![]() |
|
إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. غرباءٌ في وطنهم تركة العشرين عاماً المريرة .. أمام مسؤولية الحكومة (القادمة) الجديدة
موقع الإمام الشيرازي 23 / ذو القعدة / 1447
في بلاد الخيرات والرافدين والثروات، يعاني أكثر من 17 مليون عراقي مرارة الغربة داخل وطنهم؛ فقرٌ هو نتاج فساد مستشر وسكوت مريب
ليس أكثر قسوة ومرارة من أن يكون الإنسان فقيراً في بلد غني، فإن الفقر في الدول الفقيرة قد يُفهَم بوصفه نتيجة طبيعية لندرة الموارد، أما في العراق، فإن الفقر يتحول إلى إدانة سياسية وأخلاقية للنظام العام بأكمله. إذ كيف يمكن لبلد يجلس على واحد من أكبر احتياطات النفط في العالم أن يعجز عن توفير حياة كريمة لملايين من أبنائه؟ وكيف يمكن لدولة تتدفق إليها مئات مليارات الدولارات أن تنتج هذا الكم من الحرمان واليأس؟ هذه المفارقة ليست اقتصادية فقط، بل وجودية أيضاً، فإن العراق اليوم لا يعاني من فقر المال بقدر ما يعاني من فقر العدالة، وفقر الإدارة، وفقر الرؤية .. إنه بلد يطفو على بحر من الثروة، لكنه يغرق في العوز. تشير تقارير "الفقر متعدد الأبعاد" الصادرة بالتعاون بين هيئة الإحصاء العراقية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وفريق أكسفورد للفقر والتنمية إلى أن نحو 36.8% من العراقيين، أي ما يقارب 17 مليون إنسان، يعانون أشكالاً متعددة من الفقر تشمل التعليم والصحة والعمل ومستوى المعيشة والتعرض للصدمات(1). أما فقر الدخل، فيطال شريحة واسعة يعيش أفرادها بأقل من 137 ألف دينار شهرياً. هذه الأرقام لا تعبّر عن خلل عابر، بل عن بنية كاملة تنتج الفقر بصورة مستمرة. وحين ترتفع نسبة البطالة إلى مستويات خطيرة، ويصبح ملايين الشباب بلا أفق، فإن الفقر لا يبقى مشكلة اقتصادية، بل يتحول إلى تهديد شامل للاستقرار الاجتماعي والأمني. فإن الفقر يولّد الجريمة، ويدفع نحو العنف، ويغذي المخدرات، ويهدم الأسرة، ويخلق شعوراً عاماً بالإهانة وفقدان القيمة. كما أن الإنسان الجائع لا يفقد ماله فقط، بل يفقد تدريجياً ثقته بنفسه وبالدولة وبالمستقبل(2). ولعل ما قاله الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يلخص هذه الحقيقة بمرارة عميقة: "الفقر الموت الأكبر" (بحار الانوار: ج63 - ص59)، و"الفقر أشد من القتل" (بحار الأنوار: ج69 - ص47). لم يكن الإمام أمير المؤمنين يتحدث عن نقص المال فقط، بل عن ذلك الانكسار الداخلي الذي يصيب الإنسان حين يعجز عن حماية كرامته أو إعالة أسرته. فإن الفقر ليس مجرد حالة اقتصادية، بل جرح أخلاقي ونفسي واجتماعي(3). والأخطر أن الفقر في العراق لم يعد نتيجة للفشل فقط، بل أصبح – بصورة أو بأخرى – جزءاً من آلية الحكم. فإن الدولة الريعية التي تعتمد على النفط حولت المواطن إلى تابع ينتظر الراتب أو الإعانة أو "المكرمة"، بدلاً من أن يكون منتجاً مستقلاً يعيش بكرامة العمل. وهكذا أصبحت ثروة الوطن والشعب تُوزَّع وفق شبكات الولاء السياسي والحزبي، لا