![]() |
|
إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. مُهْمَلون في وطنهم المرضى في العراق .. سُقْمٌ في الأجساد وسُقْمٌ في الحُكْم
موقع الإمام الشيرازي 26/ ذو القعدة/ 1447
المنظومة الصحية في العراق .. جريمة منظمة بحق الشعب
بعد عقود من الوعود الجوفاء والفشل المتكرر منذ 2003، يترقب العراقيون حكومة لا تكون نسخة مكررة من السابقات المتخمة بالفساد والفشل والمحاصصة. اليوم، الملف الذي يمثل قمة الإدانة للطبقة السياسية هو "المنظومة الصحية"، التي تحولت من إرث كان يُضرَب به المثل إقليمياً إلى "مستشفيات خرسانية خالية"، و"حقول تجارب" للأطفال المصابين بالسرطان، و"سوق سوداء" للأرواح(1). في مجال الصحة، لم يعد الأمر "نقص خدمات"، بل جريمة منظمة تُرتَكَب يومياً بحق المواطن الفقير الذي يواجه الموت أو الاستدانة والإفلاس. المستشفيات الحكومية، التي يُفتَرَض أن تكون صمام أمان دستورياً(2)، أصبحت مجرد هياكل متهالكة تفتقر للأدوية الأساسية، وحتى أكياس الدم. والنتيجة؟ معاناة يومية، وفيات غير مبررة، وهجرة جماعية للكفاءات. وتعكس أولويات الموازنة العامة الأزمة الصحية بوضوح. فإن من المفارقات الغريبة في العراق –وما أكثرها- أن تخصيصات الأوقاف الدينية تتجاوز 2.5 تريليون دينار(3)، بينما تُحصَر موازنة وزارة الصحة في الرواتب (أكثر من 90%)، تاركة المستلزمات الطبية تحت رحمة التأخير والفساد. بالتالي، فإن نصيب الفرد من الإنفاق الحكومي على الصحة يدور حول 150-160 دولاراً سنوياً، أقل بكثير من الأردن (حوالي 767 دولاراً إجمالياً) ودول الجوار. هذا التهميش المتعمد حوّل "مجانية العلاج" الدستورية إلى قصة سوداء. في 2026، لا تزال الأزمة المالية تلقي بظلالها، حيث تأخر التخصيصات يوقف مشاريع مثل مستشفى مندلي (100 سرير، 90% إنجاز) في ديالى، ويجبر المستشفيات على الاقتصار على "الأولويات الطارئة". والنتيجة هي اكتظاظ بالمرضى، ونقص في الأَسِرَّة (حوالي 1.2-1.3 سرير لكل 1000 شخص)، وتراجع الخدمات إلى حد "شبه معدوم" في بعض المناطق. والجرح الأعمق في فشل الحكومات السابقة في المجال الصحي هو أزمة مرضى السرطان(4). فقد سجل العراق أكثر من 46 ألف إصابة جديدة في 2024، مع آلاف الوفيات (3763 في بغداد وحدها). المستشفيات الحكومية توفر 10% فقط من الأدوية اللازمة، فتضطر العائلات لبيع ممتلكاتها لشراء "كيماوي أصلي" يكلف ملايين الدينارات شهرياً. الأدهى هو سيطرة جهات سياسية على عقود الاستيراد تسمح بتمرير أدوية "غير رصينة" من مناشئ مشبوهة، تفتقر للمادة الفعالة. هكذا يتحول المرضى إلى "حقل تجارب" لصفقات رابحة. تقارير دولية تصف النظام بـ"منظومة تحتضر"، والفساد يهيمن على استيراد الأدوية والمستلزمات، مع غياب رقابة حقيقية وتلاعب بالجودة. أيضاً، في تقرير استقصائي لصحيفة "نيويورك تايمز" (The New York Times) سلّط الضوء على الواقع الصحي العراقي، وصف النظام الطبي بأنه "منظومة تحتضر" ليس بسبب نقص الموارد فحسب، بل بسبب "سرطان الفساد" الذي ينهش جسد الوزارة. الصحيفة نقلت شهادات