إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. مقهورون في وطنهم


تركة العشرين عاماً المريرة .. أمام مسؤولية الحكومة (القادمة) الجديدة

 

موقع الإمام الشيرازي

19 / ذو القعدة / 1447

 

 

أيتام العراق مقهورون في وطنهم .. وطن الإمام أبي الأيتام

 

بينما ينتظر العراقيون تشكّل الحكومة (القادمة) الجديدة، بأمل أن لا تكون كالحكومات السابقة، يبرز سؤال أخلاقي برسم الجميع: أين الأيتام من ميزانيات الانفجار الملياري وثروات النفط المنهوبة؟! في بلد يُذكَر فيه اسم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وتُمَجَّد عدالته، يواجه "أطفال العراق" مأساةً تفضح زيف الشعارات السياسية التي تبرقعت بالدين طيلة عقدين(1).

تشير بيانات مفوضية حقوق الإنسان إلى وجود حوالي5  ملايين يتيم في العراق، وهو رقم مرعب يمثل5%  من إجمالي أيتام العالم. وفي عام 2025، ذكرت المفوضية الأممية أن عدد الأيتام في العراق، إلى جانب الأرامل والمعوقين والمرضى النفسيين، قد يتجاوز 7 ملايين. هذه الأرقام تعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يواجهها العراق. بالتالي، هؤلاء "الضعفاء" ليسوا مجرد إحصاءات، بل هم "جيل الخيبات" الذي وُلِد من رحم الحروب، والإرهاب، وفشل المنظومة الأمنية. إن الحكومات العراقية المتعاقبة بعد 2003، التي زعمت السَيْر على نهج "سيد العادلين"، تركت هؤلاء الصغار نهباً للشارع والضياع، بدلاً من أن يكونوا في عهدة دولة تضمن كرامتهم.

لقد سادت هذه الطبقة السياسية بشعارات إسلامية شيعية، لكنها تناست جوهر رسالة الإسلام. فإن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي يقول: "ظلم اليتامى والأيامى يُنزِل النِقَم، ويسلب النِعَم" (عيون الحكم والمواعظ: ص324)، لم يترك يتيماً في كوفته إلا وكان له أباً رحيماً. فأين هذا النهج من واقع العراق اليوم؟! أين أهل الحكم والسياسة والنفوذ في العراق من تحذير نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله): "إذا بكى اليتيم اهتزّ له العرش"؟ (2) إن اهتزاز العرش لبكاء يتيم عراقي لم يُحرِّك ضمائر السياسيين الذين فضلوا بناء إمبراطورياتهم المالية على بناء دور رعاية كريمة تحفظ لليتيم العراقي ماء وجهه، وتحفظ فيهم وصية نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) فيهم، ووصيّة وصيّه (عليه السلام)(3).

فشل الحكومات العراقية بعد 2003م من خلال سوء الإدارة والفساد الذي يضرب مفاصل الدولة فاقم واقع الأيتام في العراق. فإن الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، بما في ذلك دعم الأيتام والأرامل، ظل هامشياً. وعلى الرغم من جهود عدد محدود من مؤسسات خيرية، إلا أن هذه المبادرات محدودة مقارنة بحجم المشكلة، وتعتمد بشكل كبير على تبرعات من خارج العراق(4). بالتالي، فإن إنقاذ الأيتام يتطلب إرادة سياسية، وإدارة شفافة للموارد، وتعاوناً مجتمعياً لضمان مستقبل أفضل لهؤلاء الأطفال/ الأمانة(5).

في السياق، وفقاً لتقارير أممية ومنظمات مجتمع مدني عراقية يعيش الأيتام في العراق ظروفاً قاسية، تشمل التسرب المدرسي؛ حيث يضطر العديد من الأيتام إلى ترك التعليم للعمل بسبب الفقر. أضافة الى الاستغلال؛ إذ يواجهون مخاطر الاستغلال في العمل أو الاتجار بالبشر نتيجة غياب الحماية. كما يعاني الأيتام في العراق من نقص الرعاية النفسية، فيعاني معظمهم من صدمات نفسية دون دعم كاف.

إن أزمة الأيتام في العراق ليست مجرد قضية إنسانية عابرة، بل هي "قنبلة موقوتة" تهدد مستقبل السلم الأهلي. فالطفل الذي لا تحتضنه الدولة اليوم، وتتركه فريسة للجوع والجهل، قد يختطفه التطرف أو تجنده عصابات الجريمة المنظمة غداً. إن هذا الإهمال يجعل من قضية اليتامى ملفاً أمنياً بامتياز بقدر ما هو ملف إنساني، فالدولة التي تفشل في احتواء أيتامها، إنما تزرع بذور الفوضى في مستقبلها.

إن الأزمة في العراق ليست أزمة موارد، بل هي "أزمة أخلاقية". فإن الدولة التي تعجز عن حماية ملايين الأطفال الذين فقدوا سندهم، هي دولة تعاني من عجز في الشرعية. لقد فشلت الحكومات في استغلال الثروات الهائلة لدعم أضعف فئات المجتمع، مما جعل اليتيم العراقي يواجه مصيره وحيداً.

