"روح القوانين" .. تحلّق عالياً في سماء لبنان


 

 

محمود القيسي

 (لبنان)

موقع الإمام الشيرازي

 

يُعَد إقرار مشروع قانون استقلالية القضاء العدليّ في لبنان خطوة مفصلية في سياق تعزيز إستقلالية السلطة القضائية، أحد الشروط الأساسية التي وضعتها الهيئات الدولية ضمن حزمة الإصلاحات المطلوبة لإنهاض الدولة اللبنانية ومؤسّساتها، وإعادة بناء ثقة المجتمعَيْن المحلي والدولي بمنظومة العدالة في البلاد، خصوصاً بعدما تعرض القضاء في لبنان إلى جملة مشكلات في معرض تأديته وظيفته عموماً. نحن بحاجة الى دولة السلطة التشريعية، في تشريع القوانين وتعديلها قانونياً، دولة السلطة التنفيذية، في تنفيذ وحماية حقوق الناس ومصالحهم ومتابعتها يومياً. نحن بحاجة إلى دولة السلطة القضائية في ممارسة القضاء العادل النزيه والشفاف. نحن بحاجة إلى إنتاج الدولة، بشرط ومشروعية أن يبقى الإنتاج وطني، وإعادة انتاج الدولة والقوانين فعل مستمر في دولة القوانين الفاعلة، وليس المفعول بها. نحن بحاجة إلى الدولة الوطنية الفاعلة، وليس دولة الغوغائية والاستعراضات السياسية والإرهاصات الشعبوية الفارغة والملفات المتراكمة والمنسية في أدراج المكاتب والإدارات والوزارات ومَنْ يدّعون أو يدّعون الدفاع عن المصالح الوطنية، ناسياً، أو متناسين أن (العدل أساس الملك)، وليس أساس مركز فلان من هذا الحزب أو علتان من ذاك التيار، دون أن يدروا أنهم لا يملكون الجمهورية اللبنانية.

-------------------------------

من الممتع حتى النشوة والموجع حتى الألم القاتل، في الوقت ذاته، أن يمشي الإنسان قي دروب الفكر والمعرفة حتى تدمى قدماه، حتى ينضج عقله وينطق، حتى يصبح مؤهلاً ويرتقي الى صفة إنسان شكلاً ومضموناً وعنواناً، وليس بالادعاء والدعوة النظرية فقط.

كان رهان مونتسكيو الأساسي يتمحور ويتموضع حول الإنسان الذي يتجرأ على خرق القوانين كلّها، ويعيد قراءتها ويعيد كتابتها عند الحاجة والضرورة، القوانين التي كان هو نفسه من وضعها. هكذا رفض هذا الفيلسوف الكبير جميع أشكال وألوان "الفكر" القائم على خنق الحريات واغتصابها، من هنا كان موقفه الرافض للظلم والمظالم والقمع بكل أنواعه، إنه  بفضل هذا الفيلسوف - فيلسوف روح القوانين- عرف العالم للمرة في تاريخه مبدأ "فصل السلطات" كمبدأ أساسي وثابت لإقامة النظام الديمقراطي.

قانون استقلالية القضاء

يُعَد إقرار مشروع قانون استقلالية القضاء العدليّ في لبنان من قبل حكومة رئيس الوزراء نواف سلام إنجازاً متقدماً، كما يأتي في سياق الإصلاحات التي وعد بها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في خطاب القسم.

نعم، يُعَد إقرار مشروع القانون خطوة مفصلية في سياق تعزيز إستقلالية السلطة القضائية، أحد الشروط الأساسية التي وضعتها الهيئات الدولية ضمن حزمة الإصلاحات المطلوبة لإنهاض الدولة اللبنانية ومؤسّساتها، وإعادة بناء ثقة المجتمعَيْن المحلي والدولي بمنظومة العدالة في البلاد، خصوصاً بعدما تعرض القضاء في لبنان إلى جملة مشكلات في معرض تأديته وظيفته عموماً.

القانون المنتَظَر الذي تتعلق بنوده بطريقة تعيين أعضاء مجلس القضاء الأعلى، وتنظيم التشكيلات القضائية، وإجراءات تقييم القضاة، فضلاً عن نصوص تضمن فصل السلطة القضائية عن التأثيرات السياسية الداخلية والضغوط الخارجية.

نعم، استقلالية القضاء على قاعدة القرارات القضائية التي يجب أن تكون دائماً وأبداً حيادية وغير خاضعة لنفوذ الفروع الأخرى للحكومة التنفيذية والتشريعية، أو لنفوذ المصالح الخاصة، أو السياسية؛ كما تعودنا عليها للأسف في لبنان الذي كان مخطوفاً حتى الأمس القريب!

