![]() |
|
دور المجتمع المدني عند ضعف الدولة أو فشلها
موقع الإمام الشيرازي 27 / صفر / 1448
عندما تضعف الدولة وتفشل أو تفسد وتنهار مؤسساتها، يستشري الفساد، وتظهر الفوضى، وتتفاقم المخاطر على المجتمع، من المعاناة الى الظلم والعنف وانتهاك الكرامة وخراب الحياة إلى تدهور القيم والأخلاق. وفي الحالة هذه، يجدر بالمجتمع المدني أن يبرز كقوة مجتمعية لتحد من الانهيار أو تعيد تشكيل النظام الاجتماعي، وصولاً الى دفع المجتمع للإصلاح والتغيير. فشل الدولة، أو انهيار مؤسساتها السياسية والاقتصادية والأمنية، يؤدي إلى فراغ في الحوكمة يطلق العنان لعدد من المخاطر؛ فإن غياب السلطة المركزية يفتح الباب أمام انتشار الجريمة، وتغول المجاميع المسلحة، وتوفير أرضية لتأجيج الصراعات الأهلية. كما أنه بفشل الدولة تضعف الخدمات الحياتية مثل الرعاية الصحية، والتعليم، والبنية التحتية. وعندما تضعف أو تفشل مؤسسات الدولة يتشوه التدين، وتنحسر القيم وتتقوض الأخلاق؛ حيث غياب القانون عادة يؤدي إلى تفشي الفساد، واستغلال الضعفاء، وتراجع التضامن الاجتماعي. كما أن الفوضى التي تبرز عند فشل الدولة تؤدي عادة إلى تدمير المدن والبنية التحتية، وقبلها خراب الإنسان. المجتمع المدني؛ هنا، بما يشمل من منظمات غير حكومية وتنظيمات أكاديمية وثقافية وجمعيات محلية ومبادرات شعبية وفعاليات دينية، يلعب دوراً حاسماً في التخفيف من مخاطر فشل الدولة. على هذا، يمكن تلخيص هذا الدور في النقاط التالية: * ملء الفراغ في تقديم الخدمات؛ فعندما تنهار مؤسسات الدولة، يتولى المجتمع المدني غالباً مسؤولية تقديم الخدمات الأساسية. على سبيل المثال، في لبنان خلال الحرب الأهلية (1975-1990)، قامت منظمات المجتمع المدني، بما في ذلك الجمعيات الخيرية والمنظمات الدينية، بتوفير الغذاء، والإيواء، والرعاية الصحية للنازحين في ظل غياب الدولة الفعالة. على سبيل المثال، لعبت منظمات مثل "الصليب الأحمر اللبناني" دوراً كبيراً في تقديم المساعدات الإنسانية. * تعزيز النظام المحلي ومنع الفوضى؛ إذ يمكن للمجتمع المدني إنشاء هياكل تنظيمية بديلة للحفاظ على النظام في المجتمعات المحلية. على سبيل المثال، في رواندا بعد الإبادة الجماعية عام 1994، لعبت المنظمات المحلية والمجتمعية دوراً في إعادة بناء النسيج الاجتماعي من خلال لجان المصالحة المحلية (Gacaca)، التي ساعدت في حل النزاعات وإعادة دمج الناجين والجناة في المجتمع. * حماية القيم والأخلاق؛ حيث إن المجتمع المدني يعزز التضامن الاجتماعي ويمنع انهيار القيم في أوقات الأزمات. على سبيل المثال، في جنوب إفريقيا خلال نظام الفصل العنصري (1948-1994)، لعبت منظمات المجتمع المدني، مثل "المؤتمر الوطني الإفريقي" والمنظمات الدينية، دوراً في الحفاظ على قيم المساواة والعدالة، رغم قمع الدولة. * الوساطة وإدارة الصراعات؛ إذ أن المجتمع المدني يمكن أن يكون وسيطاً بين الأطراف المتحاربة، مما يقلل من العنف. على سبيل المثال، في كولومبيا خلال الصراع مع قوات "فارك" (1964-2016)، لعبت منظمات المجتمع المدني دوراً في التفاوض على هدنات محلية وإيصال المساعدات إلى المناطق المتضررة، مما ساعد في تقليل الخسائر البشرية. مع ذلك، بالرغم من دوره الحيوي، يواجه المجتمع المدني تحديات كبيرة في سياقات فشل الدولة أو الضعيفة وبروز الفوضى مثل الضعف الهيكلي؛ فإنه في بعض الدول، يكون المجتمع المدني مجزأً بسبب الانقسامات، مما قلل من فعاليته. أيضاً، قد تتعرض المنظمات المدنية المحلية للتهديد من جماعات مسلحة أو جهات متطرفة. كما أن اعتماد العديد من المنظمات على دعم مدني (دولي أو أممي)، قد يحد من استقلاليتها أو يعرضها لانتقادات. وعلى هذا النحو، فإن تفعيل دور وقدرة المجتمع المدني ليس الغرض منه أن يكون بديلاً كاملاً عن الدولة، لكنه يمثل قوة مرنة قادرة على التخفيف من مخاطر فشل الدولة وانتشار الفوضى. عليه، فإن نجاحه يعتمد على قوته التنظيمية، وحياده، ودعم المجتمع المحلي. وهكذا؛ فإن فشل الدولة يشكل خطراً وجودياً على المجتمعات، حيث يؤدي إلى الفوضى، والعنف، وتدهور القيم والأخلاق. مع ذلك، يبرز المجتمع المدني كعامل استقرار من خلال تقديم الخدمات، وحماية القيم، وإدارة الصراعات. في الوقت نفسه، يبقى المجتمع المدني ركيزة أمل في مواجهة التحديات التي تفرضها الفوضى، لكنه يحتاج إلى بيئة داعمة؛ بيئة مجتمعية واعية بمسؤوليتها الوطنية والأخلاقية والمجتمعية والدينية والإصلاحية تجاه الناس، قبل أي شيء آخر، وإن "خير الناس أنفعهم للناس". |