![]() |
|
العراق.. سؤال الدولة والإنسان | زيارة الأربعين والمسؤولية الأخلاقية تجاه الدولة والإنسان
موقع الإمام الشيرازي 20 / صفر / 1448هـ
العراق ليس مجرد جغرافيا تستقبل الملايين، بل هو "بلد الزائرين"؛ الأرض التي ينبض فيها كرم شعبٍ عراقي أبيّ، يفتح بيوته وقلوبه، ويقدم كل ما يملك طوعاً ومحبة، مجسداً أسمى مكارم الأخلاق وقيم الإنسانية والإيثار. هذا الشعب - صاحب أقدم حضارة إنسانية على وجه الأرض والمستضيف الأكبر لزوار الإمام سيد الشهداء - يستحق أعلى درجات الاحترام، والتقدير، والعرفان من كافة المؤسسات، انطلاقاً من التوجيه النبوي الذي يحدد ميزان العدل الإنساني: يقول نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله): "أعدل الناس من رضي للناس ما يرضى لنفسه، وكره لهم ما يكره لنفسه" (أمالي الصدوق: ج4 – ص27). ولكن، أين يتجلى هذا العرفان والتقدير في واقعٍ يعيش فيه هذا الشعب الكريم وسط تلال من الأزمات المتراكمة والمشاكل المتفاقمة؟ من الصادم والمؤلم لعقدين من الزمن، أن يُقابَل هذا النبل العراقي الخالص بسوء مأساوي في الخدمات الأساسية. كيف يُفسَر أن يعاني أهل النفط والغاز من انقطاع مستمر للكهرباء في هجير الصيف الحارق، وتهالك شبكات المياه، والصرف الصحي، وطرق الموت؟ وكيف يُترجَم هذا العرفان في ظل تدهور التعليم، وانهيار المنظومة الصحية، وتفاقم معدلات الفقر والبطالة بين شبابه؟ إن هذا الحيف والظلم الذي يصب على رؤوس العراقيين منذ أكثر من عشرين عاماً ليس مجرد فشل إداري؛ بل هو طعنة في خاصرة التضحيات، وإهانة لكرامة شعبٍ لم يبخل يوماً بالغالي والنفيس في سبيل عقيدته ومن أجل بلده، وهو واقع يستدعي التحذير الإلهي الصارم من عواقب استباحة حقوق المستضعفين: فقد قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾(الكهف: 59). كما يؤكد الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) هذا الرابط الحتمي بين الظلم الخدمي والاجتماعي وبين العقاب العام بقوله: "وما عذّب الله أمة إلا عند استهانتهم بحقوق فقراء إخوانهم" (بحار الأنوار: ج75 - ص279). وتتجلى المفارقة الأكبر هنا عند تذكر أن العراق هو موطن المرجعيات الدينية، والحوزات العلمية، والعتبات المقدسة، والمنابر الحسينية؛ البلد الأكثر عدداً عالمياً في القنوات والفضائيات والمناسبات الدينية. في الوقت أن جوهر النهضة الحسينية وقيمها الأصيلة قام على صرخة مدوية في وجه الظلم والفساد: "إني لم أخرج أشراً ولا بطراً.. وإنما خرجت لطلب الإصلاح" (بحار الأنوار: ج44 – ص 229). هنا ينبغي التذكير أن المؤسسة الدينية لا تقاس حيويتها بقدرتها على إطلاق التوجيهات وتوجيه الإرشادات وإنتاج القرارات فقط، بل بقدرتها على تصحيح ذاتها قبل أن تتراكم أخطاؤها. فإن المؤسسة - أية مؤسسة - التي لا تسمع لا تتعلم، والتي لا تتعلم تتصلّب، ومع الزمن تفقد علاقتها بالواقع وبالناس معاً. من هنا، لا يكون النقد خطراً على المؤسسات الحيّة، بل علامة من علامات عافيتها، شرط أن يُفهَم بوصفه أداة إصلاح لا وسيلة هدم. بناءً على هذا الأساس/المعيار، فإن الفساد السياسي والمالي والإداري المستشري في مفاصل الدولة يمثل النقيض الصارخ للقيم الحسينية. بالتالي، فإن المسؤولية الدينية والأخلاقية تفرض على المؤسسة الدينية بكافة مفاصلها ألا تقف موقف المتفرج أو العاجز، بل أن تمثل إرادة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي حدد ميثاق العلماء التاريخي والأخلاقي بقوله: "أَخَذَ اللهُ عَلَى العُلَمَاءِ أَلاَّ يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِم، وَلا سَغَبِ مَظْلُوم" (نهج البلاغة: خطبة 3). أي ألا يقرّوا للظالم على استئثاره بالحقوق وتجويعه للمستضعفين والمظلومين. كما يدعوهم (عليه السلام) إلى شجاعة الموقف والمكاشفة دون مجاملة للمتنفذين: "فَلاَ تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقٍّ، أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ" (نهج البلاغة: خطبة 216). وفي نفس الاتجاه، يقول الإمام الشيرازي الراحل (قدس سره): "عدم التفات المرجع الديني إلى صوت الناقدين المخلصين سيؤدي الى تراكم الأخطاء، وأحياناً يتسبب في انحراف المؤسسة المرجعية، الأمر الذي سيؤدي إلى خلق مشاكل عديدة ومعقدة ومنها انحراف الناس." في السياق، تحول الإعلام الشيعي عموماً - خلال العشرين سنة الماضية - الى أداة تبرير للسلطة، متراجعاً عن دوره الرقابي. فقد حضر عهد الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) لمالك