![]() |
|
إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. منسيون في وطنهم تركة العشرين عاماً المريرة .. أمام مسؤولية الحكومة الجديدة (القادمة)
موقع الإمام الشيرازي 16 / ذو القعدة / 1447
إزاء كبار السن في العراق .. الدولة تسقط في امتحان البرّ
في العراق، لا تكشف أزمة كبار السن عن خللٍ اجتماعي عابر، بل تفضح اختلالاً عميقاً في بنية الدولة نفسها، وفي ترتيب أولوياتها منذ عام 2003. فحين تعجز الحكومات المتعاقبة عن توفير الكهرباء والصحة والتعليم وسائر الخدمات، فإن أول من يدفع الثمن - بصمت قاس - هم أولئك الذين أفنوا أعمارهم في خدمة المجتمع؛ كبار السن. تشير بيانات وزارة التخطيط العراقية (2024) إلى أن عدد سكان العراق تجاوز 46 مليون نسمة، يشكّل كبار السن (65 عاماً فأكثر) نحو 3.66% فقط، أي ما يقارب 1.7 مليون إنسان. قد تبدو هذه النسبة منخفضة مقارنة بالمعدل العالمي (أكثر من 10%)، لكنها تخفي مفارقة صادمة؛ وهي أن معاناة كبار السن في العراق تفوق - من حيث القسوة - معاناة نظرائهم في دول ذات نسب أعلى بكثير. ذلك لأن المشكلة في العراق ليست عددية، بل بنيوية؛ إنها نتاج دولة لم تُبنَ لتخدم الإنسان، بل لتدير الأزمات. أكثر من نصف كبار السن في العراق يفتقرون إلى راتب تقاعدي أو دعم اقتصادي منتظم. وهذا يعني أن مئات الآلاف منهم يواجهون الشيخوخة بلا مورد ثابت، فيضطرون إلى العمل في سن متقدمة، أو الاعتماد على إعانات اجتماعية هزيلة لا تغطي الحد الأدنى من متطلبات العيش. هنا تتحول الشيخوخة من مرحلة استحقاق للراحة إلى امتدادٍ للفقر. وحين تضاف إلى ذلك موجات الغلاء، وضعف الخدمات، وهشاشة الرعاية الصحية، يصبح البقاء لكبار السن نفسه معركة يومية(1). لكن الفقر ليس الوجه الوحيد للأزمة، فإن الأرقام الصادرة عن مجلس القضاء الأعلى تكشف تسجيل 2622 شكوى تعنيف ضد كبار السن خلال عام ونصف فقط (2021 – منتصف 2022)، معظمها من داخل الأسرة. هذه الحقيقة تقوّض واحدة من أكثر المسلمات رسوخاً في الوعي الاجتماعي العراقي؛ وهي أن الأسرة ملاذ آمن. بل إن بعض كبار السن يتعرضون للاستغلال المالي أو الإهمال أو الإيذاء النفسي، في ظل ضعف آليات الحماية القانونية، وغياب ثقافة إبلاغ الجهات الحكومية المختصة. وما يُسجَّل في المحاكم ليس إلا جزءاً يسيراً من واقع أوسع، تختبئ فيه حالات كثيرة خلف جدران الصمت والخوف من "الفضيحة". أما على مستوى الرعاية المؤسسية، فالصورة أكثر قتامة. فإنه وفقاً البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في العراق (عام 2025) لا يوجد في عموم العراق سوى 13 داراً لرعاية المسنين، تعاني معظمها من الإهمال ونقص الكوادر وضعف التجهيزات!!! فيما تخلو محافظات بأكملها - مثل الأنبار وصلاح الدين وديالى - من أي دار متخصصة. وهذا يكشف عن فجوة هائلة بين النصوص القانونية والواقع؛ فـقانون دور رعاية المسنين رقم (4) لسنة 1985 ينص على توفير خدمات اجتماعية وصحية ونفسية متكاملة، لكنه بقي حبراً على ورق في ظل غياب الإرادة السياسية والتمويل الكافي. انعكست هذه الأوضاع في التصنيفات الدولية، حيث جاء العراق في المرتبة 87 عالمياً على مؤشر جودة حياة كبار السن(HelpAge) . هذا الترتيب لا يعكس فقط ضعف الخدمات، بل يشير إلى غياب منظومة متكاملة للرعاية الاجتماعية، وإلى إخفاق الدولة في حماية أكثر فئاتها