صادمة عن مستشفيات تفتقر حتى لـ "أكياس الدم" والأوكسجين، في وقت تُهدَر فيه المليارات على صفقات وهمية. وهنا تبرز المفارقة الأخلاقية الأشد إيلاماً؛ فبينما تتبنى القوى المسيطرة خطاباً دينياً، يكشف الواقع عن تحويل "حق الشفاء" إلى تجارة رابحة للشركات التابعة للأحزاب. بالتالي، فإن الاستمرار في الفشل بتقديم الخدمة الصحية للشعب، والاستمرار في جلب أدوية "فاسدة" أو مجهولة المصدر لمرضى السرطان والفقراء، تحت غطاء صفقات سياسية، لا يمثل فشلاً إدارياً فحسب، بل يُعَد "انهياراً دينياً وأخلاقياً" لطبقة سياسية تزعم الالتزام بقيم الإسلام بينما تترك شعبها يواجه "الموت المجاني" في أروقة مستشفيات خاوية. بالتالي، الأزمة الصحية في العراق ليست صدفة، بل نتاج سياسات متعمدة منذ 2003، ويتضح هذا من خلال: * فساد ممنهج يسيطر على العقود والتعيينات والصيانة. * هروب الأطباء من الابتزاز العشائري والسياسي، وذلك بسبب ضعف القانون، ونتيجة لهذا الواقع المريض آلاف الأطباء غادروا بسبب التهديدات وسوء الأحوال، مما يفاقم النقص الحاد في الكوادر. * المستشفيات تُهمل عمداً لصالح القطاع الخاص الذي يستغل المرضى بأسعار باهظة دون رقابة. * تدهور التعليم الطبي بسبب توسع عشوائي في الكليات الأهلية بدون معايير، ويتخرّج أطباء ضعفاء التأهيل، ويفتقرون للأخلاقيات، ويروجون للعلاجات الخاصة(5). * غياب التخطيط، حيث لا استراتيجية وطنية لتوزيع الخدمات، فيما البنية التحتية متهالكة من حروب وإهمال. هذه السياسات الفاسدة خلقت فجوة طبقية مرعبة، حيث العلاج الجيد حِكْرٌ على الأغنياء، والفقراء ينتظرون في طوابير المرض والألم والموت. لذلك، فإن العراقيين لن يقتنعوا (أو ينخدعوا) بوعود جديدة، بالتالي الحكومة القادمة أمام اختبار حقيقي/وجودي، وعليها القيام بـ: * فك ارتهان الاستيراد لضمان دخول أدوية أصلية من شركات عالمية رصينة، ومكافحة الفساد في العقود بالشفافية والرقابة الصارمة. * رفع القدرة الاستيعابية من خلال زيادة الموازنة جذرياً (بعيداً عن الرواتب فقط)، وإكمال المستشفيات المتلكئة، ورفع عدد الأسرّة والأجهزة الحديثة. * حماية الكوادر وإصلاح التعليم لوقف هجرة الأطباء بحمايتهم من التهديدات، وتأهيل الكليات وربطها بالمستشفيات التعليمية، وإيقاف التوسع العشوائي في الكليات الأهلية. * رقابة القطاع الخاص من خلال تسعيرة عادلة، ومعايير جودة صارمة، ومنع الاستغلال(6). * رعاية مجانية حقيقية عبر صناديق دعم للفقراء، وخطة وطنية شاملة لرحلة المريض. وهكذا؛ فإن الاستثمار في الصحة ليس تكلفة، بل ركيزة الأمن الاجتماعي والاستقرار، وإن الطبقة السياسية "الإسلامية" التي زعمت "الرحمة والأمانة" طوال عقدين، وتركت الشعب يموت في أروقة خاوية، لا تستحق الثقة إلا بأفعال حاسمة(7). لقد اكتوى العراقيون بوعود كثيرة وشعارات كبيرة، وللحكومة (القادمة) الجديدة لديها فرصة أخيرة لاستعادة هيبة الدولة الخدمية، أو الاستمرار في "الموت المجاني" الذي يلخص فشل ما بعد 2003، فيما المعاناة تزداد، والآلام تتفاقم، والأرواح تُقتَل(8).
