في ذكرى مولد الإمام أمير المؤمنين .. الإعلام الشيعي ليس كما كان!


 

 

موقع الإمام الشيرازي

14/ رجب/ 1447

 

 

في ذكرى مولد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الذي يُعد رمزاً للعدل والإنسانية في التاريخ الإسلامي بل الإنساني، يتجدد السؤال حول مسار الإعلام الشيعي في العقود الأخيرة. فإنه خلال العشرين سنة الماضية، شهد هذا الإعلام تحولاً ملحوظاً، حيث ابتعد تدريجياً عن التركيز اليومي على مجموعة من كلمات الإمام أمير المؤمنين ومواقفه كانت تشكل جوهر الإعلام أو الخطاب الشيعي. كان الإعلام الشيعي، في الماضي، يتغذى من السِفر العَلَويّ، متذكراً مبادئ العدل الاجتماعي، والنزاهة، والتعاون والتعامل الإنساني مع الآخرين. اليوم، هل أصبح هذا التراث العَلَويّ مغَيَباً، بينما الإعلام الشيعي - عموماً وليس إطلاقاً- أصبح يركّز على قضايا في غرب الأرض أو أقصاها، تكون عادة بعيدة عن الواقع الشيعي؟ّ!

تأملوا في مقولة الإمام (عليه السلام): "الناس صنفان: إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق" (نهج البلاغة: خطبة 52). هذه الكلمات تلخص منهج الإمام في التعامل مع الإنسان، حيث يرى أن كل فرد يستحق الكرامة والاحترام بغض النظر عن دينه أو عقيدته، بل بناءً على إنسانيته المشتركة. كان هذا المبدأ يتردد يومياً في الإعلام الشيعي، يذكرنا بأهمية الوحدة الإنسانية فوق الخلافات المذهبية. لكن، أين هو اليوم في خطابنا الإعلامي؟ هل أصبح مجرد حكمة تاريخية، غير مرتبطة بقضايا الحاضر مثل التمييز والتعصب؟ أم إن تغييب هذه المقولة العَلَويّة الخالدة لتبرير وتمرير السباب ورمي الاتهامات الذي يقوم به بعض بدوافع مصلحية أو حزبية وسياسية؟!

ومن صور العدالة الاجتماعية التي ركز عليها الإمام، تأتي العدالة الاقتصادية كأحد أبرز المرتكزات. يقول الإمام (عليه السلام): "ما رأيت نعمة موفورة إلا وإلى جانبها حق مضيّع" (نهج البلاغة: الحكمة 328). هذه الحكمة تذكرنا بأن الثراء الزائد غالباً ما يكون مصحوباً بظلم للآخرين، وأن توزيع الثروة يجب أن يكفل الكرامة ويمنع الاحتكار والاستغلال. كما يؤكد قوله: "ما جاع فقير إلا بما مُنِع غني" (نهج البلاغة: الحكمة 328)، الذي يرى الفقر ليس قدراً مقدراً، بل نتيجة لغياب العدالة وفساد التوزيع. كان الإعلام الشيعي يستخدم هذه الكلمات لنقد الظلم الاقتصادي في المجتمعات، لكن هل ما زال يفعل ذلك اليوم، أم أصبح صامتاً أمام الفجوات الاجتماعية داخل المجتمعات الشيعية نفسها؟!

وفي مجال القضاء، كان الإمام يهتم بتعيين القضاة الأتقياء الأكفاء، ومراقبة أعمالهم بدقة. في وصيته إلى مالك الأشتر، دعا إلى أن تكون معايير القاضي التقوى والورع، محذراً من استخدام النفوذ لإظلام الحقوق. ومن الأمثلة الشهيرة، خطابه لشريح بن الحارث، قاضي الكوفة، عندما اشترى داراً بكلفة عالية: "فَانْظُرْ يَا شُرَيْحُ‏ لَا تَكُونُ ابْتَعْتَ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ غَيْرِ مَالِكَ أَوْ نَقَدْتَ الثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ حَلَالِكَ فَإِذَا أَنْتَ قَدْ خَسِرْتَ دَارَ الدُّنْيَا وَدَارَ الْآخِرَة!" (نهج البلاغة (صبحي الصالح): ص364). هذا التنبيه يبرز ضرورة استقامة القاضي وأمانته المالية، فإن الفقه الديني والأخلاق الشخصية يجب أن تسيران معاً. كان هذا الموقف يُروى في الإعلام الشيعي كدليل على النزاهة، لكن هل يُذكر اليوم لنقد أي فساد قضائي في دول ذات غالبية شيعية؟!

