العراق.. سؤال الدولة والإنسان | من الفساد إلى وطن مخطوف وشعب منهوب


 

 

موقع الإمام الشيرازي

18 / صفر / 1448

 

 

بعد أكثر من عشرين عاماً على 2003، ما زال المواطن العراقي مثقلاً بذاكرة جمعية مريرة من الفشل والفساد والعبث والخراب والهدر. أكثر من عشرين عاماً صنعت ظاهرة غريبة تتمثل بحرمان العراقيين مما أنعم الله به على بلادهم، ونهب ثروات الوطن بطريقة تكاد تكون فريدة وصادمة في التاريخ السياسي الحديث. المأساة الكبرى لا تكمن فقط في لغة الأرقام الكبيرة من المال والذهب المسروق، بل في هوية الجهة التي تدير هذا الفساد والخراب. طبقة سياسية تزعم أنها تؤمن بقيم الإسلام الذي دعا الى الأمانة والعدالة والبِّر والصدق والرحمة، وترفع شعارات الولاء لرمز الزهد والعدالة الشامخ، الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، بينما واقع الحال يكشف هوة سحيقة بين ثقافة الادعاء وسلوك الاستباحة.

من أغرب مفارقات هذا العصر أن ينام العراق على بحر من النفط ويستند إلى تاريخ علمي وحضاري ضارب في العمق، ثم يعجز عن توفير كتاب مدرسي أو مقعد دراسي لائق لأطفاله. فمنذ سنوات، تُجبَر العائلات العراقية على شراء الكتب والقرطاسية بأسعار مرتفعة نتيجة تلكؤ وزارة التربية، ويضطر الآباء إلى تقليص نفقات الغذاء والدواء لتأمين مستلزمات أبنائهم في صفوف يكتظ الواحد منها بأكثر من خمسين طفلاً. هذا الواقع المأزوم يتبدى بأقسى صوره في ملف الأيتام، حيث تشير بيانات المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق ومنظمات دولية إلى أن عدد الأيتام بلغ نحو خمسة ملايين طفل، أي ما يقارب خمسة بالمئة من إجمالي أيتام العالم. مئات الآلاف منهم قُذفوا إلى سوق العمل الشاق، وقرابة خمسة وأربعين ألفاً يفتقرون إلى الأوراق الثبوتية، فيعيشون في مهب الضياع والاستغلال.

تكتسب هذه الأرقام/الأزمات مرارة مضاعفة في بلد يُعَد من الأعلى عالمياً في تعطيل الدوام باسم المناسبات الدينية، وكثرة الفعاليات والهيئات والمنابر والمؤسسات التعليمية والإعلامية. لطالما تسابق السياسيون والمسؤولون في إظهار الولاء لأبي الأيتام وكافل الأرامل، وراحم الفقراء، وناصر المظلومين، وملجأ المحتاجين، الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي كان يحمل الدقيق والسمن على ظهره ليلاً متفقداً جياع الكوفة، ويرفض مساعدة خادمه قائلاً: «أنا أولى بحمله منك». فأين هذا الزهد وتلك الأمانة من قصور مشيدة بأموال السحت، وبوابات وزارة تربية تعجز عن طباعة كتاب، وطبقة حاكمة تخلت عن مسؤوليتها الأخلاقية أمام جيل بأكمله؟!

يكشف تقرير الفقر متعدد الأبعاد في العراق لعام 2025، الصادر عن هيئة الإحصاء العراقية بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وفريق أكسفورد، عن تشريح مرعب: يعاني 36.8 بالمئة من العراقيين (قرابة 17 مليون نسمة) من فقر يقاس بمؤشرات التعليم والصحة ومستوى المعيشة والعمل والتعرض للصدمات. كما أن 17.5 بالمئة يرزحون تحت فقر الدخل بمتوسط شهري يقل عن 137 ألف دينار. واستقر معدل البطالة عند نحو 15.5 بالمئة، أي ما بين 1.56 و1.86 مليون عاطل. هذا الفقر يحدث في بلد كان يضخ يومياً أكثر من أربعة ملايين برميل نفط، وتجاوزت إيراداته حاجز المائة مليار دولار سنوياً، ومع ذلك لا يتجاوز متوسط دخل الفرد النظري خمسة آلاف دولار.

