![]() |
|
|
هل من كيانية لبنانية؟
موقع الإمام الشيرازي 4/ رجب / 1447
الحديث عن الكيانية اللبنانية ليس ترفًا فكريًا، بل هو السبيل للتعرّف إلى مسوّغ أن يكون لدينا مجتمع ودولة وهوية وثقافة خاصة، وأن نكون شعبًا واحدًا. وبقدر أهمية الحديث عن هذه الكيانية، فإنه ليس بالأمر الهيّن، لكون الكيان وراء كل ما نعاينه من مظاهر. هو ليس مجموع ما نراه في الخارج ونعدّده من عناصر ومكوّنات، بل هو مبدأ وحقيقة واحدة تنبثق منه هذه الظواهر المتعددة. هو ليس شيئًا نضيفه إلى جانب ما نعدّده من خصائص، بل هو المركّب منها والمبدأ الجامع وراء شتات ما يظهر أمامنا في الواقع اللبناني من ثقافة وتقليد وعلاقات ومؤسسات. بالتالي، ليست الكيانية شيئًا يُعرَّف أو يُدرَك، وإنما يُظهر نفسه تجليات خارجية، ويكون الوصول إليه عبر تفسير ما نعاينه وتأويل ما نختبره عنه. الكيانية كمبدأ متحرّك لا كجوهر ثابت ليست الكيانية اللبنانية غيبًا، أو جوهرًا ثابتًا، وإنما هي مبدأ وحقيقة متحرّكان. هي تنوجد في التاريخ الإنساني وتتطور بداخله، وتُظهر نفسها دائمًا بأشكال ومسلكيات ونُظم وقيم وعلاقات متجددة ومختلفة. ما يجعل سبيلنا في التعرّف إليها أمرين: أولهما تمظهراتها في التاريخ، لا في حقبة واحدة وإنما في امتداد زمني طويل نسبيًا. ثانيهما تعيّنات راهنة نختبرها، وتجارب مررنا بها، وشهادات وتصورات لبنانية حول حقيقتها، في سياق التعرّف إلى كيف يفهم اللبنانيون حقيقتهم وأنفسهم كلبنانيين. فكرة الكيانية تبدأ بوعي جماعة بشرية بالمشتركات الجوهرية بينها، مثل اللغة والثقافة والتاريخ والهوية والنظم السياسية. هو وعي تبلورت معالمه نظريًا وتاريخيًا مع ظهور أو نشوء ما يمكن تسميته بالدولة–الأمة (State-Nation)، وأخذ يتشكّل بعد تفكك التكوينات الإمبراطورية والنظم الإقطاعية. ليبدأ مسار لا يقتصر على وعي جماعة بشرية بمشتركاتها، وإنما في اعتبار نفسها مصدرًا لأيّة شرعية سياسية واجتماعية. فنشأ نتيجة لذلك كيان سياسي اسمه الدولة، صار الولاء فيه للأمة بعدما كان في السابق للملك أو لعائلة ملكية أو إقطاعية. هذا يعني أن مفهومي الأمة والدولة ظهرا معًا في الوعي والواقع. فإن الأمة عبارة عن الكيانية المعنوية التي تنبثق منها الدولة، والدولة هي الكيانية المرئية والمتعينة التي تحققها الأمة في الواقع والتاريخ. هما يظهران معًا ويرتفعان معًا. لذلك تجد في أكثر التعريفات أن الأمة تُعرَّف بالدولة، والدولة تُعرَّف بالأمة. وقد ظهر هذا جليًا في الدستور اللبناني، حيث عُرِّف لبنان بأنه دولة ذات سيادة، حيث ماهى بين الكيان اللبناني وكيانه السياسي. الأطروحتان الفرنسية والألمانية في تعريف الأمة أما الخلفية النظرية لعلاقة الدولة بالأمة، فتعود إلى أطروحتين أساسيتين: الأطروحة الفرنسية، تبلورت إثر الثورة الفرنسية. اتخذت فيها الأمة طابعًا سياسيًا، لإحداث قطيعة مع تقليد ووضع سياسي سابقين. تم تأسيس مفهوم الأمة على مبدأ الشعب، الذي هو مجموع المواطنين الأحرار المتساويين. وهو تعريف منفصل عن أي عرق أو دين أو لغة، وتكون الأمة فيه جماعة سياسية واعية لذاتها. وقد اعتبر أرنست رينان أن «الأمة استفتاء يومي وفعل إرادة مستمر». ما يجعل الأمة مشروعًا سياسيًا، تسبق فيه القيم السياسية، مثل المواطنية والإرادة