![]() |
|
إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. مخذولون في وطنهم تركة العشرين عاماً المريرة .. أمام مسؤولية الحكومة (القادمة) الجديدة
موقع الإمام الشيرازي 18 / ذو القعدة / 1447
المتقاعدون العراقيون .. مخذولون في وطن استنزف أعمارهم
بينما ينتظر العراقيون تشكّل الحكومة الجديدة، بأمل أن لا تكون كالحكومات السابقة، ينتظر كبار السن "آباؤنا" بداية كل شهر، لا ليحصدوا ثمار عقود من الخدمة، بل ليتسلموا "فتاتاً" يسميه القانون "راتباً تقاعدياً"، وهو في الحقيقة لا يكفي لتغطية فاتورة دواء لمرض مزمن أو سد رمق عائلة في ظل تضخم مرعب. لقد ضاعت أعمار كبار السن في العراق، المتقاعدون وغيرهم، بين حروب صدام العبثية، وصراعات سياسية ما بعد 2003 حول الحصص الوزارية والمغانم – من الحرام والفساد – والتي لم تجلب لكبار السن والمتقاعدين سوى النسيان والتهميش. وهكذا، فإن أزمة المتقاعدين ليست مجرد نقص في الأموال، بل هي "أزمة أخلاقية" للدولة؛ فوفقاً للتقديرات، يعيش أكثر من 60% من المتقاعدين في العراق تحت خط الفقر أو قربه. هؤلاء (المتقاعدون) الذين بنوا مؤسسات الدولة، عبر أكثر من ثلاثين عاماً من العمل، يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة رواتب متدنية تتبخر في الأسبوع الأول من الشهر أمام تكاليف الإيجارات والمولدات الأهلية وارتفاع أسعار الغذاء. هنا، يجدر استذكار قصة من قصص العدالة والإنسانية الخالدة، ففي أزقة الكوفة القديمة، لم يكن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يمر عابراً، بل كان عَيْناً ترعى الأمانة، وتحرس العدالة، وترسخ القيم. ذات يوم، استوقفه مشهد لم يستطع وجدانه تخطيه دون نظر واستكشاف؛ حيث شيخ كبير، خطَّ الزمان آثاره على وجهه، يمد يده للناس سائلاً. لم يسأل الإمام بـ "مَن هذا؟" بل سأل بـ "ما هذا؟"؛ وكأنه رأى في تكفّف الشيخ "ظاهرةً غريبة" لا تنتمي لبلاد يُحْكَم فيها بالعدل، شيئاً مُسْتَهجَناً يخدش وقار الدولة. وعندما جاءه الجواب: "يا أمير المؤمنين، إنه نصراني"، لم يغير الجواب من حدّة استنكاره، بل أطلق صرخته المدوية التي ما تزال تتردد في أروقة التاريخ: "استعملتموه حتى إذا كبر وعجز مَنَعْتُموه؟! أنفقوا عليه من بيت المال" (وسائل الشيعة: ج11 – ص49). كلمات الإمام أمير المؤمنين ليست مجرد رواية تُسرَد، بل هي "وثيقة حقوقية" تفضح وتُسْقِط كل مَنْ يدّعي السير على النهج العلَويّ ثم يترك المتقاعدين (كبار السن) اليوم يواجهون عواصف الغلاء بـ "رواتب بائسة". إن الإنصاف الذي نادى به الإمام أمير المؤمنين لا يفرِّق بين دين أو عِرْق، فكيف بمن أفنوا أعمارهم في بناء مؤسسات الدولة العراقية؟