فيما يفتقر العراقيون إلى أبسط خدمات الكهرباء والصحة والبلديات التي تنعم بها شعوب دول لا تملك معشار ثروات العراق. تؤكد منظمات وهيئات أممية ودولية وعراقية، وتقارير صحفية أمريكية، أن الاقتصاد العراقي نموذج مشوه للنهب الهيكلي الممنهج، حيث تتبخر أموال النفط في دهاليز الفساد الحزبي بدلاً من بناء رأس مال بشري. الثروة ليست ما تحت الأرض، بل ما فوقها وداخل العقول والمؤسسات. من هنا، فإن النفط يمنح سيولة مؤقتة لكنه لا يصنع ثروة. والخراب الممتد عبر عشرين عاماً قام على تشويهين بنيويين: الاعتماد الريعي المطلق والتفاوت الاجتماعي الحاد. وتعود هذه الهشاشة إلى غياب أركان أساسية أجهزت عليها الحكومات المتعاقبة منذ 2003:

- تآكل المعرفة ورأس المال البشري، حيث تحولت الجامعات إلى تفريخ مستمر لشهادات أضعف كفاءة، بينما ينزف البلد عقوله بمعدل هجرة مرتفع من المتخصصين.

- سياسة الريع وهيمنة القطاع العام (وتقويض القطاع الخاص) حولت المواطن من منتج إلى متلق ينتظر الحصة التموينية أو الوظيفة الحكومية التي تبتلع الميزانية التشغيلية، وعمقت الفجوة بين دخل حكومي مستقر وقطاع خاص مشلول.

- انهيار المؤسسات وحماية الفساد، في ظل غياب سلطة تحمي الملكية وتكافئ الكفاءة، حيث تشير تقارير إلى أن نسبة كبيرة من الميزانية تُسرَق أو تُهدَر أو تُهَرَّب!!

- السلاح المنفلت الذي فتت مؤسسات الدولة وقوض القانون، وما زال يعيق الإصلاح ومحاربة الفساد والبناء والاستثمار ويمارس قمع الحريات.

نتيجة ذلك؛ طبقة سياسية فاسدة تعيش في رفاهية وبذخ، ومعها جماعات مسلحة تحميها وإعلام يبرر خطاياها، مقابل طبقة وسطى متآكلة، وغالبية شعبية تعاني الفقر أو الفقر المدقع. العشرون سنة الماضية لم تشهد مجرد فشل حكومي، بل أبشع عملية نهب جماعي ممنهج. ثروات شعب يملك أكبر الاحتياطيات النفطية تُبدَّد وتُهرَّب عبر نظام محاصصة فاسد، تحولت فيه الميزانيات والمناقصات والنفط إلى غنيمة تتقاسمها الأحزاب الحاكمة والجهات النافذة والجماعات المسلحة. جزء يغذي شبكات فساد داخلية وآخر يصب في مشاريع خارجية على حساب حق وكرامة المواطن ومستقبل أجياله.

اليوم يدخل العراق رسمياً حالة العسرة المالية؛ كما يؤكد مسؤولون حكوميون وخبراء اقتصاديون، والحكومة العراقية تمر بأسوأ حالاتها. فبعد استشراء الفساد بدرجات ضخمة في الحكومات منذ 2003، وآخرها حكومة السوداني التي تُعَد الحكومة الأكثر فساداً بنظر سياسيين ومراقبين، ليس مفاجئاً أن تكشف الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي عن حجم الكارثة، فالأزمة التي يعيشها العراق، هي الأصعب بعد 2003، اقتصادياً وأمنياً وسياسياً، والتي تتمثل في:

- خزينة الدولة فارغة وفقاً لوزير الصحة العراقي. فيما أعلنت الحكومة العراقية أنه إذا استمرت الحرب إلى نهاية العام قد يضطر العراق إلى الاقتراض الخارجي.

- العراق بات غير قادر على تصدير نفطه، الذي هو المصدر الرئيسي ويكاد أن يكون الوحيد، بعد أن منعت الحرب الإقليمية تصديره عبر مضيق هرمز.

- عجز في تمويل الرواتب والنفقات التشغيلية شهرياً بين 6 و 7 تريليونات دينار منذ أيار، والأزمة تشتد مع دين داخلي وصل إلى ما يقارب 100 تريليون دينار أو أكثر.

- السلاح المنفلت ما زال يجلب مشاكل خطيرة ويعرقل خطط الإصلاح وإنقاذ البلاد.