وفق العدالة والكفاءة. منذ عام 2003، دخل إلى العراق مال يكفي لبناء دول، لكن جزءاً هائلاً منه تبخر في الفساد والمحاصصة وسوء الإدارة. وتشير تقديرات رسمية إلى أن الفساد كلّف العراق نحو 600 مليار دولار خلال أقل من عشرين سنة .. أي أن العراق لم يكن بلداً فقيراً، بل بلداً نُهبَت ثروته على مرأى من شعبه. وهنا تحديداً تتجلى المأساة العراقية؛ فإن السلطة لم تبن اقتصاداً حقيقياً، بل بنت اقتصاداً هشاً قائماً على النفط والتوظيف الحكومي والاستهلاك. أكثر من 90% من إيرادات الدولة تأتي من النفط، ما يجعل العراق رهينة لتقلبات الأسعار العالمية. وفي كل أزمة نفطية، ينكشف ضعف الدولة وعجزها عن حماية المجتمع. إن أخطر ما فعلته الحكومات العراقية المتعاقبة - بعد 2003 - أنها بددت فرصة تاريخية لبناء طبقة وسطى قوية. هذه الطبقة (الطبقة الوسطى)، التي تمثل عقل المجتمع وضمانة استقراره، تآكلت تحت ضغط الفقر والبطالة والانقسامات والفساد، وحين تنهار الطبقة الوسطى، يتطرف المجتمع؛ فإما ثراء فاحش قائم على النفوذ والفساد، أو فقر واسع يلتهم الكرامة والأمل. والمفارقة أن العراق لا يفتقر إلى الإمكانات، بل إلى الإدارة الوطنية الأمينة والصادقة. فهو يمتلك النفط، والمياه، والموقع الجغرافي، والعقول، والطاقة البشرية الشابة. لكن هذه الثروات تدار بعقلية قصيرة الأمد، تركز على شراء الولاءات السياسية بدلاً من بناء اقتصاد منتج. وقد حذر خبراء الاقتصاد من أن استمرار النمو السكاني مع غياب التنويع الاقتصادي سيقود العراق إلى كارثة اجتماعية خلال العقود المقبلة. فإن عدد السكان يزداد بأكثر من مليون نسمة سنوياً، بينما ما تزال الدولة تعتمد على مورد وحيد، وتفشل في خلق قطاع خاص حقيقي أو صناعة أو زراعة قادرة على استيعاب الشباب. وإن الدولة التي لا تخطط لما بعد النفط، إنما تبني مستقبلها فوق الرمال، وحين تُهمِل التعليم، وتُضعِف الصناعة، وتقتل الزراعة، وتطرد الكفاءات إلى المنافي، فإنها لا تنتج التنمية، بل تنتج الفقر بصورة مؤجلة. ولا يمكن فصل الفقر عن الأزمة الأخلاقية العامة، فإنه حين ينتشر الفساد، ويُكافأ الفاشلون، ويُهمَّش أصحاب الكفاءة، يشعر المواطن أن الطريق إلى النجاح ليس العلم والعمل، بل النفوذ والانتماء .. وهنا يتحول الفقر من أزمة مالية إلى أزمة معنى. إذ يفقد الإنسان إيمانه بقيمة الجهد، ويبدأ المجتمع بالتآكل من داخله. ولذلك، فإن معالجة الفقر لا تبدأ فقط بزيادة الرواتب أو الإعانات، بل بإعادة بناء مفهوم الدولة نفسها. دولة تُنتِج فرص العمل لا التبعية، وتحمي العدالة لا المحسوبية، وتستثمر في الإنسان لا في الدعاية السياسية. إن الحكومة العراقية القادمة لا تواجه مجرد أزمة اقتصادية، بل اختباراً تاريخياً، فإذا استمرت بالعقلية نفسها التي حكمت العراق طوال العقدين الماضيين، فإن الفقر سيتحول إلى انفجار اجتماعي واسع، لا يمكن احتواؤه بالشعارات أو المسكنات المؤقتة. يقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): "أحسن