نشأة اللغة .. بين الفكر الإسلامي واللسانيات الحديثة


قراءة مقارنة في نظرية الإمام الشيرازي ونظريات سوسير وفيتغنشتاين وتشومسكي

(اليوم العالمي للغة العربية)

 

موقع الإمام الشيرازي

28/ جمادى الآخرة/ 1447

 

 

تعتبر مسألة نشأة اللغة من أقدم الإشكاليات التي شغلت الفكر الإنساني، لتداخلها مع أسئلة الوعي، والمعنى، والعقل، والمجتمع! ولأنها تمس جوهر الإنسان ذاته: كيف فكّر؟ وكيف عبّر؟ وكيف تحوّل الصوت إلى معنى، والمعنى إلى نظام، والنظام إلى حضارة؟ وقد انقسمت النظريات الكبرى حول هذه المسألة، تاريخياً، بين اتجاهات متقابلة؛ توقيفية ترى اللغة وحياً إلهياً، واصطلاحية تجعلها نتاج اتفاق بشري، وطبيعية تردّها إلى محاكاة الأصوات والظواهر. لكن، هذه الانقسامات، على عمقها، ظلت تعاني من نزعة الإطلاق، وكأن كل نظرية تسعى إلى احتكار لحظة الميلاد الأولى للغة.

وبينما تشكل مسألة نشأة اللغة محوراً أساسياً في اللسانيات الحديثة وفلسفة اللغة الغربية، فإنها حاضرة بعمق في الفكر الإسلامي، ولا سيما في مباحث أصول الفقه والكلام. هنا، تبرز نظرية المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) بوصفها محاولة تركيبية ناضجة، لا تنطلق من نفي النظريات السابقة، بل من استيعابها وإعادة ترتيبها ضمن أفق أوسع، فيرى(قده) أن نشأة اللغة لم تكن فعلاً أحادي المصدر، بل حصيلة تفاعل بين التوقيف والاصطلاح والطبيعة.

بالتالي، هذه الورقة تتناول نظرية الإمام الشيرازي (قدس سره) في نشأة اللغة بوصفها مقاربة تكاملية تجمع بين التوقيف الإلهي، والاصطلاح الاجتماعي، والعامل الطبيعي، وتقارنها بثلاث مقاربات مركزية في اللسانيات وفلسفة اللغة الحديثة؛ وهي البنيوية عند عالم لغويات سويسري ومؤسس علم اللغة الحديث والمدرسة البنيوية اللسانية، فردينان دو سوسير (1857-1913)، وأيضاً فلسفة الاستعمال عند الفيلسوف النمساوي البريطاني لودفيغ فيتغنشتاين (1889 - 1951)، وأخيراً النظرية الفطرية التوليدية عند عالم لسانيات أمريكي، ويلقَّب بــ "أب اللسانيات الحديث"، نعوم تشومسكي (1928). وتجادل هذه الورقة أن نظرية الإمام الشيرازي، رغم انتمائها إلى سياق أصولي إسلامي، تمتلك بنية مفهومية تسمح لها بالحوار مع النظريات الحديثة، بل وتقديم أفق تفسيري أوسع في بعض مفاصل الجدل اللغوي، ولا سيما في مسألتي العلاقة بين اللفظ والمعنى، وأصل الكفاءة اللغوية الإنسانية. أي إن هدف هذه الورقة هو اختبار قابلية هذه النظرية للحوار مع ثلاث مقاربات غربية كبرى، لا بقصد المماثلة، بل بهدف الكشف عن مناطق الالتقاء والاختلاف، وإبراز إسهام الفكر الإسلامي في النقاش الكوني حول اللغة.

الإطار النظري لنظرية الإمام الشيرازي

يرى الإمام الشيرازي(قده) أن نشأة اللغة لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، بل هي نتاج تفاعل ثلاثي بين التوقيف الإلهي بوصفه تأسيساً أولياً للعلاقة بين اللفظ والمعنى، والاصطلاح الإنساني بوصفه آلية تاريخية لتوسيع اللغة وتطويرها، والعامل الطبيعي بوصفه مساهماً جزئياً في بعض الألفاظ الصوتية أو الحسية.

