![]() |
|
|
متى تستعيد الموعظة معناها؟
موقع الإمام الشيرازي 18/ ربيع الآخِر/ 1448
أخطر ما نفعله بالأجيال أن نطالبها بأن تكون أفضل من واقعها، من دون أن نمنحها نماذج تثبت أن الأفضل ممكن
ليس أخطر ما يمكن أن يحدث لجيل أن يجهل الصواب، بل أن يعرفه جيداً ثم يكتشف أن الحياة لا تكافئه عليه. هنا تبدأ أزمة القدوة. فالأجيال الجديدة لا تعيش في فراغ، إنها تراقب العالم من حولها بدقة شديدة، وتقارن بين ما يقال لها وما تراه. وحين يسمع الطالب عن النزاهة، ثم يرى أن الطريق إلى الفرصة قد يمر عبر الواسطة، وحين يُطلب منه الاجتهاد بينما يلمح نجاحاً بلا كفاءة، فإن المشكلة لا تعود في ضعف الموعظة، بل في قوة الواقع المضاد لها. الأزمات السياسية والاقتصادية تزيد هذه المسافة اتساعاً. فإن الاضطراب يضعف الثقة، والضيق الاقتصادي يعيد ترتيب الأولويات، وتراجع الأمل يجعل المكسب السريع أكثر إغراءً من الطريق الطويل. وفي هذه البيئة تصبح القدوة سلعة نادرة، لأن الناس لا يبحثون عمن يتحدث عن المبادئ، بل عمن يثبت أن المبادئ قابلة للحياة. وهنا تحديدا تتجاوز المسؤولية المدرسة. فالمعلم لا يستطيع وحده أن يقنع طالباً بقيمة العلم إذا كان المجتمع يرفع من شأن المال أكثر من المعرفة. والإعلام لا يستطيع أن يبني وعياً ناضجاً إذا جعل الشهرة معيارا للنجاح، والنخبة لا تستطيع إقناع الناس بالمسؤولية إذا لم تكن سلوكياتها العامة نموذجاً لها. المطلوب إذن ليس المزيد من المواعظ، بل إعادة بناء البيئة التي تجعل السلوك الصحيح ممكناً ومجديا ومرئياً، وحين يصبح الواقع نفسه درساً، لن تنجح الموعظة في تصحيحه، وحدها القدوة تستطيع ذلك. ولعل أخطر ما نفعله بالأجيال أن نطالبها بأن تكون أفضل من واقعها، من دون أن نمنحها نماذج تثبت أن الأفضل ممكن. فإن القدوة مسؤولية مجتمع بأكمله، تبدأ من طريقة تطبيق القانون، وتمر بنزاهة المؤسسة، وعدالة الفرص، واحترام الكفاءة، وتنتهي بصورة الإنسان الناجح التي نضعها أمام أبنائنا. فإذا كان الصالح يُهمش، والمجتهد يُحبط، والنزيه يدفع ثمن نزاهته، ثم طلبنا من الشباب أن يتمسكوا بالقيم، فنحن لا نربيهم على الفضيلة بقدر ما نضعهم أمام اختبار قاسٍ لجدوى الفضيلة. أما حين يرون القانون يسري على الجميع، والكفاءة تتقدم على المحسوبية، والعمل الجاد يصنع مكانة، والنزاهة تحظى بالاحترام، فإن القيم تتحول من شعارات إلى خيارات قابلة للحياة. عندها فقط تستعيد الموعظة معناها، لأنها لن تكون كلاما معلقا في الهواء، بل تفسيرا لواقع يراه الناس بأعينهم. * (كاتب وصحافي عراقي) |