الحكام حالاً من حسن عيش الناس في عيشه" (غرر الحكم: ص209). وهذه العبارة تختصر فلسفة الحكم كلها؛ فإن شرعية الدولة لا تقاس بعدد الخطب والشعارات، بل بقدرتها على حماية كرامة الإنسان. وفي العراق، لم يعد الناس يطالبون بالرفاه، بل بالحد الأدنى من الحياة الكريمة .. كهرباء مستقرة، ووظيفة تحفظ الكرامة، ومدرسة لائقة، ومستشفى إنساني، وقانون يحمي الفقير قبل الغني. بلا شك، إن الفقر في العراق ليس قدراً، بل نتيجة .. نتيجة عقود من الاستبداد والحروب، ثم سنوات طويلة من الفساد والفشل وسوء الإدارة وغياب المشروع الوطني. ولذلك فإن الخروج منه ممكن، لكنه يحتاج إلى ما هو أعمق من الحلول الترقيعية: يحتاج إلى دولة تعيد الاعتبار للعقل والعمل والعدالة. وهكذا، فإن أخطر أنواع الفقر ليس فقر الجيوب، بل فقر الوازع الأخلاقي والضمير السياسي. لأن الدولة التي ترى ملايين الفقراء، ثم تعتاد المشهد، تكون قد فقدت شيئاً أخطر من الكفاءة .. بل هي دولة فقدت إنسانيتها، وتديرها طبقة سياسية فقدت شرعيتها. ----------------------------- هوامش (1) بيانات "المسح الاجتماعي والاقتصادي للأسرة" الذي تنفذه وزارة التخطيط العراقية دورياً. (2) كتبت د. آمال موسى (كاتبة وأكاديمية مختصة بعلم الاجتماع): "غير أن التعمق في أبعاد الفقر يُظهر كم هو البعد المادي رغم أهميته يأتي في موقع غير ذي أولوية على الأقل كي لا نقول ثانوياً. فالفقر أكبر من كل التحليل المادي الذي أغرقناه فيه: الفقر في غالب الأحيان يمس الأخلاق والقيم وحرية الإنسان. بمعنى آخر هو يقضي على الإنسان بالكامل. بالتالي، فإن الفقر والجوع والجيب الفارغ لا تُنتج علاقات اجتماعية سويّة، ولا يمكن للنسق الثقافي القيمي القائم على قيم الخير والإيجابية أن يصمد ويقاوم ويظل المتحكم في مواقف الناس وسلوكهم" (صحيفة الشرق الأوسط - 24 فبراير 2024). (3) حين قال الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): "المُقِلّ -الفقير- غريبٌ في بلدته"، وقال أيضاً: "الفقر في الوطن غربة"، لم يكن يصف ضيق الحال المادي فقط، بل كان يكشف عن جرحٍ أعمق، وهو أن يشعر الإنسان بالغربة وهو بين أهله، وفي مدينته، وفي وطنه. فإن الفقر لا يسلب الإنسان المال وحده، بل ينتزع منه الإحساس بالأمان والانتماء والكرامة. وحين تتحول محافظات الوسط والجنوب – التي شكّلت القاعدة الاجتماعية الأوسع للنظام السياسي بعد 2003 – إلى أكثر المناطق فقراً وحرماناً، فإن المسألة تتجاوز الاقتصاد لتصبح مفارقة أخلاقية وسياسية قاسية! كيف يمكن لسلطة ترفع شعار الولاء للإمام أمير المؤمنين أن تترك جمهورها يعيش هذا القدر من العوز؟! وكيف يصمت أصحاب النفوذ والتأثير، أو يبررون هذا الواقع، فيما يتحول الفقير إلى "غريب" داخل وطن يطفو على بحرٍ من الثروات؟ هنا، لا يعود الفقر مجرد أزمة معيشية، بل شهادة إدانة بحق دولة أخفقت في حماية كرامة الإنسان، وتنصلت تماماً عن قيم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام). |