وهكذا، فإن الاختبار الحقيقي لأي حكومة عراقية (قادمة) جديدة تدعي الإصلاح يبدأ من "سجل الأيتام". مع ذلك، فإن المسؤوليات القادمة ليست مجرد تعبيد طرق، بل هي استرداد لروح العدالة المغيبة عبر:

* تشريع قانون "صندوق رعاية الأيتام" بميزانية سيادية ثابتة.

* ضمان تعليم وصحة مجانية شاملة لكل يتيم حتى سن البلوغ.

* إخراج ملف الطفولة من دائرة المحاصصة والفساد وتحويله إلى أولوية أمن قومي.

وتذكيراً وإلفاتاً، فإن دمعة اليتيم العراقي ستبقى "نقمة" تطارد كل سياسي مُقصِّر وكل حكومي فاسد وكل إداري فاشل، فهل ستدرك الحكومة الجديدة أن إرضاء "رب الأيتام" يبدأ من إنصافهم؟!

----------------------------

هوامش

(1) رغم رعاية اليتيم واجب ديني وأخلاقي وإنساني، إضافة الى مسؤولية أمنية واجتماعية وتنموية وطنية، فإن الحكومات العراقية، بعد 2003، فشلت في الوفاء بهذا الواجب، كما فشلت في جلّ واجباتها، مما يبرز تناقضاً بين الخطاب الديني للطبقة السياسية والواقع العملي.

(2) قال النبي الأكرم والأعظم (صلى الله عليه وآله): "إذا بكى اليتيم اهتزّ له العرش، فيقول الله تبارك وتعالى: مَنْ هذا الذي أبكى عبدي الذي سلبته أبويه في صغره؟! وعزّتي وجلالي، وارتفاعي في مكاني، لا أسكته عبدٌ مؤمن إلّا أوجبتُ له الجنّة" (من لا يحضره الفقيه: ج1 – ص188).

ورُوِي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: "قال رسول الله: مرّ عيسى ابن مريم بقبر يُعذّب صاحبه ثمّ مرّ به من قابل فإذا هو لا يُعذّب، فقال: يا ربّ مررت بهذا القبر عام أوّل فكان يعذب ومررت به العام فإذا هو ليس يُعذّب؟ فأوحى الله إليه أنّه أدرك له ولد صالح فأصلح طريقا وآوى يتيماً فلهذا غفرت له بما فعل ابنه" (الكافي: ج6 - ص3–4).

(3) قال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في وصيّته عند وفاته: "الله الله في الأيتام، فلا تغبّوا أفواههم ولا يضيّعوا بحضرتكم" (بحار الأنوار: ج72 – ص14).

(4) انطلقت - قبل أشهر - حملة جمع تبرعات في الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبية، تستهدف دعم الأيتام في العراق، وهي سعي كريم لكنه يعكس تناقضاً صارخاً، فإن العراق، بثرواته الهائلة، يُفترَض أن يكون قادراً على رعاية مواطنيه أفضل رعاية، لا سيما الأيتام، الفئة الأكثر هشاشة والأشد حاجة. لكن حملة التبرعات تلك تسلط الضوء على فشل الحكومات العراقية في تحمل مسؤوليتها الشرعية والأخلاقية والوطنية، مما يجعل الاعتماد على تبرعات "غير عراقية إهانة للكرامة الوطنية. بالتالي، فإن هذا الواقع العراقي المأزوم يثير وجعاً كما يثير تساؤلات عن كيفية إدارة الموارد وأولويات الإنفاق الحكومي.

(5) في الولايات المتحدة الأمريكية، يتم تقديم الرعاية للأطفال الذين فقدوا والديهم أو تعذر بقاؤهم في منازلهم من خلال نظام رعاية متكامل تشرف عليه الدولة، وتتضمن أشكال الرعاية الرئيسية ما يلي:

(أولاً) نظام الرعاية البديلة (Foster Care)؛ حيث يتم وضع الطفل في بيئة شبيهة بالأسرة، حيث يعيش مؤقتاً مع "أسر حاضنة" مرخصة ومدربة لتوفير الأمان والدعم النفسي والتعليمي.

(ثانياً) الرعاية مع الأقارب (Kinship Care)، حيث تعطى الأولوية لوضع الطفل مع أقاربه أو أصدقاء العائلة المقربين للحفاظ على استقراره الاجتماعي.

(ثالثاً) التبني (Adoption) في حال عدم وجود إمكانية للم شمل الطفل مع عائلته البيولوجية، يسعى النظام لإيجاد "أسرة دائمة" عبر التبني القانوني، الذي ينقل كافة حقوق ومسؤوليات الوالدين إلى الأسرة الجديدة.

(رابعاً) توفر الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات تمويلاً لدعم تكاليف المعيشة، والرعاية الصحية، عبر برامج مثل Medicaid))، والخدمات القانونية، بالإضافة إلى قسائم رعاية الأطفال والمساعدة التعليمية.

(خامساً) يستمر الدعم للأطفال في نظام الرعاية حتى سن 18 أو 21 عاماً (حسب الولاية)، مع توفير برامج تدريب مهني وتعليمي لمساعدتهم على الاعتماد على أنفسهم عند بلوغ سن الرشد.