العامة والحقوق، الهويةَ الثقافية. فإن الأمة إرادة وفعل حر واختيار طوعي، تكون فيه الأمة عين الكيان السياسي، وتكون الثقافة والذاكرة والتاريخ متفرعة ومستولدة من وعي الأمة بنفسها ككيان سياسي. الأطروحة الألمانية، تكون فيه الأمة منفصلة عن هويتها السياسية وتُعرَّف خارج الدولة. هي عبارة عن مشتركات جوهرية، مثل الذاكرة والتقاليد والأساطير وأحاسيس داخلية بالانتماء إلى جماعة خاصة. أما اللغة فلا تعود أداة تعبير بل وعاء للتفكير. لذلك يكون لكل أمة طريقة خاصة في فهم العالم، وطريقة خاصة في تكوينها السياسي، لكون النظام السياسي من متفرعات ومستلزمات الخصوصية الثقافية والتاريخية لكل أمة. فإن الأمة ليست إرادة سياسية بل روحًا مشتركة. هي بحسب ما صوّرها هيغل شكل تاريخي للوعي الجماعي، أي تعيّن تاريخي للروح، أما الدولة فهي التجلي العقلي لهذه الروح. الفارق بين الأطروحتين أن الفرنسي يعتبر الأمة اختيارًا، أما الألماني فالأمة ننتمي إليها. هي عند الفرنسي مشروع سياسي، وعند الألماني قدر تاريخي. الفرنسيون يراهنون على العقل والإرادة في تصور مفهوم الأمة، والألمان يراهنون على التاريخ واللغة والروح. رغم الاختلاف بين الأطروحتين، إلا أنهما تعبّران عن موضوع واحد، فالأمة لا تتحقق بمجرد توفر الثقافة والذاكرة واللغة، وإنما الذي يمنحها كيانية فعلية هو الدولة. والعكس صحيح، فإن الدولة من دون مضمون كيان فارغ لا روح فيه. بالتالي، فإن العلاقة بين الدولة والأمة أشبه بدائرة، وليست علاقة طولية. الأمة روح فائضة، تولّد اختبارات وتراكم تجارب وتنشئ مشتركات تنزع إلى التحقق عبر الإرادة والعقل، والعقل يرفد هذه الروح ويرشدها ويغنيها ويغذيها وينميها، ويخلق فيها اندفاعًا متدفقًا في التاريخ، لا تستقر عند شكل أو تمظهر واحد، بل تتخذ تحققات متعددة ومتجددة. الكيانية اللبنانية بين الخصوصية والدولة المكتملة نعود إلى الكيانية اللبنانية للقول بأن لبنان يملك كل العناصر المطلوبة لأن يكون أمة ذات كيان سياسي. هو ليس صدفة عابرة أو خطأً سياسياً، بل انبثاق حصل في التاريخ، ولدته جملة عوامل، بعضها طبيعي وحتمي، والبعض الآخر اختياري وإرادي، تقاطعت جميعها وتمازجت في خط الزمن، لتنتج لوحة إنسانية خاصة، متميزة لا بمعنى التسيد والفائقية (Superiority)، وإنما بمعنى الخصوصية والفرادة. لوحة نابضة تعاقبت في داخلها صور متخمة باختبارات وتحولات وتفتحات وانقباضات وانبساطات وشدّة. رغم كل ذلك، فإن لبنان كأمة لا يستمر ويغالب تحدياته ومآزقه الحالية ويستعيد زمام المبادرة من تلقاء نفسه وبنحو آلي من الذاكرة واللغة والقيم المشتركة. هو كيان سياسي بقدر ما هو هوية وانتماء. فلا يتحقق ولا يستمر هذا الكيان بمجرد مكوّنات وخصائص نعدّدها ونتباهى بها، بل لا بد من دولة مكتملة الخصائص والوظائف. ولا يستمر بمجرد أن يكون مؤسسات وهياكل إدارية، بل لا بد من روح تضخ الحياة فيه، وسردية نصوغها، وأسطورة نبدعها. فإن الأمة من دون دولة وعي غير متحقق، والدولة من دون أمة شكل فارغ لا قيمة له. هو كيان نصنعه بقدر ما يصنعنا، ونكوّنه بقدر ما نتكوّن به، وهذا يكون عبر مسار يتآزر فيه العلم والفن، الإرادة والذاكرة، الواقع والخيال، الأسطورة والعقل، الحرية والمسؤولية. * (كاتب وأكاديمي لبناني) |