كتب هذا المواطن الإنسان في إحدى تأملاته الفكرية: "عندما أتصرف حيال أمر ما أكون مواطناً، ولكن عندما أكتب اكون إنساناً"، ثم يضيف: "أنا إنسان قبل أن اكون فرنسياً، ذلك لأنني إنسان بقوة الضرورة، ولست فرنسياً إلا بحكم المصادفة."

إنه صاحب "روح القوانين"، وهو القائل: "أعتقد أنني ساكون أسعد البشر لو أستطعت شفاء الناس من أحكامهم المسبقة"، إنه مُنظر الحرية بالهامش الضيق، الهامش الذي يسمح به التوازن بين القوانين السائدة، والواجبات والحقوق، لكن المهم في جميع الحالات هو المحافظة على التوازن الفكري، وامكانية الإنسان أن يسيطر على سلوكه وطرق تفكيره، وخاصة على محاكمته العقلية التي تضمن له هامش الحرية المتاح، وليس قطعاً أغتصاب حرية الآخرين وإلغائها.

لقد بيَّن مونتسكيو في كتابه الشهير "روح القوانين" اختلاف أنظمة الحكم والدساتير والقوانين باختلاف تجارب الأمم والشعوب وتفاوت مستويات نموها وتطورها، وخلص إلى أن روح القوانين لدى كل شعب هي روح الشعب ذاته وخلاصة تجربته التاريخية.

سيادة الدولة

عرّف المفكر الفرنسي جان بودان والمفكر الإنكليزي توماس هوبز فكرة سيادة الدولة وتميزها عن غيرها من المنظمات الإجتماعية، بأنها السلطة غير المحدودة والمستمرة في صنع القوانين وتعديلها، وإنها وحدة غير قابلة للقسمة.

المفكر الإنكليزي جون لوك شدد على تمتع الإنسان بحقوق طبيعية، والتي هي جزء من القانون الأخلاقي، وبأن هذه الحقوق تتركز حول الحياة والحرية، وإن الحياة الطبيعية عنده حياة جيدة، ولكن ينقصها سلطة تفصل بين الناس في حالة المنازعة أو الصدام، وتنزل العقاب بمن يعتدي على حقوق الآخرين. وعلى هذا الأساس لا يكون الهدف في إيجاد النظام السياسي أو الدولة هو حماية أنفسهم من الزوال، كما قال هوبز، ولكن لحماية حقوقهم الطبيعية، أي من أجل حياة طيبة أو أفضل، كما ذهب أرسطو، وقد فرّق لوك بين الدولة، التي تقوم عنده بموجب عقد إجتماعي ثابت و بين الحكومة التي تقوم على العهدة بالحكم لصالح حماية الحياة والحرية والملكية، فإن قصرت في تحقيق مهامها ووظيفتها حق للمواطن إستبدال حكومة أخرى بها.

أما في فرنسا فقد شدد مفكرو عصر التنوير (قبل الثورة الفرنسية) على أن الشعب هو مصدر الشرعية و السيادة في النظام السياسي، وذهب مونتسكيو الى أن فكرة فصل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية هي أفضل ضمان للحرية في الدولة، و كان لهذا المفهوم تأثيره الواضح في الدستور الأمريكي.

أما الأثر الأكبر على فكرة الدولة عند الفرنسيين، فقد كان من نصيب جان جاك روسو والذي أكد على أن الهدف من التنظيم السياسي للمجتمع هو الحافظ على الحقوق الطبيعية، وأن السيادة هي ملك الأمة، وأن القانون يعبّر عن الإرادة العامة للمجتمع، الأمر الذي يفترض إشتراك المواطنين لا ممثلين عنهم في صنع القوانين (وهذا من تأثير الفكر الإغريقي) وهو ما تعذّر على قادة الثورة الفرنسية تطبيقه أو تبنيه في دساتيرهم، نظراً لأن مثل هذا النظام يستعصي على التطبيق في الدولة الكبيرة.

هيغل وفكرة الدولة

أما المفكر الألماني هيغل، فقد أسقط في تصوره على "الدولة" فكرة السيادة الشعبية، تكلم عن الإرادة الكونية والإرادة العاقلة / العقلانية، وأن "الدولة" هي العقل المطلق المتيقن، الذي لا تعلو سلطة فوق سلطتها، لقد نظر هيغل إلى الأمة نظرة تقديسية واعتبر أن "الدولة" هي تعبير عن وحدة المجتمع وفق الأفكار الأخلاقية وتجسيد للآمال القومية. وقد رأى أن "الدولة" تحقق ذاتها من الطبقات العليا التي ترتفع دون غيرها للإحساس بالوطن.

