إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. منهوبون في وطنهم


 

 

موقع الإمام الشيرازي

4 / ذو الحجّة/ 1447

 

 

وطن مخطوف وشعب منهوب

 

مع ترقب الشارع العراقي تشكل الحكومة الجديدة في مايو 2026، يجد المواطن نفسه مثقلاً بذاكرة جمعية مريرة عمرها أكثر من عشرين عاماً من الفشل والفساد والعبث والخراب والهدر. عشرون صنعت "ظاهرة غريبة" .. ظاهرة حرمان العراقيين مما أنعم الله سبحانه به على بلادهم ونهب ثروات وطنهم بطريقة تكاد تكون فريدة وصادمة على مستوى التاريخ السياسى الحديث.

المأساة الكبرى هنا لا تكمن فقط في لغة الأرقام الصماء، بل في هوية الجهة التي تدير هذا الخراب. إنها طبقة سياسية تزعم ليلاً ونهاراً أنها تؤمن بقيم الإسلام كالأمانة والعدالة والصدق والرحمة، وترفع في كل محفل شعارات الولاء لرمز الزهد والعدالة الشامخ، الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، بينما واقع الحال يكشف عن هوة سحيقة بين ثقافة "الادعاء" وسلوك "الاستباحة" (1).

من أغرب مفارقات هذا العصر، أن ينام العراق على بحر من النفط ويستند إلى تاريخ علمي وحضاري ضارب في العمق، وعاجز في الوقت ذاته عن توفير كتاب مدرسي أو مقعد دراسي لائق لأطفاله. لذلك، تُجبَر العائلات العراقية اليوم على شراء الكتب المدرسية والقرطاسية من الأسواق بأسعار مرتفعة نتيجة تلكؤ وزارة التربية، ويضطر آباء لتقليص نفقات الغذاء والدواء لتأمين مستلزمات أبنائهم، في مدارس يكتظ صفها الصغير بأكثر من خمسين طفلاً.

هذا الواقع المأزوم يتبدى بأقسى صوره عند النظر إلى ملف الأيتام، حيث تفيد بيانات المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق (IHCHR) والمنظمات الدولية بأن عدد الأيتام في البلاد بلغ نحو 5 ملايين طفل، ما يشكل تقريباً 5% من إجمالي أيتام العالم. مئات الآلاف من أيتام العراق قذفت بهم الحاجة إلى سوق العمل الشاق، وقرابة 45 ألفاً منهم يفتقرون للأوراق الثبوتية، مما يضعهم في مهب الضياع والاستغلال. ووفقاً لتقارير أممية ومنظمات مجتمع مدني عراقية يعيش الأيتام في العراق ظروفاً قاسية.

تكتسب هذه الأرقام مرارة مضاعفة في بلد يُعَد من الأعلى عالمياً في تعطيل الدوام باسم المناسبات الدينية. لطالما تسابق المسؤولون في إظهار الولاء لـ أبي الأيتام وكافل الأرامل وملجأ المحتاجين وراحم المساكين، الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي كان يحمل الدقيق والسمن على ظهره ليلاً متفقداً جياع الكوفة ويرفض مساعدة خادمه قائلاً: "أنا أوْلى بحمله منك". فأين هذا الزهد وتلك الأمانة من قصور مشيدة بأموال السحت، وبوابات وزارة تربية تعجز عن طباعة كتاب، وطبقة حاكمة تخلت عن مسؤوليتها الأخلاقية أمام جيل بأكمله؟

في السياق، يكشف تقرير "الفقر متعدد الأبعاد في العراق" لعام 2025 (الصادر عن هيئة الإحصاء العراقية بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وفريق أكسفورد) عن تشريح مرعب لبنية الحرمان؛ إذ يعاني 36.8% من العراقيين (قرابة 17 مليون نسمة) من فقر يقاس بمؤشرات التعليم والصحة ومستوى المعيشة والعمل والتعرض للصدمات. كما أن 17.5% يرزحون تحت فقر الدخل بمتوسط شهري يقل عن 137 ألف دينار عراقي. في الوقت الذي تكشف بيانات شركة (Statista) الألمانية وموقع (Trading Economics) عن وجه أكثر قتامة لعام 2025؛ حيث استقر معدل البطالة عند 15.5%، وهذا يعني عملياً وجود ما بين 1.56 الى 1.86 مليون عراقي عاطل عن العمل(2).

هذا الفقر وهذه الفاقة تحدث في بلد يضخ يومياً أكثر من 4 ملايين برميل نفط، وتتجاوز إيراداته حاجز الـ 100 مليار دولار سنويًا، ومع ذلك لا يتجاوز متوسط دخل الفرد النظري 5 آلاف دولار سنوياً. يفتقر العراقيون لأبسط خدمات الكهرباء، والصحة، والبلديات التي تنعم بها شعوب دول لا تملك معشار ثروات العراق. إن هذا التناقض الصارخ تؤكده مظمات وهيئات أممية ودولية وعراقية، وأيضاً تؤكده تقارير الصحافة الأمريكية؛ مثل نيويورك تايمز وواشنطن بوست، التي طالما وصفت الاقتصاد العراقي بأنه "نموذج مشوه للنهب الهيكلي الممنهج"، حيث تتبخر أموال النفط في دهاليز الفساد الحزبي بدلاً من بناء رأس مال بشري، مما يؤكد حقيقة قاسية وهي أن الثروة ليست ما تحت الأرض، بل ما فوقها وداخل العقول والمؤسسات.