------------------------------ هوامش (1) ليس سراً أن الوضع الصحي في العراق يعاني من تدهور ملحوظ وممنهج. طوابير الانتظار الطويلة، ونقص الادوية الاساسية، وتردي خدمات الطوارئ، إضافة الى المستشفيات المتهالكة والبيئة غير الصحية، وهجرة الكفاءات الطبية بأعداد مخيفة، ليست سوى أعراض سطحية لأزمة عميقة الجذور. مقال "كيف قادت السياسات الفاسدة المنظومة الصحية في العراق الى حافة الانهيار؟" الأكاديمي د. محمد الربيعي، شفق نيوز، 4 نوفمبر 2025. (2) تذكر المادة (30/أولاً) من الدستور: "تلزم الدولة بكفالة الضمان الاجتماعي والصحي للفرد والأسرة لضمان حياة كريمة". أما قانون الصحة العامة رقم (89) لسنة 1981، فينص في المادة (1) على أن "اللياقة الصحية حق يكفله المجتمع، وعلى الدولة توفير مستلزمات التمتع به، وهو الأساس الذي استند إليه نظام الخدمات الصحية المجانية في المؤسسات الحكومية". بدورها التشريعات المكملة أكدت ممارسات وزارة الصحة العراقية على مجانية الخدمات الأساسية في المستشفيات والمراكز الصحية العامة تنفيذاً للالتزام الحكومي. (3) قانون الموازنة الثلاثية (2023-2025) الذي أقره البرلمان العراقي، ثبت أرقام النفقات للسنوات الثلاث نحو 2.564 تريليون دينار عراقي للأوقاف الدينية سنوياً؛ حصة الوقف الشيعي حوالي 2 تريليون منها أقل من (87 مليار دينار) لرواتب الموظفين الإداريين من العاملين في دواوين الوقف، ورواتب ومكافآت مخصصة للأئمة والخطباء والمؤذنين وخدم المساجد. وهكذا، فإن الأوقاف الدينية تستلم أكثر من 7.692 تريليون عراقي، خلال ثلاث سنوات، حصة الوقف الشيعي منها يقارب (6) ستة تريليون عراقي. من جهته، أكد الخبير الاقتصادي د. نبيل المرسومي، ارتفاعا بالتخصيصات المالية للأوقاف الدينية في العراق بموازنة العام 2024، بلغت نسبته أكثر من 30%.. وقال المرسومي في منشور (على منصة إكس)، إن "التخصيصات المالية للأوقاف الدينية، ارتفعت من 1.912 ترليون دينار في موازنة 2023 الى 2.564 ترليون دينار في موازنة 2024". وأضاف، إنها "تعادل اكثر من ضعف تخصيصات وزارتي الصناعة والزراعة". (4) تعد قضية علاج الأورام، خاصة للأطفال، الجرح الأكثر نزيفاً في جسد المنظومة الصحية. ففي عامي 2025 و2026، كشفت تقارير عن استمرار استيراد جرعات كيمياوية من مناشئ "غير رصينة" (شرق آسيوية أو إقليمية)، غالباً ما تُمرَر عبر صفقات مرتبطة بجهات سياسية تبحث عن هامش ربح سريع. هذا "الفساد الدوائي" لا يقتل المريض ببطء فحسب، بل ينسف ثقة المواطن بالطبيب والمؤسسة، مما يدفع العائلات لبيع ممتلكاتهم لتأمين الدواء "الأصلي" من صيدليات السوق السوداء بأسعار خيالية. في السياق، يشكو الأهالي من فقدان البروتوكولات العلاجية الأساسية (الكيماوي)، مما يضطرهم لشرائها من الصيدليات الخارجية بأسعار باهظة جداً تفوق قدراتهم المادية. وهكذا، عندما يفشل الدواء "الحكومي" أو ينقطع، يضطر الأهالي لشرائه من الخارج بأسعار خيالية، فيما جرعة الكيماوي الواحدة قد تصل إلى مئات أو آلاف الدولارات، مما دفع عائلات لبيع منازلها لإنقاذ أطفالها. (5) كان العراق من أوائل الدول التي أسست كليات طب مرموقة