(1). إن حرمان المتقاعد من حقه في عيش كريم، وتركه فريسة لتداعيات الصراعات السياسية والفشل الحكومي ومشكلة تأخر الرواتب التي تطل بين حين وآخر، هو "استعمالٌ" لجهده في الشباب و"خذلانٌ" له في المشيب؛ وهو سلوك يقع في طرف النقيض من منهج من قال: "ما أنصفتموه!". بالتالي، فإن كرامة المتقاعد العراقي اليوم هي الاختبار الحقيقي لكل من يرفع شعار العدالة العَلَويَّة، فبيت المال الذي اتسع للغرباء، أولى به مَن شابت رؤوسهم في خدمة الأرض والإنسان. وبينما يصارع المتقاعد في العراق لتأمين ثمن الدواء، تتبنى دول مثل الولايات المتحدة نظاماً مؤسساتياً يجعل من حماية كبار السن "واجباً قومياً" لا يقبل التأجيل. فمن خلال برنامج (Medicare)، يحصل كبار السن – المتقاعدون وغير المتقاعدين - هناك على تأمين صحي شامل يغطي العمليات الجراحية وزيارات الأطباء، مع سقف محدد للمصاريف النثرية للأدوية لا يتجاوز 2,100 دولار سنوياً (بدءاً من 2026). ولا يتوقف الدعم عند الصحة، بل يمتد للأمان المالي عبر نظام (Social Security) الذي يصرف رواتب شهرية(2)، مع زيادة سنوية آلية (COLA) بلغت 2.8% لعام 2026 لضمان عدم تآكل القوة الشرائية للمسن/المتقاعد أمام التضخم. هذا "الحزام الواقي" تسانده شبكة من الخدمات المجتمعية التي توصل الوجبات للمنازل وتوفر النقل المجاني، مما يثبت أن احترام الإنسان في شيخوخته ليس منّة، بل هو استثمار في كرامة المجتمع بأسره. بالعودة إلى واقعنا، يحتل العراق المرتبة 79 عالمياً في جودة الرعاية الصحية. فالمستشفيات الحكومية المتهالكة تفتقر لأبسط الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، مما يضطر المسنّ الذي يعاني من ضغط الدم أو السكري أو أمراض القلب أو الأمراض الطارئة إلى اللجوء للصيدليات والمستشفيات الخاصة التي تلتهم الجزء الأكبر من راتبه. في الوقت، يشكو العراقيون من الأدوية المزيفة والفاسدة. بالتالي، فإن غياب "البطاقة الصحية" المدعومة للمتقاعدين هو "فشل ديني وأخلاقي وإنساني" للحكومات السابقة التي أنفقت المليارات على مشاريع وهمية ولم تبن واقعاً صحياً يليق بكبار السن. ولا تتوقف معاناة المتقاعد العراقي عند حدود الأرقام والجداول الزمنية؛ فخلف كل تأخير في صرف الرواتب، أو تعقيد إداري في أروقة السياسة أو هيئة التقاعد، قصة إحباط لرجل أو امرأة أفنوا زهرة شبابهم في خدمة الوطن. بالتالي، فإن المتقاعد السبعيني لا يزال يضطر لمواجهة روتين قاتل، وازدحام خانق، وتعقيدات ورقية تُشعره بأنه عبء على الدولة وليس صاحب حق. كما أن تأخر صرف المستحقات لأسباب "فنية وسياسية" يتكرر باستمرار، وكأن حياة هؤلاء الناس ومواعيد علاجهم تحتمل الانتظار. كما أن تلك الزيادات الطفيفة التي أُقرَّتْ مؤخراً لا تزال تقف عاجزة أمام غلاء المعيشة، بل إنها تبدو كـ «فتات» لا يسمن ولا يغني من جوع في ظل تآكل القوة الشرائية. في السياق، فإن معاناة المتقاعد في العراق لا تقتصر على الحرمان من المتطلبات الأساسية للعيش فحسب، بل هي في جوهرها جرح غائر في كرامة الإنسان؛ فالمتقاعد الذي كان بالأمس ركيزة للمؤسسة والأسرة، يجد نفسه اليوم في مواجهة هشاشة اجتماعية تضطره للمطالبة بحقّ بديهي، وكأنّ سنوات عطائه قد كوفئت بنسيان يخدش هيبته الإنسانية ويُشعِرَه