![]() |
|
كربلاء .. استذكار معاني الورع والإصلاح
موقع الإمام الشيرازي 6/ محرَّم الحرام/ 1448
واقعة عاشوراء من أعظم الأحداث الإسلامية، وفاجعة أكثرها دموية، ومصيبة أوجعها لوعة، وعاشوراء هو الحدث الذي دأب الشيعة على إحياء ذكراه، في محرَّم وصفر وعلى مدار العام، حيث تجتمع في هذا الحدث/الذكرى المشاعر الإنسانية النبيلة مع القيم الأخلاقية والدينية العالية. من هنا، فإن إحياء ذكرى كربلاء ليس مجرد نشاطات نمطية أو طقوس تقليدية أو عادات موروثة، بل هي شعائر متجذرة وجدانياً، وتستند إلى أدلة محكمة تحث على إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وسائر مصائب أهل البيت (عليهم السلام). مع ذلك، ذكرى عاشوراء ليست للتعصب أو الشقاق، أبداً، بل هي تعبير عن الولاء للإسلام؛ دين الحق والعدل والحرية والكرامة والأمانة والسلام، وهي ذكرى تستحضر سيرة وتراث النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، الذين حثوا على الحزن والبكاء على مصيبة سيد الشهداء حتى قبل وقوعها، كما أفادت أحاديث مروية عن الفريقين. وعلى هذا النحو، حريّ بالحاضرين والمشاركين في الشعائر والمجالس الحسينية، الذين يستمعون الى منابر عاشوراء إدراك أن إحياء هذه الذكرى ليس مجرد شعيرة دينية أو استجابة عاطفية، بل هو التزام ديني وأخلاقي يهدف إلى استذكار معاني الورع والنبل والصلاح. لقد وقعت مأساة كربلاء نتيجة انحراف الحكم السياسي/الديني عن مساره الصحيح، حيث سعى الإمام الحسين (عليه السلام) إلى إعادة الناس الى الدين الأصيل وإقامة حكم عادل. بالتالي، فإن حركة الإمام الشهيد الاستبسالية التضحوية المفجعة لم تكن من أجل جاه أو مال أو سلطان، بل لنشر العدل وحفظ حدود الله سبحانه، ويتجلى ذلك في قوله (عليه السلام): "واني لم أخرج أشراً، ولا بطراً، ولا مفسداً، ولا ظالماً، وانما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وانهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق، فالله اولى بالحق، ومن رد علي أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين .. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب" (مقتل الخوارزمي: ج1 – ص188). من هنا، يجدر بالمشاركين في الشعائر الحسينية المحافظة على طابع هذه الشعائر الورعي والروحي والأخلاقي من خلال الالتزام بالفرائض، والتمسك بمكارم الأخلاق، لتعكس هذه الشعائر والمجالس الحسينية المباركة عمق وصدق انتمائها إلى أهل البيت (عليهم السلام). في السياق، فإن التجمعات الحسينية الحاشدة، خاصة في محرَّم وصفر، تمثل فرصة ثقافية واجتماعية طوعية، تجذب الناس من خلال روابط الولاء والعاطفة، وتتيح نشر وإشاعة قيم الإمام سيد الشهداء وأهله وأصحابه، الذين بلغوا قمة الكمال الديني والإنساني والأخلاقي والتضحوي. يقول المرجع الديني المجدد الإمام الشيرازي الراحل (قدس سره): "ينبغي الاستفادة من ذكرى عاشوراء لتركيز الإيمان والفضيلة والتقوى والمثل الأخلاقية الرفيعة في المسلمين، وتوسعة دائرتها". من هنا، يجب أن يكون إحياء ذكرى عاشوراء، خاصة في محرَّم وصفر، منصَّة لتعزيز وترسيخ الوعي الديني والأخلاقي والإنساني، لا مجرد فعاليات وخطابات شكلية تذهب جهودها سدى بعد الشهرين الحسينيَيْن؛ محرَّم وصفر. وفي هذا الإطار، يجدر بالأفاضل الخطباء والمبلغين مسؤولية كبيرة في توجيه تجمعات الحضور، وهم ملايين، والذين يستمعون إليهم عبر القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي، وهم عشرات الملايين، نحو تحقيق أهداف نهضة كربلاء السامية .. فينبغي لهم التركيز على تثقيف الحضور بالأحكام الشرعية، لأهميتها في الحياة الدينية العملية/المعاملاتية، مع الإلمام بتفاصيلها التي قد لا تتيسر إلا من خلال التعليم المستمر. كما يجب تكثيف الجهود على الجانب الأخلاقي، فإن مكارم الأخلاق جوهر الدين ومعيار الإنسان المتدين والمجتمع الصالح، مستلهمين الحِكَمة والعِبرة والنور والبصيرة من سيرة أهل البيت (عليهم السلام) الذين تمسكوا بالحق ومكارم الأخلاق وحثوا على التقوى .. وهنا التقوى تنقسم إلى مسارين متكاملين؛ تقوى فردية تُهذِّبْ النفس، وتقوى جماعية تحمي كيان المجتمع/الأمة. وقد رسم الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ملامح هذه الحالة الشاملة بقوله: "لا شرف أعلى من الإسلام، ولا عزّ أعزّ من التقوى، ولا معقل أحسن من الورع..." (تحف العقول: ص92). علاوة على ذلك، يتعين على الخطباء تعزيز الجانب العقدي/العقائدي، بربط المعلومات، التي يتفضلون بتقديمها الى الحضور/المستمعين، بالقرآن الكريم والسنة النبوية، ليدرك الحضور أصالة هذه القيم وتجذرها في المنابع الدينية. كما يجدر بهم أيضاً التركيز على تبيين وتأكيد سمو مقام أهل البيت (عليهم السلام) ورفعة وشموخ مكانتهم، وثباتهم على الحق، وتضحياتهم العظيمة، مع الإشارة إلى خسة خصومهم وسوء سيرتهم وسوء عاقبتهم. وأهم من ذلك، التأكيد على أن جوهر الاحتفاء بذكرى عاشوراء هو ترجمة قيم أهل البيت (عليهم السلام) إلى سلوك في حياة الفرد والمجتمع، والمدرسة والجامعة، والمعمل والمستشفى، والمسجد والحسينية والحوزة، والحكومة ومؤسسات الدولة، لتكون عاشوراء مدرسة أخلاقية وإنسانية تقوِّم الناس وتغيرهم نحو الأفضل، وتجمعهم على الحق والعدل والخير. وهكذا، فإن إحياء ذكرى عاشوراء، عبر الشعائر الحسينية المباركة، هو استذكار لتضحيات أهل البيت (عليهم السلام) وتجديد العهد مع قيمهم الكريمة والنبيلة. بالتالي، يجدر بالحضور والخطباء أن يعملوا معاً لاستعادة الأصالة في إحياء هذه الواقعة الدامية والاحتفاء بهذه الفاجعة المروّعة، بالتركيز على الوعي الديني، والأخلاقي، والإنساني، لتظل عاشوراء منارة هداية تجمع الناس، من الشيعة وأيضاً من مختلف المذاهب والأديان على قيم الحق والعدل والتضحية والخير والسلام. |