بالتالي، يقدّم الإمام الشيرازي تصوراً مختلفاً، يمكن وصفه بأنه نظرية تركيبية دينامية في نشأة اللغة. فبحسب ما يستفاد من مجمل كتاباته الأصولية والفكرية، لا يرى الإمام الشيرازي تعارضاً جوهرياً بين التوقيف والاصطلاح والطبيعة، بل يعتبر أن كلاً منها يعبّر عن مستوى أو بُعْد مختلف من تشكّل اللغة.

فـ التوقيف، عنده(قده)، يتجلى في التعليم اللدني الإلهي، سواء عبر الوحي أو الإلهام، وهو ما يخصّ الأصول الأولى للغة والمعاني الكبرى. أما الاصطلاح، فيمثّل قدرة الإنسان على توسيع اللغة وتوليد المصطلحات، خصوصاً في الحقول العلمية والمعرفية. في حين تعبّر الطبيعة عن البعد الصوتي–الحسي، حيث تتطابق بعض الألفاظ مع أصوات أو ظواهر طبيعية. وهكذا، تتميّز هذه الرؤية بكونها غير حاصرة؛ فهي لا تدّعي أن أحد هذه المسارات يفسّر اللغة بأكملها، بل ترى أن اللغة ظاهرة مركّبة، تشكّلت تاريخياً عبر تفاعل هذه العوامل.

على هذا، يؤكد(قده) أن هذه العناصر ليست متعارضة، بل متكاملة وظيفياً، وأن الخلاف بينها "خلاف في الحصر لا في الإمكان"؛ أي إن "اللغة ظاهرة تتداخل فيها أسباب متعددة، لا يمكن حصرها في سبب واحد دون غيره". هذا التصور يمنح نظريته(قده) مرونة تفسيرية، ويحررها من النزعة الإقصائية التي طبعت كثيراً من النقاشات الكلاسيكية.

بين التوقيف واعتباطية العلامة

أسّس فردينان دو سوسير اللسانيات البنيوية على مبدأ اعتباطية العلاقة بين الدال والمدلول، معتبراً أن الرابط بينهما اجتماعي لا طبيعي. للوهلة الأولى، يبدو هذا المبدأ متعارضاً مع فكرة التوقيف. لكن، قراءة أعمق تكشف أن الإمام الشيرازي لا يناقض الاعتباطية السوسيرية، بل يضعها في مرحلة لاحقة من نشأة اللغة. فالتوقيف، في تصوره(قده)، لا يعني أن كل لفظ ومعناه محددان إلهياً على نحو ثابت، بل يعني إيجاد القابلية العقلية للترميز والدلالة. أما تحديد الألفاظ بعينها، فيخضع للاصطلاح الاجتماعي.

وبهذا المعنى، يمكن القول إن الإمام الشيرازي يقدّم تأسيساً ما قبل-بنيوي للاعتباطية السوسيرية، إذ يفسر أصل القدرة على إنتاج نظام اعتباطي من العلامات، وهو سؤال لم يتطرق إليه سوسير نفسه. هذا يعني؛ أن فردينان دو سوسير يذهب الى أن العلاقة بين الدال والمدلول اعتباطية، وهي فكرة تعدّ حجر الأساس في اللسانيات البنيوية. لكن، نظرية الإمام الشيرازي تضيف بعداً مغايراً؛ فهي تقبل بالاعتباطية في المجال الاصطلاحي، لكنها لا تعممها على كل اللغة. فوجود بُعْد توقيفي أو طبيعي يعني أن بعض العلاقات بين اللفظ والمعنى قد تكون غير اعتباطية بالكامل، وهو ما يفتح أفقاً نقدياً مهماً للنموذج السوسيري الصارم.

اللغة بوصفها ممارسة

ينتقل فيتغنشتاين المتأخر من البحث عن ماهية اللغة إلى التركيز على استعمالها، معتبراً أن "معنى الكلمة هو استعمالها في اللغة". هذه الرؤية تلتقي بوضوح مع تأكيد الإمام الشيرازي على دور الاصطلاح والسياق في تشكّل الدلالة.

غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن فيتغنشتاين يتجنب البحث في أصل اللغة، بينما يصرّ الإمام الشيرازي على ضرورة هذا البحث لفهم حدود الاستعمال نفسه. فاللغة، عند الإمام الشيرازي، ليست مجرد لعبة اجتماعية، بل ممارسة تستند إلى قابلية عقلية سابقة على الاستعمال. عليه، يمكن النظر إلى نظرية الإمام الشيرازي بوصفها جسراً بين سؤال النشأة (الذي أهمله فيتغنشتاين) وسؤال الاستعمال (الذي جعله مركز فلسفته).