بالغربة في وطنه(3). وتتجلى الفجوة الأخلاقية في العراق بأقسى وأوجع صورها حين نقارن بين مصير الموظف الذي أفنى ثلاثة عقود من عمره، ليخرج براتب تقاعدي لا يتجاوز 500 ألف دينار، وبين المسؤول السياسي الذي يتقاضى راتباً تقاعدياً يبدأ من 8 ملايين ويصل إلى أرقام فلكية، حتى وإن لم تزد خدمته عن بضعة أشهر. إنها مفارقة تحوّل العدالة إلى مجرد شعار، حين يُقدَّس "الكرسي المؤقت" ويهان "العمر المهدور" في خدمة الوطن. المفارقة هنا ليست في الأرقام فحسب، بل في مبدأ "الاستحقاق"؛ فبينما يُشتَرَط على المواطن البسيط سنوات خدمة طوال لبلوغ هذا الفتات، يحصل السياسي على "امتيازاته الأبدية" حتى وإن قضى في منصبه بضعة أشهر فقط. إن هذا التباين يحوّل "خزينة الدولة/بيت المال" من أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية إلى وسيلة لتكريس الطبقية، حيث يُكافأ "المنصب المؤقت" ببذخ فاحش، ويُعاقب "الإخلاص الدائم" بشظف العيش. وهكذا؛ فإن المسؤولية التي تنتظر الحكومة الجديدة ليست "تحسينات طفيفة"، بل هي دَيْنٌ ثقيل يجب سداده. فإن كبار السن لا يملكون ترف الوقت لانتظار "خطط خمسية" أو وعود انتخابية؛ فكل يوم يمر دون رفع الحد الأدنى للرواتب وتفعيل التأمين الصحي الشامل هو يوم إضافي من "الخذلان الحكومي". لقد أفنى "المتقاعدون" أعمارهم في خدمة بلد لم يقدم لهم في شيخوختهم سوى الإهمال، فهل ستكون الحكومة القادمة "حكومة إنصاف" أم استمراراً لنهج التغافل؟ ----------------------------- هوامش (1) في الواقع العراقي، فإن المفارقة المؤلمة ليست في غياب النصوص أو القيم، بل في الفجوة الهائلة بين ما يقال وما يُمارَس. فالإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكتفِ بالتعاطف مع الشيخ النصراني، بل حوّل دهشته إلى قرار، واستنكاره إلى سياسة. أما اليوم، فكثيراً ما يتحول الاستنكار إلى خطاب، دون أن يُترْجَم إلى نظام عادل يحفظ كرامة من أفنوا أعمارهم في خدمة المجتمع. وبهذا المعنى، تصبح القصة مرآة، لا تعكس عدالة الماضي فحسب، بل تكشف قصور/ فشل الحاضر. (2) يبلغ متوسط الراتب التقاعدي للعمال المتقاعدين في الولايات المتحدة الأمريكية لعام 2026 حوالي 2,071 دولاراً شهرياً، وفقاً لبيانات إدارة الضمان الاجتماعي (SSA). راتب التقاعد المبكر (سن 62) يصل الحد الأقصى إلى 2,969 دولاراً شهرياً، أما أعلى راتب تقاعدي يمكن الحصول عليه فيصل إلى 5,181 دولاراً شهرياً (أو 5,251 دولاراً بحسب تقديرات محدثة) لمن ينتظر حتى سن الـ 70 للمطالبة بمستحقاته. (3) إن حق المتقاعدين في حياة كريمة ليس "صدقة" أو "منحة" تمنّ بها الدولة عليهم، بل هو دينٌ مستحق بذمة وطنهم. وفي الوقت الذي تضمن فيه دول العالم (كالولايات المتحدة ودول أوروبا مثلاً) حداً أدنى من الدخل والخدمات الصحية الشاملة لكل من تجاوز سن الستين بغض النظر عن أنهم كانو موظفين أو لا، يجد المسن العراقي نفسه مضطراً للاختيار بين شراء الدواء أو شراء الغذاء. |