتب: 45، ومن كتاب له إلى عثمان بن حنيف الأنصاري... ([3]) هذا الإحصاء يعود إلى تاريخ التأليف وهو عام 1400هـ. ([4]) تاريخ اليعقوبي: ج2 ص106ـ107. ([5]) دائرة المعارف الإسلامية الشيعية لحسن الأمين: ص32 نقلاً عن المسعودي. ([6]) بحار الأنوار: ج41 ص118. ([7]) بحار الأنوار: ج41 ص116. ([8]) شرح نهج البلاغة: ج7 ص37ـ40، وعلي من المهد إلى اللحد: ص424. ([9]) مستدرك الوسائل: ج11 ص91 ب35 ح12494.
|