![]() |
|
الإمام الشيرازي الراحل .. العدل والمحبة قوام المجتمعات الحيّة والناهضة (سيرة فكر وإصلاح .. بين الإرث والتجديد)
موقع الإمام الشيرازي 3 / شوال / 1447
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت 69)
رغم محورية المحبة كقيمة عليا في جوهر الإسلام، إلا أنها ظلت ثيمة متوارية في أدبيات الخطاب الإسلامي السائد. بيد أن المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (1347 – 1422هـ) قد أعاد الاعتبار لهذا المفهوم، جاعلاً منه ركيزة وجودية في العديد من مؤلفاته ومحاضراته. فإنه (قدس سره) من خلال استنطاقه للنصوص القرآنية والمأثور النبوي وتراث أهل البيت (عليهم السلام)، صاغ رؤية حية للمحبة، تتجاوز العاطفة المجردة لتصبح جسراً رابطاً بين تجليات الإيمان واستحقاقات السلوك الأخلاقي والاجتماعي. يرى الإمام الشيرازي الراحل أن المحبة في الإسلام ليست مجرد عاطفة قلبية، بل هي قيمة تشمل الأفعال والسلوكيات التي تعكس الإيمان بالله وخدمة الناس. يستشهد (قدس سره) بالقرآن الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾(مريم: 96)، موضحاً أن الله سبحانه يزرع محبة الصالحين في قلوب الناس نتيجة أعمالهم الخيّرة، فإن المودة ثمرة الإيمان والعمل الصالح. كما يميز بين المحبة القلبية والمودة التي تظهر عبر الأفعال، كالتواضع والبذل، فيقول (قدس سره): "المودة تُطلَق على الحب الذي يتجاوز القلب ويظهر من خلال الأفعال ولكن المحبة حب يكمن في القلب ولا يتجاوزه إلى السلوك. فأحياناً يحب الإنسان صديقاً له في قلبه فقط فهذا يسمى (الحب) وأحياناً يهدي إليه كتاباً تعبيراً له عن حبّه وإظهاراً لمودته فيسمى مودة، فالله سبحانه وتعالى يقول: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) يجعل لهم الله مودة وهذا أمر طبيعي؛ لأن القلوب كلها بيد الله سبحانه، والله (عز وجل) هو الذي يجعل الإنسان الصالح موضع اعتزاز الناس ومحبوباً عند الجميع. ولذلك ورد في الخبر: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقهم مودتهم ورحمتهم ومحبتهم". ويبين(قدس سره) أن الإنسان المحب للناس ويظهر محبته من خلال مساعدة الناس ومد يد العون لهم ورعايتهم ونفعهم، فإنه "من الطبيعي أن إنساناً كهذا يحبه الناس ويحترمونه، وقد ورد عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): "ثلاث تورث المحبة: الدين والتواضع والبذل" (تحف العقول: ص 316)(الإنسان والمحبة الاجتماعية: ص7-8). ويوضح (قدس سره) أن المحبة الإلهية ليست منّة عابرة، بل هي نتيجة طبيعية لصلاح القلب وصدق العزم. ويستدل (قدس سره) بآيات كريمة مثل: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾(البقرة: 195)، و﴿وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾(آل عمران: 146)، مشيراً إلى أن التقوى والإحسان هما جسر الوصول إلى محبة الله، ومن يحبه الله يُحببُه في خلقه. لذلك، "ورد في الخبر: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقهم مودتهم ورحمتهم ومحبتهم" (الإنسان والمحبة الاجتماعية: ص6). في المقابل، ينتقد السلوكيات التي تبعد عن محبة الله، كالظلم والكفر، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾(آل عمران: 57). في بحثه "الإنسان والمحبة الاجتماعية"، يستعين الإمام الشيرازي بقصص واقعية لتوضيح كيف تُكتَسَب المحبة عبر الأفعال. ففي قصة "الطبيب مع الفقراء"، يروي كيف أن طبيباً في بغداد كان "يعالج الفقراء مجاناً، بل ويوفر لهم الدواء، فاكتسب محبة الناس حتى شُيِّع بتكريمٍ عظيم بعد وفاته." هذه القصة تعكس فكرة أن الصالح محبوب والطالح مبغوض، فالناس يميلون إلى من يخدمهم