النفط يمنح سيولة مؤقتة لكنه لا يصنع ثروة، والخراب الممتد عبر عشرين عاماً قام على تشويهَيْن بنيويَيْن: الاعتماد الريعي المطلق والتفاوت الاجتماعي الحاد. وتعود هذه الهشاشة إلى غياب ثلاثة أركان أساسية أجهزت عليها الأنظمة المتعاقبة منذ 2003:

(1تآكل المعرفة ورأس المال البشري؛ إذ تحولت الجامعات إلى تفريخ مستمر لشهادات أضعف كفاءة، في وقت ينزف فيه البلد عقوله بمعدل هجرة يبلغ 100 ألف متخصص سنوياً منذ عام 2003، مما قطع الطريق أمام تراكم المعرفة النوعية.

(2سياسة الريع وهيمنة القطاع العام، حيث حولت السياسات الفاشلة المواطن من منتج إلى متلقٍ ينتظر "الحصة التموينية" أو "الوظيفة الحكومية" التي تبتلع الميزانية التشغيلية، وعمقت الفجوة بين دخل حكومي مستقر وقطاع خاص مشلول وميت سريرياً.

(3انهيار المؤسسات وحماية الفساد، وذلك في ظل غياب سلطة تحمي الملكية وتكافئ الكفاءة، تشير التقارير الدولية إلى أن ثلث الميزانية السنوية للعراق يُسرَق أو يُهدَر على الأقل. وهذا الفساد قد عطل المشاريع، وأفسد المناقصات، وجعل المستثمر الأجنبي يفر هارباً، مما قضى على أي أمل لبناء اقتصاد إنتاجي(3).

ونتيجة ذلك .. طبقة سياسية فاسدة، تعيش في رفاهية وترف وبذخ، ومعهم جماعات مسلحة تحميهم وإعلام يبرر خطاياهم ويلمع صورهم، مقابل طبقة وسطى متآكلة وغالبية شعبية تعاني الفقر أو الفقر المدقع. وهذا التفاوت الحاد يخفيه الناتج المحلي الإجمالي النظري، لكنه يتجلى بوضوح في الواقع المعيشي. بالتالي، العشرون سنة الماضية لم تشهد مجرد فشل حكومي، بل أبشع عملية نهب جماعي ممنهج .. ثروات شعب يملك أكبر الاحتياطيات النفطية، على مستوى العالم، تُبدَّد وتُهرَّب عبر نظام محاصصة فاسد، حيث تحولت الميزانيات والمناقصات والنفط إلى غنيمة تتقاسمها الأحزاب الحاكمة والجهات النافذة والجماعات المسلحة، جزء منها يغذي شبكات فساد داخلية وآخر يصب في مشاريع خارجية على حساب حق وكرامة المواطن العراقي ومستقبل أجياله.

وهكذا؛ فإن العراق ليس محكوماً عليه بالفقر الأزلي، فإن إمكانات النهوض ومواردها لا تزال قائمة(4). لكن الخروج من هذا التناقض الخطير لن يمر عبر التوظيف العشوائي أو زيادة الرواتب الورقية، بل بفرض دولة قانون تعتمد الكفاءة، تحاسب الفاسد، وتنحي الفاشل؛ دولة تحرص على كرامة شعبها وثرواته وأجياله القادمة. لكن، الى أن يتحقق ذلك، سيبقى العراق الشاهد الحي الأكبر على أن أعظم الثروات الطبيعية قد تتحول إلى أكبر لعنة إذا غابت العقول والمؤسسات. وإن أي حكومة قادمة تحاول إعادة إنتاج سياسات المحاصصة والعبث والفساد والفشل ذاتها، لن تكون إلا إمعاناً في استنكار واستهجان شعب بائس من طبقة سياسية أُتخِمَت بالفساد وأمَعَنَت بفشلها واُفتضحت ببشاعة النهب الذي مارسته، على مدى عشرين عاماً، حتى لم يتبق في رصيدها شيء من المصداقية، وحفرت في ذاكرة العراقيين خطوطاً كالحة بظلمها وبؤسه. فلا عذر لمن أضاع الأمانة، والحساب التاريخي والرباني قادم لا محالة.

---------------------------------

هوامش

(1) يقول الله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(الحجر: 92). ويقول الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): "اتقوا الله في عباده وبلاده فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم" (نهج البلاغة: خطبة 167). تلك الآية الكريمة وهذه الوصية الجليلة تلخصان جوهر المسؤولية التي يتهرب منها من يدّعون التدين بالإسلام والولاء للنهج العَلَويّ، بينما يحرمون الشعب من ثروات وطنه في مشهد لم يشهد له التاريخ مثيلاً بهذا القدر من التناقض والخيانة للأمانة. في بلد يطفو على بحر من النفط، تتجاوز إيراداته السنوية فقط من النفط المائة مليار دولار، يعيش ملايين المواطنين في فقر متعدد الأبعاد. بينما يفتقر الشعب الخدمات الأساسية، كالكهرباء والماء والتعليم والصحة وفرص العمل. هذا كله نتيجة مباشرة لعشرين عاماً من العبث السياسي، والفشل الممنهج، ونهب "غريب" لأموال الدولة، وتضييع "موجع" لثروات الشعب على يد طبقة سياسية ترفع شعارات عدالة الإسلام والزهد العَلَويّ.