هشاشة. غير أن أخطر ما تكشفه هذه الأزمة ليس الأرقام، بل التحول القيمي(2). فالعراق، الذي طالما اعتز بثقافة توقير الكبار، يشهد اليوم تراجعاً في هذه القيم تحت ضغط التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وتسارع أنماط الحياة، وضعف مؤسسات التنشئة. للأسف، في العراق اليوم، لم يعد كبير السن يُنظَر إليه بوصفه "حكيماً" أو "مرجعاً اجتماعياً"، بل كثيراً ما يُعامَل كعبء. هذه النقلة من الاحترام إلى التهميش ليست عرضاً جانبياً، بل مؤشر على تفكك أعمق في البنية الاجتماعية. في هذا السياق، لا يمكن فصل معاناة كبار السن عن فشل الدولة الأوسع، فإن الدولة التي تعجز عن فرض القانون، وتفشل في مكافحة الفساد، وتضعف مؤسساتها الإدارية، لا يمكنها أن تنتج سياسة رعاية اجتماعية فعالة. بل إن إهمال كبار السن يصبح نتيجة طبيعية ضمن سلسلة طويلة من الإخفاقات. وهنا تحديداً تكمن خطورة المسألة .. إنها ليست أزمة فئة عمرية، بل أزمة نموذج حكم. إن الحكومة العراقية (القادمة) الجديدة تقف أمام اختبار ديني وأخلاقي قبل أن يكون سياسياً. فإن ملف كبار السن لا يمكن تأجيله، أبداً، وهو معيار حاسم لمدى إنسانية الدولة. ومن دون معالجة جذرية، ستبقى كل الإصلاحات الأخرى ناقصة، لأنها تغفل الفئة التي تختصر معنى العدالة الاجتماعية(3). المطلوب ليس فقط زيادة مخصصات الرعاية أو تحسين دور المسنين، رغم أهمية ذلك، بل إعادة صياغة شاملة للسياسات العامة؛ حيث الحاجة الى تشريعات حديثة تحمي كبار السن من التعنيف، ونظام تقاعدي عادل يضمن الحد الأدنى من الكرامة، واستثمار خبراتهم في مؤسسات الدولة عبر مجالس استشارية، وإدماج قضاياهم في المناهج التعليمية والإعلامية لإعادة الاعتبار لمكانتهم. كما أن إشراك منظمات المجتمع المدني يمكن أن يخفف العبء عن الدولة، ويوفر دعماً نفسياً وصحياً مكملاً. وهكذا، لا يتعلق الأمر بكبار السن وحدهم. فكل مجتمع يحدد مستقبله من خلال الطريقة التي يعامل بها ماضيه. وكبار السن هم هذا الماضي الحي، بكل ما يحمل من خبرة وتضحيات، وإن تركهم في مواجهة الفقر والعزلة والإهمال ليس فقط ظلماً لهم، بل إعلان فشل ديني وإنساني وأخلاقي للدولة والمجتمع معاً. وإذا كانت الحكومات العراقية السابقة قد أخفقت طوال عقدين في تلبية أبسط حقوق العراقيين، فإن الفرصة - وربما الفرصة الأخيرة - ما زالت قائمة أمام الحكومة القادمة لتصحيح المسار. لأن تجاهل هذه الفئة الكريمة، اليوم، يعني ببساطة بناء مستقبل يُخشى العيش فيه غداً(4). ----------------------- هوامش (1) في دول مثل الولايات المتحدة وكثير من دول أوروبا، لا تُترَك الشيخوخة لمصادفة الحظ أو رحمة الأسرة وحدها، بل تدار ضمن منظومة مؤسسية متكاملة. فهناك برامج تأمين صحي مخصصة لكبار السن، مثل Medicare، وأنظمة تقاعد تضمن دخلاً أساسياً، إلى جانب خدمات رعاية منزلية ومراكز نهارية ودور متخصصة تخضع لرقابة صارمة. وفي بعض الدول الأوروبية، تُعدّ رعاية المسنين جزءاً من دولة الرفاه، حيث تتكفل البلديات بتقديم خدمات صحية واجتماعية مباشرة داخل منازلهم. لا يعني ذلك غياب المشكلات، لكن الفارق الجوهري يكمن في وجود "سياسة عامة" واضحة تعترف بالشيخوخة كمرحلة تستحق الحماية، لا كعبء مؤجل. هذه المقارنة لا تهدف إلى تمجيد الخارج، بل إلى طرح سؤال صريح: إذا كانت هذه الدول قد نجحت في تحويل