وهكذا؛ فإن الفساد لم يعد استثناء، بل جزءاً من النظام؛ فالمناقصات فاسدة، والمشاريع وهمية، والمستثمرون يهربون، ومؤشر مدركات الفساد منخفض، فيما الطبقة السياسية ونخبة الأعمال المرتبطة بها تعيش رفاهية باهرة مقابل شعب يغرق في الفقر. في المقابل، أصبح العراقيون ينتظرون في نهاية كل شهر خبراً عن موعد صرف رواتبهم البائسة، في ظاهرة شبه معتادة تعكس هشاشة السيولة وتضخم القطاع العام دون إنتاجية. والأشد صدمة ما عُرف بـ«سرقة القرن»، حيث كشفت التحقيقات القضائية والبرلمانية الأخيرة في مايو 2026 أن حجمها ارتفع من تقديرات أولية نحو 2.5 تريليون دينار إلى نحو 8 تريليونات دينار (قرابة 5-6 مليارات دولار)، وارتبطت بأكثر من 30 شخصية بارزة من مسؤولين سابقين ورجال أعمال. وهذا يجسد قمة الاستهتار بأموال الشعب والدولة.

بالتالي، في ظل نموذج مالي متسيب، لا تكمن المشكلة في انخفاض أسعار النفط أو تراجع الصادرات وحدهما، بل في حكومات أنفقت بعبث لسنوات وكأن الإيرادات ستبقى مرتفعة إلى الأبد. العراق لا يعاني من نقص الموارد، بل من سوء إدارتها. لذلك، ينبغي على الحكومة الجديدة على الفور خفض الهدر، وضبط فاتورة الرواتب، وإيقاف التوظيف الوهمي، وقمع الفساد واسترداد الأموال المنهوبة، وتفكيك المكاتب الاقتصادية للأحزاب، وتنمية الإيرادات غير النفطية. فإن الدولة التي تعجز عن حماية إيراداتها وتنظيم إنفاقها لن تنقذها الاحتياطيات إلى الأبد، ولن يبقى الموظف والمواطن قادرين على دفع ثمن الفساد وسوء الإدارة إلى ما لا نهاية.

العراق ليس محكوماً عليه بالفقر الأزلي، فإن إمكانات النهوض وموارده لا تزال قائمة. لكن الخروج من هذا التناقض الخطير لن يمر عبر التوظيف العشوائي أو زيادة الرواتب الورقية (الوهمية)، بل بفرض دولة قانون تعتمد الكفاءة، تحاسب الفاسد، وتنحي الفاشل؛ دولة تحرص على كرامة شعبها وثرواته وأجياله القادمة. وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى العراق الشاهد الحي الأكبر على أن أعظم الثروات الطبيعية قد تتحول إلى كارثة إذا غابت العقول والمؤسسات .. أي حكومة تحاول إعادة إنتاج سياسات المحاصصة والعبث والفساد ذاتها لن تكون إلا إمعاناً في استنكار شعب بائس لطبقة سياسية أُتخِمت بالفساد وأمعنت بفشلها وافتضحت ببشاعة النهب، حتى لم يتبق في رصيدها شيء من المصداقية، وحفرت في ذاكرة العراقيين خطوطاً كالحة بظلمها وبؤسها. فلا عذر لمن أضاع الأمانة، والحساب التاريخي والرباني قادم لا محالة.

إن السؤال الذي يواجه العراق اليوم لم يعد: كم يبلغ سعر برميل النفط؟ ولا: كم سيبلغ حجم الموازنة المقبلة؟ وإنما سؤال أبسط وأخطر بكثير: هل توجد دولة بالمعنى الحقيقي للكلمة؟! فإن الدولة ليست حقول نفط، ولا موازنات سنوية، ولا آلاف القرارات الإدارية، وإنما مؤسسات تحمي المال العام، وقانون يطبق على الجميع، واقتصاد ينتج، وعدالة تمنح المواطن شعوراً بأن ثروات وطنه تعود إليه لا إلى شبكات الفساد.

لقد أثبتت التجربة العراقية خلال أكثر من عشرين عاماً أن أخطر ما يمكن أن يُنهب ليس النفط، بل الدولة نفسها. فإذا اختُطفت الدولة، أصبح نهب الإنسان نتيجة طبيعية، وتحوّل الوطن من مشروع حياة إلى مشروع انتظار؛ انتظار الكهرباء، وانتظار الوظيفة، وانتظار العلاج، وانتظار الراتب، ثم انتظار الخلاص. ولذلك فإن معركة العراق الحقيقية ليست معركة زيادة الإيرادات، بل استعادة الدولة؛ لأن الدولة العادلة وحدها هي القادرة على حماية الإنسان، وصيانة الثروة، وصنع المستقبل. وما لم يتحقق ذلك، فسيظل العراق مثالاً صارخاً على كيف يمكن لبلد يطفو فوق بحر من الثروات أن يغرق في بحر من الأزمات.