لكن دولة هيغل المثالية تعرضت من مفكر جدلي آخر، الألماني كارل ماركس، الى معارضة شديدة حيث أحلّ الفكر المادي مكان الفكر المثالي لهيغل، هذا مع العلم بأن هيغل هو من طور الفكر الجدلي أساساً، لقد أدت دراسات ماركس للجوانب التاريخية والاقتصادية للمجتمعات البشرية إلى التناقض مع استنتاج هيغل بأن الدولة هي تجسيداً للعدل والقيم الأخلاقية، ونادى بمقولة تبنتها المدارس الفكرية الشيوعية كافة والمدارس الفوضوية إلى حد ما، أما ماركس فقد اعتبر ان الدولة هي أداة سيطرة استغلالية طبقية تشوه الطبيعة الإنسانية وقدرتها على التطور.

نحن في لبنان بحاجة وطنية ملحة في هذه الأيام "الجهنمية" إلى مملكة الانسانية ودولتها (الدولة الضامنة لجميع الناس)، وبأن يتمتع كل مواطن بهامش حريته وممارستها، والتي يتقدم بها كل فرد، وفقاً لارادته وتطلعاته على مبدأ وقاعدة "الحقوق والواجبات" الذهبية، بشرط شرعيتها ومشروعيتها القانونية، نحن بحاجة الى دولة فصل السلطات لتحقيق الحرية والعدالة ومنع الاستبداد، ومنع اجتماع تلك السلطات بين يدي الزعيم الملهم، أو الحزب الأوحد، أو الطائفة "الإلهية"، أو القبيلة الأبوية، أو العشائرية القبلية، أو العائلة الروحية.

نحن بحاجة الى دولة السلطة التشريعية، في تشريع القوانين وتعديلها قانونياً، دولة السلطة التنفيذية، في تنفيذ وحماية حقوق الناس ومصالحهم ومتابعتها يومياً، نحن بحاجة إلى دولة السلطة القضائية في ممارسة القضاء العادل النزيه والشفاف، نحن بحاجة إلى إنتاج الدولة، بشرط ومشروعية أن يبقى الإنتاج وطني، وإعادة إنتاج الدولة والقوانين فعل مستمر في دولة القوانين الفاعلة، وليس المفعول بها. نحن بحاجة إلى الدولة الوطنية الفاعلة، وليس دولة الغوغائية والاستعراضات السياسية والإرهاصات الشعبوية الفارغة والملفات المتراكمة والمنسية في أدراج المكاتب والإدارات والوزارات ومَنْ يدّعون أو يدّعون الدفاع عن المصالح الوطنية، ناسياً، أو متناسين أن (العدل أساس الملك)، وليس أساس مركز فلان من هذا الحزب أو علتان من ذاك التيار، دون أن يدروا أنهم لا يملكون الجمهورية اللبنانية.

في كتابه “الحب والحرب والحضارة والموت” ناقش سيغموند فرويد تأثير فكرة الموت الجماعي على الإنسان ومحاولة التحرر المؤقت من الأوهام، كما ناقش فرويد التراكمات النفسية المستجدة من الشعور بالذنب تجاه الآخرين أمام مشهدية الموت الجماعي، موت الحروب السياسية، أو موت حروب الأوبئة والفيروسات السياسية.

كان الموت في مفهوم مؤسس علم التحليل النفسي الذي اشتهر بنظريات العقل اللاواعي، أداة لإعادة التفكير في الصراع المتواصل بين غريزتَيْ الموت والحياة، كما أكتشف وكشف فرويد أن ما من شيء يسمى حادثة أو صدفة، واكتشف كيف أن المشاعر والأفكار والدوافع والأمنيات والأحداث، التي قد تبدو عشوائية، تحمل معانٍ خفية.

يروي فرويد، قصة يأبى كثير منا سماعها، وهي عجزنا عن معرفة أنفسنا بطريقة كاملة، وجهلنا بما يُحركنا أو السبب الذي يجعلنا نفعل ما نفعله، ويقول ما مفاده أن أفكارنا الواعية ليست إلا خيطاً رفيعاً يحوم بين تلافيف عقولنا. عقولنا الغائبة، أو عقولنا المغيبة، عقولنا الغائبة والمغيبة عن "فعل" انتزاع كل "الحقوق" الوطنية المشروعة، وفعل القيام بجميع "الواجبات" .. الواجبات الوطنية دون تردد!

28 / ذو القعدة / 1446هـ

* ليس بالضرورة أن يتبنى الموقع جميع مضامين المقالات المنشورة؟