العراق.. سؤال الدولة والإنسان | من تشويه القيم الى العبث بالدولة والإنسان


 

 

موقع الإمام الشيرازي

15 /  صفر / 1448

 

 

عبر ثماني حكومات تعاقبت على العراق بعد عام 2003 وصولاً إلى الحكومة التاسعة الحالية برئاسة علي الزيدي، ظلّت البلاد عاجزة عن حجز موقعها الطبيعي بين الدول التي تسخّر مواردها لخدمة شعوبها. والمفارقة الصارخة هنا، أن هذه الحكومات المتعاقبة - التي اتخذت من الخطاب الديني والأخلاقي دثاراً لها وادعت أنها تريد تجسيد قيم الإسلام في الدولة والمجتمع - تقف اليوم في قفص الاتهام أمام القضاء وعدالة الشعب. فإنها مطالبة بالإجابة عن سلوك طبقتها السياسية "المتدينة!!" التي قادت الدولة نحو حافة العجز عن تأمين رواتب موظفيها، ودفعت بالخدمات الأساسية - من صحة وتعليم وماء وكهرباء وبنية تحتية - نحو تدهور غير مسبوق. هذا الشرخ العميق بين ادعاءات الخطاب "الديني" للطبقة السياسية وممارساتها الفاسدة والمتهورة على أرض الواقع يبرز السؤال الجوهري: كيف تحول شعار "الدولة العادلة" إلى أداة لتقويض الدولة ذاتها، وتشويه القيم التي زعم حَمَلة هذا الخطاب حمايتها؟

من زهد أمير المؤمنين إلى نهب الدولة

لم يكن غريباً أن تستحضر القوى السياسية، وهي في المعارضة قبل 2003، سيرة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وعدله، وزهده، ورحمته بالناس، ونصرته للمظلوم، ومخاصمته للظالم والفاسد، وأمانته العالية في المال العام، ومساواته بين الناس حتى مع أقرب المقربين إليه. الحاكم العادل الذي من وصاياه المعروفة لأحد عماله دعوته إلى أن يجعل ولايته سبيلاً لإماتة الباطل وإحياء الحق، لا وسيلة لتحصيل مال أو تشفي غيظ، حيث قال (عليه السلام): "أما بعد، فلا يكن حظك في ولايتك مالاً تستفيده، ولا غيظاً تشفيه، ولكن إماتة باطل، وإحياء حق" (نهج البلاغة: خطبة 232). وهو (عليه السلام) الحاكم الرحيم الرؤوف الذي لم يكن ليشبع من الأكل، خشية أن إنسان جائع في أرجاء دولته المترامية الأطراف، فكان يقول: "ولعل بالحجاز أو اليمامة، مَنْ لا طمع له في القرص ولا عهد بالشبع" (نهج البلاغة: الكتاب 45). غير أن المسافة بين هذا الاستحضار الرمزي للقيم العَلَويَّة والممارسة الفعلية للسلطة (بعد 2003) اتسعت مع الزمن حتى بلغت حد التناقض الصارخ؛ إذ تورطت أحزاب وقوى تصف نفسها بالإسلامية "الشيعية" في واحدة من أضخم عمليات النهب المالي التي عرفتها الدولة الحديثة؛ على مستوى العالم، بمبالغ تُقدَّر بمئات المليارات من الدولارات، فيما ظل جزء كبير من الخطاب والإعلام الديني صامتاً، بل متورطاً أحياناً في تبرير هذا الواقع أو الدفاع عن رموزه.

هذه المفارقة ليست تفصيلاً عابراً، بل هي في صميم أزمة الثقة التي يعيشها المجتمع العراقي؛ فإنه حين يتحول الدين، الذي هو منظومة قيم للعدل والخير والأمانة، إلى غطاء لسلوك مناقض تماماً لجوهره، فإن الخسارة لا تقتصر على المال العام المنهوب، بل تمتد إلى تشويه صورة القيم ذاتها في وعي الأجيال الجديدة.

