في ذكرى الإمام الصادق .. أهمية العقل والعلم في بناء الإنسان وإصلاح المجتمع

(استشهاده في 25 شوال 148 هـ  / 12 كانون الأول 765 م)


 

 

موقع الإمام الشيرازي

 

الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) يربط بين العقل والعلم، مؤكداً أن العقل لا ينمو إلا بالمعرفة، فيقول (عليه السلام): "وَلَا يَعْقِلُ مَنْ لا يَعْلَمُ." هذا يعني أن العلم هو الشرط الأساسي لتفعيل العقل وتنميته، فبدون معرفة تظل قدرات العقل محدودة وغير مستغلة. يقول الإمام: "أُطلُبُوا العِلْمَ وَلَو بِخَوْضِ اللُّجَجِ وَشَقِّ المُهَجِ." هذه الدعوة تُبرز أهمية السعي الدؤوب للعلم، حتى لو تطلب ذلك جهداً عظيماً، لأن العلم هو أساس التقدم الفردي والمجتمعي. في سياق المجتمعات، يبين الإمام أن الأمم المتحضرة تتنافس بالعلم والتعليم والمعرفة، وليس فقط بالموارد المادية أو القوة العسكرية. العلم هو الذي يُمكّن الشعوب من بناء دول قائمة على القانون والمؤسسات والحكم الرشيد وصولاً لتحقيق العدالة والرفاه. فإن المجتمعات التي تُعلي من شأن العقل والعلم هي التي تتمكن من تجنب الحروب، وتصنع السلام، وتحقق الرخاء والكرامة لأفرادها. هذا يتفق مع قول السيد المسيح (عليه السلام): "مَنِ اقْتَنَى حِكْمَةً أَحَبَّ نَفْسَهُ، وَمَنِ ادَّخَرَ الْفَهْمَ يَلْقَى خَيْراً." فالحكمة والفهم، اللذان يكتسبان بالعلم، هما طريق الخير للفرد والمجتمع.

-------------------------------------

يقول الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)

"لا يُصْلِحُ مَن لا يَعْقِلُ، وَلَا يَعْقِلُ مَنْ لا يَعْلَمُ .. أُطلُبُوا العِلْمَ وَلَو بِخَوْضِ اللُّجَجِ وَشَقِّ المُهَجِ .. دَعامةُ الانسانِ العَقلُ، وبالعقلِ يَكْتَمِلُ، وهُوَ دَليلُهُ ومَبْصرُهُ وَمِفتاحُ أَمرِهِ ... إِذَا أَرَدتَ أَن تَختبِرَ عَقلَ الرَّجُلِ في مَجلِسٍ واحد،ٍ فحدِّثهُ في خِلالِ حديثِكَ بما لا يكونُ، فَإِن أَنْكرهُ فَهُوَ عاقِلٌ، وَإِن صَدَّقهُ فَهُوَ أَحْمَقٌ."

تقدم هذه الكلمات السامقة رؤية عميقة تؤكد على الدور المحوري للعقل والعلم في بناء الإنسان وإصلاح المجتمع. يُبرز الإمام ارتباطاً وثيقاً بين العقل، والعلم، والإصلاح، مُظهِراً أن العقل هو دعامة الإنسان، والعلم هو السبيل لتنميته، بينما الإصلاح هو النتيجة الطبيعية لهذا التكامل. وهكذا، فإن العقل والعلم هما أساس الصلاح الفردي والمجتمعي، وأن التدين الظاهري أو حفظ النصوص الدينية وأداء العبادات لا يكفي لبناء إنسان سوي أو متدين، ولا مجتمع صالح، ولا أمة حيّة دون عقل وثاب ومتوقد.

العقل: دعامة الإنسان ومفتاح الإصلاح

يقول الإمام الصادق (عليه السلام): "لا يُصْلِحُ مَن لا يَعْقِلُ، وَلَا يَعْقِلُ مَنْ لا يَعْلَمُ." الإمام يحدد تسلسلاً منطقياً لعملية الإصلاح: العقل هو الأداة الأساسية لتحقيق الصلاح، والعلم هو الوقود الذي يُغذي العقل. يُشير الإمام إلى أن الإصلاح؛ سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي، لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال عقلٍ واعٍ وقادر على التمييز والتحليل. ويُعزز هذا الرأي بقوله: "دَعامةُ الانسانِ العَقلُ، وبالعقلِ يَكْتَمِلُ، وهُوَ دَليلُهُ ومَبْصرُهُ وَمِفتاحُ أَمرِهِ." هنا، الإمام يُصوَّر العقلَ كالبوصلة التي تهدي الإنسان نحو الصواب، والنور الذي يكشف له الحقائق، والمفتاح الذي يفتح أبواب النجاح والكمال.

