من تاريخ كربلاء .. ما قبل عاشوراء


 

 

موقع الإمام الشيرازي

9 / محرَّم الحرام/ 1448هـ

 


 

لم يكن اضطهاد الشيعة في عهد معاوية بن أبي سفيان (15 ق.هـ - 60هـ) مجرد ممارسات فردية أو تجاوزات محلية، بل سياسة دولة متكاملة الأركان. فقد كتب معاوية إلى عمّاله في الأمصار يأمرهم بألّا يجيزوا شهادة أحد من شيعة علي بن أبي طالب وأهل بيته؛ كتب معاوية بن أبي سفيان الى عمّاله في جميع الآفاق: "ألّا يجيزوا لأحد من شيعة علي بن أبي طالب وأهل بيته شهادة" (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج3 - ص595).

ثم أتبع ذلك بأوامر تقضي بمحو أسماء الموالين لهم من الدواوين وقطع أعطياتهم وأرزاقهم، قبل أن تتطور الإجراءات إلى التنكيل بالمتهمين بولائهم وهدم دورهم؛ كتب معاوية إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: "انظروا من قامت عليه البينة، أنه يحب علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه" (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج3 - ص595).

وتذكر بعض الروايات صدور أوامر بقتل من يُتَّهم بذلك، وبهذا انتقل الاستهداف من الإقصاء القانوني إلى العقاب الاقتصادي، ثم إلى القمع الأمني والجسدي؛ كتب معاوية إلى عماله في سائر جميع البلدان: "مَنْ اتهمتوه بموالاة هؤلاء القوم (عليّ وأهل بيته) فنكلوا به واهدموا داره" (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج11 - ص45). ثم كتب (معاوية) كتاباً آخر يقول فيه: "مَنْ اتهمتموه (بالتشيع لـ علي بن أبي طالب) ولم تقم عليه بينة فاقتلوه!!" (بحار الأنوار: ج33 – ص180).

وقد تركت هذه السياسة آثاراً عميقة في المجتمع؛ إذ يصف المؤرخون حالة من الرعب دفعت الرجل من شيعة الإمام علي بن أبي طالب إلى أن يخفي معتقده حتى عن خدمه ومماليكه، فلا يبوح بسرّه إلا بعد الأَيْمان المغلَّظة. وفي ظل هذا المناخ الخانق ازدهرت ظاهرة التزلف للسلطة، فافتعل بعض القرّاء والمرائين الأحاديث والأخبار طلباً للجاه والمال والقرب من الولاة، حتى تسرب كثير من تلك الروايات إلى الأوساط العلمية والدينية وتداولها بعض الناس بحسن نية وهم يظنون صحتها.

وهكذا؛ "لم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيما بالكوفة، حتى إن الرجل من شيعة عليّ بن أبي طالب ليأتيه مَنْ يثق به، فيدخل بيته، فيلقى إليه سره، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الأَيْمان الغليظة ليكتمن عليه، فظهر حديث كثير موضوع، وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراءون، والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك، فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، ويقربوا مجالسهم، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل، حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان، فقبلوها ورووها وهم يظنون أنها حق، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها" (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج3 - ص16).

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ازداد البلاء بعد وفاة الإمام الحسن بن علي، حتى أصبح الموالي لأهل البيت خائفاً على دمه أو مطارداً في الأرض؛ "فلم يزل الأمر كذلك، حتى مات الحسن بن علي، فازداد البلاء والفتنة، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلا وهو خائف على دمه أو طريد في الأرض" (شرح نهج البلاغة. ابن أبي الحديد، ج11 - ص45 – 46).

ويصف الإمام محمد الباقر (عليه السلام) تلك المرحلة بقوله إن شيعتهم قُتِلوا في البلدان المختلفة، وقُطّعت أيديهم وأرجلهم على التهمة والظنة، وسُجن المحبون لهم، ونُهبت أموالهم، وهُدِمَتْ دورهم، يقول (عليه السلام): ".. فقُتِلَتْ شيعتنا بكل بلدة، وقُطَِّعْت الأيدي والأرجل على الظنّة، وكان مَنْ ذُكِرَ بحبّنا، والانقطاع إلينا، سُجِن أو نُهِبَ ماله أو هُدِّمَتْ داره، ثم لم يزل البلاء يشتدّ ويزداد إلى زمان عبيد اللَّه بن زياد قاتل الحسين..." (شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج11 - ص43). بذلك يكشف هذا التوثيق التاريخي عن صورة لمرحلة لم يقتصر فيها الصراع على السلطة السياسية، بل امتد إلى مصادرة الحقوق والحريات، وصناعة الخوف، وإعادة تشكيل الوعي الديني والاجتماعي بما يخدم بقاء الحكم وترسيخ نفوذه.

وعلى هذا النحو، فإن قيمة هذه الشهادات التاريخية لا تكمن في استحضار آلام الماضي فحسب، بل في كشفها لفعلٍ يتكرر كلما استبدت السلطة وغاب العدل(*). فإن القمع يبدأ عادة بحرمان الآخر/الخصم من حقه في التعبير، ثم يتحول إلى إقصائه من المجال العام، قبل أن ينتهي إلى مصادرة حريته وكرامته ووجوده. هنا، التاريخ يعلمنا أن المظلوم حين ينسى دروس مظلوميته قد يعيد إنتاج الأدوات نفسها التي اشتكى منها، وإن اختلفت الشعارات والأسماء والرايات. ولذلك فإن الوفاء الحقيقي لضحايا تلك الحقبة لا يكون بكثرة لعن الظالمين، بل برفض الظلم نفسه، أياً كان فاعله، وبناء دولة يكون فيها الاختلاف في الرأي أو المعتقد حقاً مصوناً لا تهمة تستوجب الإقصاء أو العقاب أو الاعتقال أو الاغتيال أو الإعدام.

-------------------------------

(*) ينبغي أن تتحول القراءة النقدية للمدونات التاريخية حول التنكيل والاستبداد في العصر الأموي المبكر، وتحديداً في عهد معاوية بن أبي سفيان، من مجرد استرجاع للمظلومية التاريخية إلى أداة تفكيك ومساءلة للفاعل السياسي والفقهي الذي يتخذ من إدانة ذلك الإرث منطلقاً لهويته. في السياق نفسه، لا يقاس الاتساق القيمي للحاكم أو الفقيه أو السياسي بمدى براعته في هجاء الطغيان البائد، بل بمدى مناعته العملية ضد تقمص سلوك الطاغية. من هنا، يصبح العبور من أدبيات اللعن والذاكرة الجريحة إلى تجسيد قيم العدالة والحرية والمواطنة هو المحك البنيوي لشرعية الحاكم أو الفقيه الذي يتصدّر المشهد باسم إرث المظلومين، وإن التاريخ لا يكرِّم الذين يحسنون لعن الطغاة والظالمين، بقدر ما يحتفي بالذين يترفعون عن الطغيان ويتجنبون الظلم عندما يمتلكون السلطة أو النفوذ.