ثروة الشعب.. إلى غنيمة سياسية

تنص المادة (111) من الدستور العراقي على أن النفط والغاز ملك لجميع أبناء الشعب العراقي في عموم أقاليم ومحافظات البلاد. وهو نص واضح لا يحتاج إلى تأويل. ومع ذلك، تحولت هذه الثروة الوطنية، في الممارسة الفعلية، إلى ما يشبه الغنيمة التي تتقاسمها القوى السياسية، ومورد للنهب، ووسيلة لإثراء فئة - بالحرام - على حساب عموم الشعب. ومن خلال ذلك، يتساءل فلاح المشعل (كاتب وصحفي): "لماذا تتحول الثروة الوطنية إلى غنائم تُوزَّع على هذا الحزب أو ذاك؟ ولماذا تصبح مورداً للصفقات المشبوهة، ومصدراً لثراء بعض السياسيين والفاسدين على حساب الشعب؟"

بالموازاة، فإن السؤال الذي يفرضه هذا الواقع بسيط ومباشر: منذ أول حكومة بعد 2003 وحتى ما قبل الحكومة الحالية، دخل إلى الموازنة العراقية أكثر من تريليوني دولار من عائدات النفط فقط (وهناك عائدات ضخمة من غير النفط)؛

أين ذهبت هذه الأموال؟

ولماذا ما زال العراق، رغم هذه الموارد الهائلة، يعاني من تردي الخدمات وضعف البنى التحتية واستمرار الأزمات البنيوية؟

هذه المعادلة - بين حجم الموارد وهزال النتائج - هي المدخل الأهم لفهم عمق الأزمة العراقية، وهي تستحق كشفاً كاملاً للحقيقة لا تعتيماً وتسويفاً.

ومن حق العراقيين، في هذا السياق، أن يطّلعوا على نتائج التحقيقات الجارية في قضايا الفساد الكبرى، وأن تُعلِن السلطة القضائية – بعد اكتمال الإجراءات القانونية – ما تضمنته اعترافات المتهمين والمدانين، وأن تكشف عن الجهات والأشخاص الذين استفادوا من الأموال المنهوبة أو مولوا عمليات النهب. فالشفافية والمحاسبة ليستا ترفاً سياسياً، بل هما الطريق الوحيد لاستعادة ما تبقى من ثقة المواطن بمؤسسات دولته.

حين يتحول الفساد إلى جريمة حضارية

من المهم عدم النظر إلى سرقة المال العام باعتبارها مجرد مخالفة إدارية أو جريمة مالية تُعالَج بعقوبة تقليدية، بل ينبغي التعامل معها كواحدة من أخطر الجرائم التي تصيب المجتمع في بنيته العميقة. فالمال العام ليس ملكاً بلا صاحب كما قد يتوهم بعض الفاسدين، بل هو ملكية جماعية تشمل حقوق الأطفال الذين لم يولدوا بعد، وحقوق المرضى الذين ينتظرون سريراً في مستشفى لائق، والطلبة الذين يحتاجون مدارس وجامعات جيدة، والشباب الباحثين عن فرصة عمل، والعائلات التي تتطلع إلى خدمات مستقرة.

من هذا المنظور، فإن سارق المال العام لا يعتدي على خزينة الدولة فحسب، بل يسرق الدواء من يد المريض، والكتاب من الطالب، والطريق من المسافر، والكهرباء من المواطن، وفرصة العمل من الشاب العاطل، ويقتطع جزءا من مستقبل مجتمع بأكمله. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين هذه الجريمة والجرائم الفردية التقليدية: إنها جريمة موزعة الأثر، ممتدة الزمن، تطال من لم يُولد بعد قبل أن تطال من هو حاضر اليوم.

وتقوم الدولة الحديثة، بوصفها دولة مؤسسات، على منظومة قيم عليا أبرزها العدالة والمسؤولية والثقة والإتقان والتضامن. والثقة العامة تحديداً هي أحد أهم الأصول غير المادية لأي مجتمع؛ إذ لا يمكن بناء دولة عادلة في ظل شيوع الاعتقاد بأن السلطة وسيلة للإثراء الشخصي، وأن الوظيفة العامة باب لنهب الموارد المشتركة. وحين تنهار هذه الثقة، تهتز شرعية النظام السياسي بأكمله، وتتراجع روح المواطنة، ويحل محلها إما اللامبالاة أو النقمة، وكلاهما يفتح الباب أمام مزيد من الفساد والتفكك الاجتماعي.