في السياق، يتضح أن التدين الظاهري أو ترديد الحِكَم الأخلاقية لا يكفي لضمان سلوكاً صالحاً أو حياةً كريمة. فالإنسان الذي يفتقر إلى العقل الرصين قد يقع في تناقضات بين أقواله وأفعاله، أو قد يُسيء فهم الدين، ويسيء في الامتثال لأحكامه، مما يجعله بعيداً عن جوهر الدين. هذا ما أشار إليه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بقوله: "مَنْ لا عقل له لا دين له." فالعقل هو الذي يُمكّن الإنسان من فهم الدين بعمق، وتطبيقه بصدق، مما يجعل التدين جوهرياً وليس مجرد طقوس سطحية وأفعال فارغة من الإيمان والمضمون.

العلم: أساس نمو العقل وتنافس الأمم

الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) يربط بين العقل والعلم، مؤكداً أن العقل لا ينمو إلا بالمعرفة، فيقول (عليه السلام): "وَلَا يَعْقِلُ مَنْ لا يَعْلَمُ." هذا يعني أن العلم هو الشرط الأساسي لتفعيل العقل وتنميته، فبدون معرفة تظل قدرات العقل محدودة وغير مستغلة. ويُضيف الإمام: "أُطلُبُوا العِلْمَ وَلَو بِخَوْضِ اللُّجَجِ وَشَقِّ المُهَجِ." هذه الدعوة تُبرز أهمية السعي الدؤوب للعلم، حتى لو تطلب ذلك جهداً عظيماً، لأن العلم هو أساس التقدم الفردي والمجتمعي.

في سياق المجتمعات، يُظهر الإمام أن الأمم المتحضرة تتنافس بالعلم والتعليم والمعرفة، وليس فقط بالموارد المادية أو القوة العسكرية. العلم هو الذي يُمكّن الشعوب من بناء دول قائمة على القانون والمؤسسات والحكم الرشيد وصولاً لتحقيق العدالة والرفاه. فإن المجتمعات التي تُعلي من شأن العقل والعلم هي التي تتمكن من تجنب الحروب، وتصنع السلام، وتحقق الرخاء والكرامة لأفرادها. هذا يتفق مع قول السيد المسيح (عليه السلام): "مَنِ اقْتَنَى حِكْمَةً أَحَبَّ نَفْسَهُ، وَمَنِ ادَّخَرَ الْفَهْمَ يَلْقَى خَيْراً." فالحكمة والفهم، اللذان يكتسبان بالعلم، هما طريق الخير للفرد والمجتمع.

اختبار العقل: معيار الرشد والتمييز

أيضاً، يقدم الإمام معياراً عملياً لاختبار العقل. من خلال قوله (عليه السلام): "إِذَا أَرَدتَ أَن تَختبِرَ عَقلَ الرَّجُلِ في مَجلِسٍ واحد،ٍ فحدِّثهُ في خِلالِ حديثِكَ بما لا يكونُ، فَإِن أَنْكرهُ فَهُوَ عاقِلٌ، وَإِن صَدَّقهُ فَهُوَ أَحْمَقٌ." هذا الاختبار يكشف عن قدرة العقل على التمييز بين الحقيقة والوهم، وهي صفة أساسية للإنسان السوي والمجتمع الرشيد. فالعقل الواعي يرفض الترهات والأضاليل والخرافات، ولا ينخدع بالخُدَع والمكائد والوشايات، ويستند إلى المنطق والتحليل والدليل، مما يجعله قادراً على مواجهة التحديات واتخاذ القرارات الصائبة.

هذا المعيار يدعم الفكرة القائلة إن الإنسان الذي يردد الحِكَم والمواعظ الدينية والنصوص المقدسة دون تمحيص عقلي قد يقع في فخ الفهم السطحي أو الانسياق الأعمى، مما يُضعف قدرته على الإصلاح أو تحقيق النجاح. فالعقل الرصين هو الذي يُمكّن الإنسان من الجمع بين الأخلاق والمعرفة، وبين الدين والحياة، ليكون صالحاً في ذاته ومُصلحاً لمجتمعه.

خاتمة: العقل والعلم طريق الإصلاح والتقدم

الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، يؤكد أن العقل والعلم هما أساس بناء الإنسان السويّ والمجتمع المزدهر والدولة العادلة. كما أن العقل هو الأداة التي تُمكّن الإنسان من فهم دينه، وتطبيق أخلاقه، وتحقيق كرامته، بينما العلم هو الطريق لتنمية هذا العقل وتوسيع آفاقه. فبدون عقل وثاب ومتوقد، يظل التدين شكلياً، والأخلاق مجرد كلمات، وأيضاً تظل المجتمعات عاجزة عن تحقيق السلام والتقدم والرخاء. كما يشير الإمام الى أن الأمم التي تُعزز العقل والعلم هي التي تبني دولة الإنسان، وتحقق تقدماً في الفكر والأخلاق والحياة. وهكذا، يبقى العقل والعلم هما مفتاح الإصلاح الحقيقي، والسبيل لبناء إنسان صالح، ومجتمع متقدم، ودولة كريمة، وأمة زاهرة.

24/ شوال / 1446هـ