الشيخوخة إلى مرحلة كريمة نسبياً، فما الذي يمنع العراق – بكل موارده – من بناء حدٍّ أدنى من هذه الحماية والرعاية؟! (2) في وصية بليغة جامعة، يقدِّم الإمام محمد الباقر (عليه السلام) معياراً أخلاقياً عميقاً لبناء المجتمع: "أوصيك بتقوى الله، وأن تتخذ صغير الناس ولداً، وأوسطهم أخاً، وكبيرهم أباً، فارحم ولدك، وصل أخاك، وبر أباك، وإذا صنعت معروفاً فربه" (تاريخ مدينة دمشق: ج54 - ص270). ليست هذه مجرد موعظة دينية، بل قاعدة أخلاقية تختبر صدق الدول قبل الأفراد. فحين يُنظَر إلى كبير السن بوصفه "أباً"، يصبح الاهتمام به واجباً لا خياراً، وتتحول رعايته وإكرامه إلى معيار لشرعية أي سلطة تدّعي الالتزام بالقيم الدينية. غير أن الواقع في العراق يكشف مفارقة قاسية، وهي حكومات ترفع شعارات دينية، لكنها تعجز عن تحقيق أبسط تجليات "برّ الأب" في سياساتها تجاه كبار السن. من هنا، لا يعود الحديث عن هؤلاء السياسيين شأناً اجتماعياً فحسب، بل يصبح سؤالاً أخلاقياً حاداً: هل ما زال المجتمع والدولة يتعاملان مع كبارهما كآباء، أم أنهم تُركوا لمصير يناقض جوهر وصية الإمام محمد الباقر (عليه السلام)؟! (3) وفقاً لتقرير لـ"إنديبندت عربية" في مايو/2025 فـ "إن هناك كثيراً من التحديات التي تواجهها دور الرعاية الخاصة بكبار السن في العراق ومنها نقص التمويل، مما يعوق تأهيل وترميم بعض الدور وتوفير المستلزمات الضرورية، إضافة إلى زيادة استقبال أعداد أخرى من كبار السن الراغبين في الإيواء بسبب المشكلات العائلية أو غياب المعيل، مما يضغط على الطاقة الاستيعابية لهذه الدور، فضلاً عن افتقار بعض المحافظات إلى دور رعاية، حيث لا توجد دور كافية في بعض المناطق العراقية، وتقتصر أعداد الدور الحكومية على 13 داراً في بغداد والمحافظات، وفي هذا الصدد أكد الحلفي أن الوزارة تواصل العمل على مواجهة هذه التحديات من خلال تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية المختلفة وتوسيع شبكة دور الرعاية لتلبية حاجات كبار السن في جميع أنحاء العراق". (4) في ندوة عالمية حول "الذاكرة وعلاقتها بالكرامة الإنسانية"، في منتصف العام الماضي، أُطلِقَت في الفاتيكان وثيقة دولية لدعم وحماية كبار السن وصون كرامتهم من خلال رؤية إنسانية وأخلاقية مشتركة. وقَّع على الوثيقة مجلس حكماء المسلمين، والأكاديمية البابوية للحياة، والجمعية الأميركية للمتقاعدين. تؤكد الوثيقة على تعزيز الجهود الإنسانية والدولية لدعم حقوق كبار السن في الاستقلالية والعيش بكرامة، بعيداً عن جميع أشكال التمييز، مع التأكيد على ضرورة توفير الرعاية الصحية الملائمة لهم، ومراعاة احتياجاتهم الفردية. أيضاً، الوثيقة تمثل نداء أخلاقياً عالمياً لرعاية كبار السن باعتبارهم "ذاكرة المجتمعات الإنسانية"، وأن الحفاظ على هذه الذاكرة ونقلها عبر الأجيال يوفّر توازناً معرفياً وأخلاقياً للمجتمعات في مواجهة الأزمات. وتُعدّ الوثيقة الأولى من نوعها التي تضع كبار السن في قلب الاهتمام الإنساني العالمي، حيث تؤكد على دور الأسرة في دعم هذه الفئة، وتشدد على المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية للمؤسسات والحكومات في ضمان رفاههم طويل الأمد. كما تدعو القادة العالميين وصنّاع السياسات ومؤسسات المجتمع المدني إلى تبني ممارسات وسياسات تخدم المجتمعات المتقدمة في السن. |