عقوبات.. صيانة للعقد الاجتماعي

انطلاقًا مما سبق، فإن المطالبة بإنزال أقصى العقوبات القانونية بـ "سراق المال العام" ليست دعوة إلى الانتقام أو الشعبوية، بل هي مطلب لصيانة العقد الاجتماعي ذاته. غير أن هذا التشديد يجب أن يجري حصراً في إطار دولة القانون، وبعد محاكمات عادلة وشفافة تكفل حقوق المتهمين، وتمنع توظيف القضاء في الصراعات السياسية أو تصفية الحسابات.

ولا ينبغي أن يقتصر التشدد المطلوب على عقوبة السجن وحدها، بل ينبغي أن يشمل:

- استرداد الأموال المنهوبة بالكامل ومصادرة العائدات غير المشروعة.

- فرض غرامات مالية رادعة تتناسب مع حجم الضرر.

- حرمان المدانين من تولي المناصب العامة مدى الحياة.

- إلزامهم بتعويض المجتمع عن الأضرار التي تسببوا بها.

- نشر الأحكام القضائية النهائية بشكل علني، تحقيقاً للردع العام وترسيخًا لثقافة النزاهة.

فإن التساهل مع سارقي المال العام ليس تعبيراً عن الرحمة، بل هو في جوهره قسوة مضاعفة على ملايين المواطنين الذين يدفعون ثمن الفساد يومياً من صحتهم وتعليمهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم.

جذر الأزمة.. فساد وارتهان

كثيراً ما تساق أعذار "موضوعية" لتبرير عجز الدولة العراقية، أبرزها كلفة الحرب على تنظيم داعش وإعادة إعمار المناطق المحررة. غير أن هذا التبرير يصطدم بحقيقتين لا يمكن تجاوزهما: الأولى أن الحرب على التنظيم حُسمِت عسكرياً منذ نحو سبع سنوات، دون أن يقابل ذلك إعمار حقيقي للمدن المدمَّرة أو عودة كاملة للنازحين إلى ديارهم؛ والثانية أن جزءًا كبيراً من كلفة تلك الحرب تحمّلته الولايات المتحدة ودول التحالف الدولي، لا الموازنة العراقية وحدها. وهذا يعني أن المشكلة ليست في نقص الموارد أو في أعباء طارئة بقدر ما هي في وجهة الإنفاق وهوية المستفيدين منه.

فأساس الأزمة العراقية هو فساد الطبقة السياسية الحاكمة، وارتهان جزء مؤثر منها الى خارج مصالح العراق. وقد كشف تحقيق استقصائي نشرته صحيفة "الشرق الأوسط" تحت عنوان "كتاب العراق الأسود"، رصد ما وصفه بـ"خوارزمية" اقتصاديات الأحزاب في العراق: منظومة من المكاتب الاقتصادية والشركات الوهمية والوسطاء تدير عملية منظمة لتدوير المال العام عبر مراحل ثلاث، بما يتيح تحويل - سرقة - جزء من هذه الأموال إلى خارج العراق. وتتقاطع هذه المعطيات مع تقارير سابقة لوزارة الخزانة الأمريكية وجهات رقابية أخرى، تشير جميعها إلى تهريب مبالغ ضخمة من العراق نحو الخارج ضمن شبكات مرتبطة بأحزاب وفصائل مسلحة غير عراقية.

هذا البعد يضيف طبقة أخطر إلى أزمة الفساد؛ فإن المال المنهوب لم يعد فقط يُحرَم منه المريض والطالب والعامل العراقي، بل قد يتحول أيضاً إلى وقود لمشاريع تزعزع استقرار المنطقة، وتربك علاقة العراق بدول المنطقة والعالم، ما يجعل معالجة الفساد في العراق قضية سيادة وطنية بقدر ما هي قضية إدارية ومالية.

ويقدّم الكاتب والأكاديمي إياد العنبر، أستاذ العلوم السياسية بجامعة بغداد، مفتاحاً مهماً لفهم توظيف الخطاب الديني في هذا السياق تحديداً؛ إذ يرى أن الاستثمار في الدين لتبرير سلوك يوصف بالخيانة والتبعية للخارج يخدم غايتين مترابطتين: الأولى إضفاء طابع من القداسة على الفعل نفسه، بحيث يصبح نقده أو مساءلته أمراً يقترب من المساس بالمقدس؛ والثانية استمالة عموم الناس البسطاء المتعلقين بموروثهم العقدي والديني، وتوظيف هذا التعلق لكسب غطاء شعبي لسلوك سياسي لا علاقة له بجوهر الدين. وهذا بالضبط ما يفسّر إصرار جزء من الطبقة السياسية على الإبقاء على الغلاف الديني لخطابها، حتى في أحلك لحظات تورطها في الفساد والارتهان الخارجي.