بقلبٍ نقي، يقول(قده): "الإنسان الصالح له مكانة خاصة في قلوب الناس ويحظى بمحبتهم وودهم، ويكون موضع اعتزازهم واحترامهم. وهكذا كل إنسان مهما كان عمله فما دام يعمل لله ويخدم الناس فإن الله معه، وسيلقي محبته في قلوبهم، وبذلك يكون محبوباً عند الجميع.. هذه سنة من سنن الحياة التي أودعها الله في هذا الكون أن الصالح محبوب والطالح مبغوض" (ص 7). ويضرب مثالاً آخر بعالم دين عراقي أصبح رئيساً للوزراء، لكنه حافظ على تواضعه، قائلاً: "لم يغيّره المنصب، فإن زيارته لخالته العجوز واستمراره في التدريس جعلاه قدوة في الثبات على الأخلاق" (الإنسان والمحبة الاجتماعية: ص11). هذه الأمثلة تؤكد أن المحبة تبنى عبر الاستمرارية في العطاء، لا عبر المنافع العابرة. في بحثه، يربط الإمام الشيرازي بين المحبة وحسن الخلق، مستشهداً بقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): "حسن الخلق يورث المحبة ويؤكد المودة" (غرر الحكم: ص 255). ويحذر (عليه السلام) من سوء الخلق الذي "ينفر البعيد ويوحش القريب" (غرر الحكم ودرر الكلم: ح5709). بالتالي، فإن الأخلاق الحسنة ليست زينة خارجية، بل هي انعكاس لإيمانٍ عميق. ويضرب (قدس سره) مثالاً بأخلاق سيد الشهداء الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، الذي قال عنه قاتله سنان بن أنس: "قتلتُ خير الناس أمّاً وأبا"، مما دفع عبيد الله بن زياد إلى إعدامه. هنا يشير الإمام الشيرازي الى أخلاق الإمام الحسين (عليه السلام) هزت ضمير أعدائه، فإن المحبة الصادقة تخترق حواجز الكراهية. كما ينتقد (قدس سره) التناقض بين القول والعمل، مستشهداً بقصة طبيب ألقى محاضرة ضد الخمر ثم شوهد سكراناً، قائلاً: "كلام الليل يمحوه النهار! فإن المؤمن الحقيقي هو من يطابق قوله فعله." مستنداً إلى قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾(الصف: 3). بالموازاة، يؤكد الإمام الشيرازي أن المحبة لا تتعارض مع العدالة، بل هي جزء منها، مبيناً أن لا عدالة بلا محبة، ولا محبة بلا عدالة. ويستشهد بقصة الزاهد الذي مُنع من الجنة لعدم رد إبرة استعارها، معلقاً: "حقوق الناس من الأمور الخطيرة في الإسلام التي يحاسب الإنسان عليها لا في الدنيا فقط بل في الآخرة، ولا ينال الإنسان رحمة الله ولا يذوق طعم العفو والمغفرة الإلهية إلا إذا رضي أصحاب الحقوق عنه" (الإنسان والمحبة الاجتماعية: ص14). ويستدل (قدس سره) بقول الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): "لو وجدتُ ما تُزوج به النساء لرددته؛ فإن في العدل سعة" (نهج البلاغة)، وهو تأكيد أن العدل هو أساس استقرار المجتمعات، والمحبة هي روحه النابضة. وينتقد الإمام الشيرازي الحكام المستبدين الذين يفقدون تأييد شعوبهم بسبب سياساتهم القمعية، بينما يحافظ الرحماء على محبة الناس بالإنصاف. مؤكداً أن "الحاكم القوي هو الذي يتمكن أن ينفذ إلى قلوب الناس ويعيش في وجدانهم بالإحسان إليهم واحترامهم ومنحهم حقوقهم" (الإنسان والمحبة الاجتماعية: ص14). وهكذا، فإن المرجع الديني المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي (1928–2001) يقدم رؤية للمحبة تجمع بين الإيمان العميق والعمل الخيّر، معتبراً إياها منهج حياة يعكس الأخلاق القرآنية وقيم العدالة والرحمة والأمانة. وفي ظل الأزمات المعاصرة، تبقى دعوته (قدس سره) الى إدخال السرور على المؤمن وخدمة الناس ملهمة لبناء مجتمعات متآلفة، تترجم فيها المحبة إلى أفعال ملموسة تستند الى القناعة بأن المحبة ليست فقط كلمات تقال، إنما هي أيضاً نفوس تلتقي تحت مظلة الإيمان والإنسانية. ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة - 105) |