الأشتر سابقاً كمعيار أخلاقي؛ عندما كان الشيعة خارج إطار الحكم/معارضة، لكن بعد أن وصل الشيعة الى مواقع الحكم والسلطة تراجع حضور ذلك العهد العَلَويّ الإنساني الخالد، على الرغم من أن هذا العهد لا يقتصر على كونه توجيهاً إدارياً من والٍ إلى عامله، بل يُعَد وثيقة تأسيسية فريدة في الفكر السياسي والأخلاقي، وثيقة عَلَويّة تؤسس لفكرة إنسانية الدولة، ويمكن النظر الى هذا العهد الكريم بوصفه أحد أقدم النماذج لما يشبه الدستور المكتوب القائم على كرامة الإنسان والعدالة الاجتماعية. ومن المفارقة، أن الإعلام الشيعي يصمت عن ظلم الشيعي داخل بلاد الشيعة، بينما ينتقد وينتفض إذا وقع ظلم على شيعي في بلدان الحاكمية فيها ليست شيعية، وهو مخالفة فجّة لآخر وصايا الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لولديه الإمامين السِبطَيْن الحسن والحسين (عليهم السلام): "كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً" (بحار الأنوار: ج42 - ص256). وهنا يفرض السؤال نفسه: هل الإعلام الشيعي يعمل بهذه الوصية العَلَويَة الإنسانية، أم إنه يدين الظلم فقط إذا صدر من "الآخر"، ويصمت أو يبرر إذا جاء من سلطة "من داخل الطائفة؟". بالتالي، فإن تحرر العراق "بلد أهل البيت وبلد الزائرين" من الواقع المأزوم والمتخم بالمشاكل المتفاقمة منذ أكثر من عشرين عاماً، والنصرة الحقيقية للشعب العراقي تتطلب موقفاً فكرياً ومؤسساتياً وخطابياً ومنبرياً وإعلامياً حاسماً يدعم هيبة الدولة "ككيان له مؤسسات وقانون والمُخوَّل الوحيد شعبياً"؛ فالعراق للعراقيين، وثرواته ملكهم، ولا يمكن بناء وطن كريم دون قانون يُطبَّق على الجميع دون استثناء. كما تفرض المسؤولية الشرعية والأخلاقية هنا إسناد الدولة في احتكار السلاح، فلا سلاح خارج إطار أجهزة الدولة الرسمية، ولا حصانة لعناوين حزبية أو طائفية تستتر بالغطاء الديني لتنهب الأموال العامة وتحتمي من الحساب. إن الحفاظ على هذا الوطن وبنائه هو أمانة سيُسأل عنها الجميع أمام الله تبارك وتعالى، حيث يقول عز وجل: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(الحجر: 92). ويقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): "اتقوا الله في عباده وبلاده فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم" (نهج البلاغة: خطبة 167). وفي إطار حماية هذا الشعب من استمرار التضليل، يبرز دور الوعي المجتمعي لفرز نوعين من الخطاب، وتوجيه الأمة لاتباع الخطاب التنموي العملي عملاً بالآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾(الزمر: 18): * الخطاب الحسيني التنموي الأصيل: وهو الذي كما يقدم للناس الإسلام وقيم أهل البيت (عليهم السلام)، ينبغي له أن يتبنى قضايا الناس المعيشية والحياتية، لما لهذه القضايا من تأثير بالغ على كرامة الإنسان وحقوقه، وأن يتحدث بلغة الحقوق الدستورية الثابتة والمشاريع المستدامة التي ترفع الحيف عن كاهل المواطن طوال العام، ويقرن القول بالعمل الصالح البنّاء مستلهماً قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾(التوبة: 105). يقول الإمام الشيرازي الراحل (قدس سره): "على رجل الدين أن يهتم بحل مشاكل الناس، ويُنصِّب مِن نفسه قائماً على شؤونهم، فرجل الدين إنما وُجِد للدين والدنيا معاً، والناس يلتفون حول مَنْ يحل مشكلاتهم أكثر من التفافهم حول أي شخص آخر، ولهذا ورد في الأحاديث المتواترة الحثُّ على قضاء حوائج الناس." * الخطاب الاستغلالي (الشعاراتي): وهو الذي يتستر بالمشاعر والعواطف الدينية الموسمية ليبرر الفشل والفساد، ويحول حقوق المواطن الأساسية إلى "مكرمات"، مستخدماً العناوين الدينية كدرع لحماية مصالح نخب سياسية فاسدة تسعى للعلو في الأرض بالباطل، متناسية الوعيد القرآني: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾( التوبة: 105). على هذا النحو؛ فإن إكرام "بلد الزائرين" وأهله الكرام الأوفياء لا يكون بالمديح اللفظي والشعارات المستهلكة، بل بالوفاء العملي الذي يضمن لهم العيش الرغيد والحياة الكريمة فوق أرضهم وبثرواتهم. وهكذا؛ فإن العرفان الحقيقي هو أن تتحول الصرخة الحسينية ضد الفساد إلى واقع تشريعي ورقابي يقتلع جذور السرقة والفشل، ليعود العراق كما كان على مدى قرون.. منارة للحضارة، والكرامة، والعدالة الاجتماعية التي تليق بشعب الكرم والصبر والبطولة، الذي كان ومازال خزيناً حسينياً ينشر قيم كربلاء حيثما كان؛ سواء في الوطن أو المهجر. |