وهكذا؛ تتقاطع نظرية الإمام الشيرازي، على نحو لافت، مع أطروحة لودفيغ فيتغنشتاين المتأخرة، لا سيما مفهوم ألعاب اللغة، حيث لا تُفهَم اللغة بوصفها نظام إشارات ثابتة فحسب، بل كممارسة اجتماعية مرتبطة بسياقات الاستعمال. فإن الشق الاصطلاحي في نظرية الإمام الشيرازي ينسجم مع فكرة أن المعنى يتحدد بالاستخدام، لا بالوضع الأولي وحده. كما أن رفض الحصر الأحادي لأصل اللغة ينسجم مع نقد فيتغنشتاين للتفسيرات الجوهرانية للمعنى.

الفطرة والملكة اللغوية

تعتبَر نظرية نعوم تشومسكي في الفطرة اللغوية من أكثر النظريات تأثيراً في اللسانيات الحديثة، حيث يرى أن الإنسان يولد مزوداً ببنية عقلية تمكّنه من اكتساب اللغة. هنا يظهر تقاطع عميق مع مفهوم التوقيف عند الإمام الشيرازي، إذا أعيد تفسيره بوصفه منحاً إلهياً للملكة اللغوية، لا تلقيناً لمفردات جاهزة. فالتوقيف، في هذا الإطار، يقارب فكرة الكفاءة اللغوية الفطرية، مع فارق أن الإمام الشيرازي يمنحها بعداً دينياً/إلهياً، بينما يصوغها تشومسكي ضمن إطار معرفي-بيولوجي. الميزة الإضافية في طرح الإمام الشيرازي أنه لا يكتفي بتفسير القدرة اللغوية، بل يربطها بالسياق القيمي والمعرفي للإنسان، وهو ما تغفله المقاربة التوليدية.

بكلمة أخرى؛ مع نعوم تشومسكي، تبرز نقطة التقاء أخرى. فإن فكرة القدرة اللغوية الفطرية أو اللغة الكامنة يمكن مقاربتها، في الإطار الإسلامي، بوصفها استعداداً فطرياً أودعه الله سبحانه في الإنسان. وهنا يمكن قراءة البعد التوقيفي عند الإمام الشيرازي لا بوصفه تعليماً لغوياً تفصيلياً، بل كأساس معرفي–فطري يسمح بتشكّل اللغة وتطورها.

القيمة المضافة في النقاش المعاصر

تكمن أهمية نظرية الإمام الشيرازي في أنها تتجاوز الثنائيات الحادة (إلهي/إنساني وفطري/اجتماعي)، وتربط نشأة اللغة بوظيفتها الأخلاقية والمعرفية، وتقدم نموذجاً تفسيرياً قابلاً للحوار مع اللسانيات الحديثة دون الذوبان فيها. وبذلك، لا تمثل هذه النظرية مجرد إضافة تراثية، بل مساهمة فلسفية يمكن إدراجها ضمن النقاش العالمي حول اللغة وأصولها.

وهكذا؛ تقدّم نظرية المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (رضوان الله عليه) في نشأة اللغة نموذجاً فكرياً متقدّماً داخل الفكر الإسلامي المعاصر، لأنها تتجاوز ثنائيات الإقصاء، وتؤسس لفهم مركّب للغة بوصفها ظاهرة إلهية–إنسانية–طبيعية في آنٍ واحد، كما أنها لا تكتفي بتفسير كيفية اشتغال اللغة، بل تسائل أصلها، ووظيفتها، وحدودها، ضمن رؤية تكاملية نادرة. كما أن قابلية نظرية الإمام الشيرازي للحوار مع سوسير، وفيتغنشتاين، وتشومسكي، تجعلها إسهاماً حقيقياً في فلسفة اللغة المقارنة، لا مجرد اجتهاد أصولي داخلي. بالتالي، إعادة قراءة هذه النظرية اليوم تفتح أفقاً مهماً لإدماج الفكر الإسلامي في النقاشات اللسانية العالمية، بعيداً عن موقع الدفاع أو التلقي، ومن موقع الإسهام النقدي الخلّاق.