(2) في إطار الفقر الذي يعاني منه أكثر من 17 مليون عراقي، أشارت صحيفة المدى العراقية (20 مايو 2026) الى عمّال البناء (المهنة الشاقة والعمل بدرجات الحرارة اللاهبة) أنه "في ظل تصاعد أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية في العراق، يواجه آلاف العمال صعوبة متزايدة في تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، رغم ساعات العمل الطويلة التي يقضونها يوميا. ومع تراجع القدرة الشرائية للأجور، تتزايد المخاوف من اتساع رقعة الفقر والبطالة المقنعة، خصوصا في المحافظات التي تعاني هشاشة اقتصادية وضعفا في فرص العمل. وتتجسد الأزمة بوضوح في حياة العمال الذين يعتمدون على العمل اليومي غير المستقر مصدرا وحيدا للرزق، وسط غياب الضمانات الاجتماعية وضعف الرقابة على سوق العمل. سعيد، البالغ من العمر 45 عاما، يعمل يوميا في أعمال البناء والتحميل لإعالة أسرته المكونة من خمسة أطفال ووالديه المسنين، لكنه يؤكد لـ"المدى" أن الأجر الذي يحصل عليه، والذي لا يتجاوز غالبا 25 ألف دينار يوميا، لم يعد يكفي لتغطية الغذاء والدواء والإيجار. ويقول: "نطلع ندوّر شغل يوم بيوم، وإذا اشتغلنا ما يكفينا حتى أساسيات البيت". وتشير المعطيات الاقتصادية إلى أن الأجور اليومية لم تعد تواكب معدلات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، خصوصا مع زيادة أسعار المواد الغذائية والنقل والخدمات الصحية والتعليمية، فيما أسهم اتساع القطاع غير المنظم في حرمان أعداد كبيرة من العمال من حقوقهم الأساسية."

(3الفساد لم يعد استثناءً، بل أصبح جزءاً من النظام، حيث المناقصات فاسدة، والمشاريع وهمية، والمستثمرون يهربون. فيما مؤشر مدركات الفساد يظل منخفضاً، والطبقة السياسية ونخبة الأعمال المرتبطة بها تعيش في رفاهية باهرة مقابل شعب يغرق في الفقر. هذا الفساد ليس استثنائياً، بل أصبح نمطاً. ففي مشهد يعكس عمق الأزمة المالية والإدارية، أصبح العراقيون ينتظرون في نهاية كل شهر خبراً عن موعد صرف رواتبهم — وهي رواتب بائسة في معظمها — في ظاهرة باتت شبه معتادة، تعكس هشاشة السيولة الحكومية وتضخم القطاع العام دون إنتاجية مقابلة. والأشد صدمة كان ما عُرف بـ"سرقة القرن"، حيث في واحدة من أبرز فضائح الفساد، كشفت التحقيقات القضائية والبرلمانية الأخيرة (مايو 2026) أن حجم "سرقة القرن" ارتفع من تقديرات أولية بلغت نحو 2.5 تريليون دينار (حوالي 1.9-2.5 مليار دولار) إلى نحو 8 تريليونات دينار (قرابة 5 مليارات دولار). وارتبطت القضية بأكثر من 30 شخصية بارزة، من مسؤولين سابقين ورجال أعمال، مما يُجسّد قمة الاستهتار بأموال الشعب والدولة.

(4) مع تشكل الحكومة الجديدة، التي يأمل العراقيون أن تكون مختلفة، لكن الأمل وحده لا يكفي. فإن الخروج من هذا الخراب يتطلب: (أولاً) دولة مؤسسات وقانون تحاسب الفاسد وتنحي الفاشل، بغض النظر عن انتمائه. (ثانياً) استثمار حقيقي في رأس المال البشري من خلال تعليم جيد، وعودة المهاجرين، وثقافة عمل منتج. (ثالثاً) تنويع الاقتصاد بعيداً عن الريع النفطي، ودعم القطاع الخاص. (رابعاً) شفافية في الإيرادات والإنفاق، ومحاربة جدية للفساد. (خامساً) استعادة الكرامة من خلال دولة تحمي شعبها، أرضها، مياهها، ومستقبل أجيالها.

---------------------------------

مقالات ذات صلة

*  إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. بائسون في وطنهم

* إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. مُهْمَلون في وطنهم

*  إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. غرباءٌ في وطنهم

*  إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. مقهورون في وطنهم

*  إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. مخذولون في وطنهم

*  إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. منسيون في وطنهم

* إرث العشرين عاماً من الخراب في العراق .. طرق الموت