العبث بالقيم والدولة والإنسان

في ندوة عُقدِتْ مؤخراً في مدينة كربلاء حول الفساد في العراق، ناقش فيها "مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات" بمشاركة بحضور مراكز بحثية وأكاديميين، مسألة "آليات استرداد الأموال العامة المنهوبة". في هذه الندوة، طرح د. خالد العرداوي، مدير مركز الفرات للدراسات والتنمية الاستراتيجية، تشخيصاً مركّزاً لأسباب استمرار الفساد رغم الحملات المعلنة لمكافحته، حدد فيه ثلاث عقبات رئيسية:

غياب الإرادة السياسية الحقيقية، باعتبارها المنتج الأساسي للفساد واستمراره؛ فطالما بقيت أطراف متورطة في قضايا فساد جزءًا من الحكومة نفسها، يبقى مطلب "محاسبة الذات" صعب التحقق.

ثقافة سياسية واجتماعية سائدة تبرر الفساد بل تدعمه أحياناً، وهو ما يهدد بانتقال النهج ذاته إلى الأجيال الوظيفية الجديدة كلما امتلكت موقع السلطة.

ضعف مؤسسات إنفاذ القانون التي تعرضت للترهيب، وفقدت كوادر نزيهة بسبب تهم مفبركة أو تهديدات أو تنحية عن مناصبها.

وشدد د. العرداوي على أن نجاح أي حملة لمكافحة الفساد يستلزم أن تكون شاملة غير انتقائية، تطال كبار المتورطين وصغارهم على حد سواء، وأن تُستعاد ثقة الناس بأنها عدالة حقيقية لا دعاية حكومية، مع مراجعة قوانين العفو بحيث لا تشمل جرائم المال العام، وجعل العقوبة القصوى هي القاعدة لا الاستثناء. ودعا أيضاً إلى تصحيح الخطاب الديني الذي ظل، في مراحل متعددة قبل 2003 وبعده، شريكًا في تبرير النظر إلى المال العام باعتباره "مجهول المالك" أو من "هدايا السلطان"، بدلاً من كونه حقاً خالصًا للشعب.

وهكذا؛ فإن ما يعيشه العراق ليس أزمة مالية أو إدارية عابرة، بل مسار متصل يبدأ بالفساد المالي، ويمتد إلى تقويض هيبة الدولة ومؤسساتها، وينتهي بتشويه القيم التي يُفترض أن تكون حاضنة المجتمع، وصولًا إلى تحطيم الإنسان العراقي نفسه: صحته، وتعليمه، وكرامته، وأمله في مستقبل مختلف. وإذا كانت الدولة الحديثة لا تقوم إلا على حماية الثروة العامة بوصفها واجباً أخلاقياً وحضارياً لا مجرد إجراء إداري، فإن استعادة العراق لعافيته تبدأ من إدراك كل من يتولى مسؤولية عامة أن الأمانة تكليف لا امتياز، وأن الاعتداء عليها اعتداء على المجتمع بأسره وعلى حقه المشروع في التنمية والازدهار.

-------------------------------

ملاحظة لا بد منها

هذا المقال يتبنى قراءة نقدية حادة لأداء الطبقة السياسية العراقية، استناداً إلى تحقيقات صحافية وتقارير رقابية موثقة، وإلى تشخيص باحثين متخصصين. ومع ذلك، يبقى من الأمانة الإشارة إلى أن درجة التورط تتفاوت بين الأطراف والأشخاص، وأن أي مساءلة عادلة تستوجب التمييز القضائي الدقيق بين المسؤولية الفردية والمسؤولية الجماعية، وعدم تحويل النقد السياسي المشروع إلى إدانة تعميمية تطال الجميع بلا استثناء أو تنتظر نتائج التحقيقات والمحاكمات لتأكيد التفاصيل والأسماء.