عاشوراء .. شعيرة ومشروع


 

 

موقع الإمام الشيرازي

5/ محرّم الحرام/ 1448

 

 

قال سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام): "إني لم أخرج أشِراً ولا بطراً، ولا مُفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي" (بحار الأنوار: ج44 – ص329). بهذا الشعار الخالد، أعلن آخر ابن بنت نبي على وجه الأرض أهداف نهضته، التي تحوّلت إلى واحدة من أعظم المحطات في التاريخ الإنساني، فإن كربلاء مأساة دامية هزّت وجدان الأجيال، وكربلاء أيضاً مشروع أخلاقي وإصلاحي شامل، لا يزال نداءه يتردد في ضمائر الأحرار والمظلومين والمحرومين والمقهورين.

ومع مطلع كل عام هجري، تتجدد ذكرى عاشوراء، لا بوصفها شعيرة دينية وعاطفة بشرية وحسب، فإن كربلاء صرخة وعي ومراجعة ومحاسبة، وفرصة لتأمل الذات وتقييم المسارات، وقياس مدى التزام الفرد والمجتمع بقيم الثورة الحسينية كالعدالة، والكرامة، والحرية، ورفض الظلم، ومخاصمة الظالم، ونصرة المظلوم، ومقارعة الفاسد، إزالة الفساد، وإنجاز الإصلاح. لكن كيف ينبغي لنا، كأفراد ومجتمعات، أن نستقبل هذه الذكرى العظيمة؟ هل يكفي أن نلبس السواد، ونقيم الشعائر، أم إنه ينبغي لنا أيضاً أن نتبنى المشروع الإصلاحي لقائد كربلاء، الإمام الحسين (عليه السلام)، ليكون بوصلة نهضتنا؟

في هذا السياق، لا يمكن لعاشوراء أن تنهض بنا إنْ بقينا نحصرها في دائرة الشعائر الحسينية التي هي إحدى أبرز العوامل لبقاء قيم الثورة الحسينية متقدة الى اليوم. فإن الإمام سيد الشهداء ليس فقط شهيد كربلاء، وسبط سيد الأنبياء، بل هو رمز مشروع إصلاحي واجه الانحراف السياسي والديني بشجاعة نادرة وثبات عجيب وفداء فريد. من هنا، فإن قراءة سيرة الإمام وأصحابه (رجالًا ونساء، كباراً وصغاراً) هي مدخل جوهري لفهم منطلقات الثورة وأبعادها. فإن التأثر الحقيقي يبدأ من معرفة القيم التي قاتلوا لأجلها، ثم محاكاتها في حياتنا اليومية، وفي علاقاتنا، وفي مسؤولياتنا، وفي سلوكنا. بالتالي، فإن من متطلبات إحياء عاشوراء خدمة المجالس والمواكب والفعاليات الحسينية، التي هي ليست ليست شعائر وحسب، بل فعل جماعي لتكريس القيم من خلال تذكير المشاركين بعضهم بعضاً بتلك القيم والتشجيع على إدامتها ونشرها وبقائها، في الوقت نفسه، فإن المجالس والمواكب والفعاليات الحسينية  فعل فردي/جماعي ينبع من روح التعاون والتكافل والتضامن ويحث على تكريس هذه الروح القرآنية، يقول الله سبحانه: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)(المائدة: 2). من هنا، فإنه يجدر بكل مؤمن ومؤمنة، مهما كان موقعه وموقعها، أن يبحث عن دوره في خدمة القضية الحسينية، سواء بالمساهمة التنظيمية أو الثقافية أو الخدمية أو الإعلامية.

إن الإمام سيد الشهداء (عليه السلام) خرج للإصلاح، لا للثأر أو الانتقام، وخرج لنصرة المظلومين لا طلباً لسلطة. بالتالي، فإن ذكرى عاشوراء تُعَدّ مناسبة للتربية والترويض على القيم الكبرى، كـ تقوى الله، والتضحية، والصبر، والإخلاص، والأمانة، ونصرة المظلوم، والتكافل الاجتماعي، وهذا أهم ما ينبغي الالتفات إليه. عليه، فإن الولاء لسيد الشهداء يقتضي تجسيد مبادئه في جميع مؤسساتنا .. فيكون:

القاضي حسينياً في عدالته،

والسياسي حسينياً في أمانته،

ورجل الدين أميناً في كلمته،

والمسؤول حسينياً في أدائه،

والمعلم حسينياً في رسالته،

والطبيب حسينياً في إنسانيته،

والتاجر حسينياً في تعامله،

والأب حسينياً في أسرته،

والفرد حسينياً في مجتمعه.

وهكذا، فإن عملية بناء مجتمع صالح ودولة عادلة تبدأ من الفرد الواعي، وعاشوراء هي الانطلاقة/المنصة التي تُمكِّن كل إنسان من مراجعة ذاته ومعرفة مسؤوليته، في سياق مشروع إصلاحي يشمل المجتمع كله. وعلى هذا النحو؛ فإنه في ذكرى عاشوراء، حريٌ بنا أن نجعل من ذكرى الإمام سيد الشهداء (عليه السلام) مناسبة لتجديد العهد مع الدين ومكارم الأخلاق التي هي جوهر الدين، وإن من قيم الدين وعاشوراء الإصلاح، ولنتذكّر أن الوفاء لكربلاء لا يكون فقط بالحزن، بل أيضاً بالعقل، والعمل، وبمواجهة الظلم، أيًّا كان شكله، ورفض الفساد أياً كان مصدره.

إن ذكرى عاشوراء استذكار لفاجعة دامية، ومقتل آخر بنت نبي على وجه الأرض، ومعه أهله وصحبه، بالتالي، فإن من الاحتفاء بهذه الذكرى اتشاح البلاد والعباد بمظاهر الحزن، والعمل وفقاً لحقيقة أن عاشوراء للتقييم والتقويم والإصلاح والبناء. في الوقت، أن كربلاء دعوة لكل واحد منا الى أن يكون:

حسينياً في ورعه وتقواه وصلاحه،

وحسينياً في عباداته ومعاملاته،

وحسينياً في الكلمة والموقف،

وحسينياً في الحكم والمسؤولية،

وحسينياً في الأداء والكفاءة،

وحسينياً إزاء العدل والصدق والأمانة،

وحسينياً في مقارعة الظالم ونصرة المظلوم،

وحسينياً في قول الحق،

وحسينياً في تحمّل التغيير والإصلاح،

فذلك هو المعنى العميق لحبنا الديني/الواعي للإمام الحسين (عليه السلام)، وهو المشروع الديني/العملي الذي يحقق انتمائنا الصادق لنهضة الإمام الشهيد ومبادئه ونهجه.