ومستشفيات تعليمية ذات سمعة اقليمية ودولية. إلا أن السياسات الحكومية في العقود الأخيرة، وخصوصاً في مجال التعليم العالي، عملت على تفريغ الطب من مضمونه الأكاديمي والإنساني. فاتجهت الوزارات المعنية الى التوسع الكمي غير المدروس، بفتح الكليات الطبية الأهلية في بيئة تفتقر الى المعايير الأكاديمية الصارمة. مقال "كيف قادت السياسات الفاسدة المنظومة الصحية في العراق الى حافة الانهيار؟" الأكاديمي د. محمد الربيعي، شفق نيوز، 4 نوفمبر 2025. (6) يرى مراقبون أن مكافحة الفساد في القطاعين الصحي والأكاديمي (الطبي) من خلال تعزيز النزاهة والشفافية في مؤسسات التعليم الطبي والخدمات الصحية، وتطبيق أنظمة رقابية صارمة للقضاء على الممارسات الفاسدة. (7) أكد عضو مجلس النواب ماجد شنكالي أن "دوائر الصحة في معظم المحافظات باتت عاجزة عن تمويل احتياجاتها الأساسية من الأدوية والمستلزمات بسبب عدم صرف التخصيصات المالية من قبل وزارة المالية". مؤكداً في بيان صحافي أن "هذا الواقع لا يقتصر على القطاع الصحي فحسب، بل يشمل معظم مؤسسات الدولة التي تعاني من شح السيولة ونقص التمويل". وأشار إلى أن "العراق يعيش في أصعب أيامه اقتصادياً ليس بسبب قلة الموارد، لكن لسوء إدارة هذه الموارد وفساد المؤسسات و"إداراتها". تقرير "تراجع الخدمات الطبية في مستشفيات العراق: معاناة المرضى تتفاقم"، العربي الجديد، 22 فبراير 2026. (8) منذ عام 2003، قدّمت الطبقة السياسية الشيعية في العراق نفسها بوصفها ممثلة للدين والطائفة، وادّعت السير على نهج الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، مستثمرة الرصيد العاطفي والروحي الهائل الذي يحمله العراقيون تجاه شخصيته ورمزيته الدينية والأخلاقية والإنسانية. لكن التجربة العملية للحكم كشفت مفارقة صارخة بين الشعار والواقع. فالدولة التي قيل إنها ستُبنى على "النهج العلوي" غرقت في الفساد والمحاصصة وضعف القانون وتدهور الخدمات واتساع الفقر والبطالة، بينما تضخمت ثروات أحزاب السلطة والمتنفذين وعوائلهم. وهنا تظهر الحقيقة الأكثر إيلاماً، وهي أن كثيراً من العراقيين لم يثقوا بهذه الطبقة السياسية لذاتها، بل وثقوا بالشعارات التي رفعتها، وبالرمزية الأخلاقية والروحية لـ علي بن أبي طالب التي استُخدمَت لكسب ثقة الناس. لكن السنوات الطويلة من الفساد والفشل كشفت تدريجياً حجم الفجوة بين الادعاء والممارسة، حتى بات واضحاً أن استحضار الرموز الدينية لم يكن – في جانب كبير منه – سوى غطاء لتبرير إخفاق سياسي وحكومي وأخلاقي يكاد يكون غير مسبوق، وتمرير "مآرب ومشاريع" لا تمت بصلة إلى قيم العدالة والكرامة التي مثّلها الإمام أمير المؤمنين في فكره وسيرته.
مقالات ذات صلة * إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. غرباءٌ في وطنهم * إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. مقهورون في وطنهم * إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. مخذولون في وطنهم * إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. منسيون في وطنهم * إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. طرق الموت |