إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. طرق الموت


تركة العشرين عاماً المريرة .. أمام مسؤولية الحكومة الجديدة (القادمة)

 

موقع الإمام الشيرازي

15 / ذو القعدة / 1447

 

 

في العراق، لا نحتاج إلى حروب جديدة لنفقد أحبتنا؛ فالموت يتربص بنا في "ثقوب" الطرق، وعلى أرصفة الإهمال، وفي ممرات الموت التي تركتها لنا الحكومات المتعاقبة طيلة عقدين من الزمن. بينما تنشغل الماكينة الإعلامية الحكومية بتلميع "إنجازات" متأخرة ومحدودة داخل العاصمة وبعض المحافظات، تظل الطرق الخارجية في المحافظات والمدن الطرفية تنزف دماً يغطي على لون الأسفلت المتهالك(1).

إن إحصائيات "طرق الموت" في العراق ليست مجرد أرقام تُتلى في النشرات الإخبارية، بل هي جنائز يومية تعبر المدن. حين نتحدث عن أكثر من 6600  حادث مروري في غضون أشهر، فنحن نتحدث عن كارثة وطنية تفوق في ضحاياها كبرى الهجمات الإرهابية. هذا الخراب لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج طبيعي لـ عشرين عاماً من الفساد المستشري، حيث تحولت ميزانيات تعبيد الطرق وتأهيلها إلى أرصدة في جيوب المقاولين والجهات الحزبية، مخلفةً وراءها طرقاً بممر واحد، بلا إنارة، وبلا علامات تحذيرية، تفتقر لأبسط معايير السلامة الدولية (2).

السؤال الذي يجب أن يواجه ضمير الحكومة الجديدة هو: أين تذهب أموال "رسوم الطرق والجسور" التي تُجبى من المواطنين قسراً عند كل معاملة مرورية؟ إن استمرار وجود طرق استراتيجية تربط البصرة ببغداد، أو كركوك بالموصل، وهي لا تزال بممرات ضيقة تسبب اصطدامات وجهاً لوجه، هو "قتل بالامتناع" تتحمل مسؤوليته السلطة التنفيذية. إن ترميم حفرة هنا أو افتتاح مجسر هناك – كما يجري هو خلال الحكومات السابقة - لا يعد إنجازاً بطولياً، بل هو اعتراف متأخر جداً بـ "جريمة تقصير" دامت سنوات طويلة(3).

إن الحكومة العراقية الجديدة (القادمة) مطالبة بـ "خطة طوارئ وطنية" لإنهاء أزمة طرق الموت، بعيداً عن سياسة الترقيع. فالعراقيون الذين أُتخموا بالوعود على مدى عشرين عاماً، لم يعد يعنيهم سماع الخطابات؛ ما يعنيهم هو ألا تتحول رحلة السفر لزيارة قريب أو لقضاء حاجة إلى فاجعة لعائلة كاملة.

إن إصلاح "إرث الخراب" في ملف الطرق (ومنها طرق الموت) – وسائر الأزمات التي يعاني منها العراقيون - هو الاختبار الحقيقي لصدق نوايا الحكومة الجديدة. فإما أن تكون حكومة فعل تضع حداً لهذه المقصلة الأسفلتية، أو أن تكتفي بدور المتفرج كمن سبقها، لتضيف صفحة جديدة في كتاب الخيبة الذي يقرأه العراقيون منذ عام 2003.

لقد آن وقت الحساب مع الواقع؛ فطرق العراق لم تعد تحتمل المزيد من الموت والحزن والنعوش، وصبر العراقيين قد نفد تماماً.

==========

هوامش

(1) يعتبر العراق واحداً من أكثر البلاد ارتفاعاً بوفيات حوادث السير لسوء الطرق والبنى التحتية في البلاد؛ إذ يذكر أن أغلب المحافظات العراقية تشهد حوادث سير بشكل مستمر تسفر عن مصرع وإصابة العديد من الأشخاص.

(2) يرى مختصون أن من أهم أسباب الحوادث المرورية هي "الطرق الرديئة" والتي "تفتقر إلى مواصفات السلامة العالمية" ورغم تعاقب الحكومات والوعود التي قطعتها للشعب إلا أنها لم تحقق لغاية الآن وعودها على أرض الواقع.

(3) يعتبر التلاعب في صيانة الشوارع وإصلاحها جلياً للعيان من "المقاول" المنفذ للمشروع يشاركه في ذلك المهندس المشرف على العمل والذي يوافق على استلام عمل يفتقر بشكل كبير إلى المواصفات المطلوبة بالإضافة جهات تنفيذية أخرى مشتركة معهم بالفساد، وفقاً لتقارير عراقية.