أما في الإدارة الاقتصادية، فقد وضع الإمام دستوراً صارماً لا يحابي قريباً ولا يداهن قوياً. وهو الذي أطفأ شمعة بيت المال حين انتقل لحديثه الخاص، وقال قولته الخالدة: "والله لو وجدته قد تزوج به النساء، ومَلَكَ به الإماء لرددته، فإن في العدل سعة، ومَنْ ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق" (نهج البلاغة: خطبة 15). وقوله (عليه السلام): "الذَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى آخُذَ الْـحَقَّ لَهُ، وَالْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ الْـحَقَّ مِنْهُ" (نهج البلاغة: خطبة 37). ويقول: "ألا وإن لكل مأموم إماما يقتدى به ويستضئ بنور علمه. ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه" [بحار الأنوار: ج33 -  ص474). بهذا النهج الزاهد، أراد الإمام تحقيق هدفين؛ إبعاد أي شبهة عن الحاكم، وتذكير الحكام بمسؤولياتهم تجاه آلام الناس وفقرهم، وضرورة إقامة العدل والتعاطف معهم. فإنه مجرد احتمال وجود جياع في الدولة يُعتبر مسؤولية ذات تبعات.

أيضاً، عرّف الإمام دور الحاكم بصفته "خازناً" لا "مالكاً"، قائلاً: "ليس لي دونكم إلاّ مفاتيح مالكم معي" (الكامل لابن الأثير: ج3 - ص193]. هذا الفصل الصارم بين الذمة المالية للحاكم وبيت المال يمثل حجر الزاوية في أنظمة الحوكمة الحديثة، حيث لا يملك الحاكم التصرف خارج المصلحة العامة والشفافية. وفي إدارة المال العام، رفض منح أخيه عقيل زيادة من بيت المال، مقدماً له درساً بالحديدة المحماة قائلاً: "أَتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَةٍ أَحْمَاهَا إِنْسَانُهَا لِلَعِبِهِ، وَتَجُرُّنِي إِلَى نَارٍ سَجَرَهَا جَبَّارُهَا لِغَضَبِهِ؟!" (نهج البلاغة: خطبة 224). فقد اكتفى بـ"طمريه وقرصيه"، وقال لأهل الكوفة: "دخلت بلادكم بأسمالي هذه، ورحلي وراحلتي هاهي، فإن أنا خرجت من بلادكم بغير ما دخلت فإنني من الخائنين"(بحار الأنوار: ج41 - ص137).

لم يسجل التاريخ في عهد الإمام سجين رأي أو قتيل سياسي، ولم تُقمَع معارضة إلا إذا رفعت السيف. يقول (عليه السلام): "خَيرُ المُلوكِ مَن أماتَ الجَورَ وأحيا العدلَ" (غرر الحكم: 5005). ورأى الفقر جريمة لا قدراً قائلاً: "لو تمثل الفقر رجلاً لقتلته"، بمعنى استئصال أسبابه. وأخيراً، وصيته الخالدة: "كونا للظالم خصماً، وللمظلوم عوناً"، التي أوصى بها ولديه في ساعة وفاته، مظلوماً مسموماً شهيداً.

في السياق، عهد الإمام أمير المؤمنين لمالك الأشتر ليس مجرد رسالة من والٍ إلى عامله، بل هو الإعلان المبدئي الأول لإنسانية الدولة. إنه الوثيقة التي صيغت بمداد العدل لتقيد تغوّل السلطة وتطلق سراح كرامة الإنسان، معتبرة أن شرعية الحاكم تسقط إذا أفسد في البلاد أو ظلم العباد. لكن، رغم أهمية هذا العهد العلوي العظيم، غاب عن الإعلام الشيعي تدريجياً عن عموم الإعلام الشيعي، خلال العقدين الماضيين!!

مع كل هذا التراث العَلَويّ الغني، يطرح السؤال نفسه: لماذا تغير الإعلام الشيعي؟ لماذا أصبح يتجاهل التذكير اليومي بهذه المبادئ، ويتركز على قضايا أخرى، في غرب الأرض أو أقصاها تكون عادة بعيدة عن الواقع الشيعي؟ لماذا لم نعد نسمع من عموم الإعلام الشيعي كلام أمير المؤمنين المذكور في أعلاه؟! أيضاً، من أغرب نقاط التغيير، أن الإعلام الشيعي – عموماً – أصبح لا يهتم بالشيعي الذي يتعرض للظلم أو الاعتقال أو الاغتيال أو القتل، إلا إذا كان ذلك خارج الجغرافية الشيعية! هذا يبدو كتبرير للظلم إذا صدر من حاكم شيعي، أو أن الظلم لا يُدان إلا إذا كان من غير الشيعي. مفارقة غريبة تجعلنا نتساءل: هل ما زال الإعلام الشيعي ملتزماً بمبادئ أمير المؤمنين، أم أصبح أداة لتبرير الواقع بدلاً من تغييره؟ هذا السؤال يظل معلقاً، في انتظار إجابة من الضمير الشيعي.