المرأة التي قادت الرجال زينب بنت علي بن أبي طالب


 

زهير كاظم عبود

 

مـوقــع الإمــام الشــيرازي

17/المحرم الحرام/1429

سجل التاريخ أسماء نساء خالدات وقفن مواقف تميزن بها، وذكرها التاريخ بكل وقار وتبجيل، وتنوعت هذه المواقف بين الثبات على المبادئ والصبر والشجاعة والبلاغة والنبوغ، وبين قوة الشخصية والجهاد في سبيل المبادئ والحقوق، ولم يخل عصر من العصور من تلك النابغات والحكيمات والشاعرات والمشاركات في الثورات والمساهمات في إمدادها والعمل في صفوفها، ولم تخل صفحات التاريخ من تلك النساء الملتزمات بالعقيدة، كما لم تخل الحركات السياسية على امتداد التاريخ من مواقف لنساء صعدن الى المشانق وهن يزغردن من أجل نصرة الحق والمبادئ .

ورغم ان المؤرخين العرب كتبوا العديد من كتب السيرة وأخبار الرجال وتعرضوا أيضاً لأخبار النساء، كتاريخ اليعقوبي والطبري ومروج الذهب وأبن الأثير ومقاتل الطالبيين والأغاني وغيرها وخاضوا في الحوادث والأسماء، وتنوعوا في هذه الكتابات تبعاً لسطوة السلطان وإرادة الحاكم، وبين الكتابة بضمير مفتوح وتجرد تدعو إليه الكتابة التاريخية المجردة والمنصفة.

غير أن المرارة أحيانا تظهر في عدم إنصاف تلك الأسماء التي لا تستحق إلا المجد والخلود والانحناء لتلك الأسماء التي سجلت المواقف المشرفة التي دونها التاريخ بصفحات مضيئة.

ولم يغبن التاريخ رمزاً كبيراً واسماً ساطعاً في التاريخ العربي والإسلامي مثلما غبن العقيلة زينب بنت علي بن أبي طالب (عليها السلام)، فقد ذكرها المؤرخون بأسطر قليلة أو بصفحات لا تفي بالغرض المطلوب ولا تتساوى مع قامتها المديدة وتأريخها المشرف، لو لا التفاتة العلامة السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي (رحمة الله عليه) الذي خصها بكتيب يليق بسيرتها ومقامها وأعقبه الشيخ محمد جواد مغنية في كتابه (مع بطلة كربلاء)، وتأتي كتابة السيدة الجليلة بنت الشاطيء - الدكتورة عائشة عبد الرحمن (طيب الله ثراها) سفراً خالداً يؤرخ حياة الإنسانة المناضلة والرمز الثوري النسوي الخالد العقيلة زينب في كتابها القيم (بطلة كربلاء) الذي يعد من أجمل المراجع التاريخية وأكثرها ثراء ووصفاً لحياة العقيلة، غير اننا لا ننسى الالتفاتات الجميلة لجزء من سيرة تلك المرأة التي أوردها: جرجي زيدان, وعلي أحمد الشلبي, والسيد علي الهاشمي, والسيد محمد بحر العلوم, وأخيراً ما تضمنه كتاب السيد خالد محمد خالد من فصل صغير خصصه في كتابه للعقيلة زينب، مع اننا لم نزل نطمح لكتاب تاريخي يؤرخ بحق حياة هذه الإنسانة التي نذرت نفسها لحياة الكفاح والمواجهة والجهاد والتضحية.

لذا فإن المكتبة العربية اليوم بحاجة الى كتاب يتضمن سنوات شبابها وبروز دورها الثقافي والإنساني والريادي في الفقه والحديث والتاريخ والشريعة الإسلامية، ثم بعد ذلك تفصيل لكل الأحداث التي كانت طرفا فيها، بالإضافة الى حقيقة مرقدها الشريف المختلف عليه بين البقيع والشام ومصر.

لقبت بالعقيلة، وكانت بحق عقيلة بني هاشم، وعقيلة الطالبيين ـ والعقيلة كما تذكر قواميس اللغة المرأة الكريمة بين قومها، والعزيزة المكرمة في بيتها، وزينب بنت علي ابن أبي طالب بالإضافة لكل ما ذكر فهي الواثقة من شخصيتها، والعارفة بين أهلها وقومها، والعالمة الجليلة المتعلمة على يد أبيها وجدها، والفاضلة الكاملة التي تعبر بحق عن خلق البيت العلوي، والزاهدة المتعبدة التي برهنت على ذلك الإيمان في أحلك لحظات عمرها، وغير ذلك من الصفات الإنسانية التي ميزتها عن غيرها من نساء جيلها.

وزينب أول بنت ولدت لفاطمة وعلي (عليهما السلام)، وكانت ولادة هذه الإنسانة الطاهرة في الخامس من شهر جمادى الأولى في السنة الخامسة للهجرة.

هي ثالثة أحفاد الرسول من ابنته فاطمة الزهراء ومن الإمام علي بن ابي طالب والتي أسماها الرسول بنفسه (زينب)، كانت لصيقة أبيها وبعد أن فقدت أمها وجدها في عام واحد تحملت مسؤولية البيت، فصارت أماً واختاً لتلك العائلة، وأخذت دور فاطمة الزهراء أمها، وكانت متابعة أمينة لما تتطلبه منها الحياة من موجبات المعرفة والدين فكانت مرجعاً وملاذاً ليس لأقرانها إنما حتى لمن كان أكبر منها سناً.

تزوجها ابن عمها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وكان مشهوراً بالسخاء والشجاعة، وهو ابن جعفر الطيار المشهور بذي الجناحين, وكانت تحفظ الكتاب المجيد وتقوم بشرحه وتبسيطه، وعلى دراية تامة بأحاديث الرسول (ص) وسيرته وبسيرة أبيها علي بن ابي طالب (ع).

مرت على زينب الإنسانة العديد من الأحداث التي تؤثر في النفس وتهزها من وفاة جدها وأمها, وموقعة الجمل وصفين, ومقتل أبيها غدراً واغتصاب حق أخيها الحسن في الخلافة الى مقتل الصحابة والأهل والأحبة، وحضورها تلك المواقع والمعارك الحاسمة.

كانت تراقب الفتنة وحال الأمة بنظرات مليئة بالحكمة الثاقبة ومعرفة ما سيؤول إليه الحال، وكانت كثيراً ما تحدثت عن الخراب الذي سيحل وعن الفتنة التي ستحل بين الأمة، وعن الفئة الباغية التي ستنتصر.

وفي واقعة عاشوراء الدامية والأليمة, وقد أصر الإمام أبو الأحرار الحسين (عليه السلام) على الخروج الى العراق لمواجهة الطاغية الباغي يزيد، حيث لا يمكن أن يقر الإمام أبي عبد الله الحسين ليزيد بن معاوية اقرارا واعترافاً أنه صار أميراً للمسلمين .. عزمت العقيلة (ع) الخروج معه فهي أمينة سره، وسار معها ومع ركب سيد الشهيد الحسين أولادها عون ومحمد وهما يعلمان المصير والنتائج، لكنهما لم يباليا بذلك من أجل أن تبقى كلمة الحق عالية وشامخة .. لقد بر محمد وعون بخالهما حين بذلا روحيهما فداء له في معركته العادلة وأمام مرأى ومسمع أمهما التي كانت تزيدهما ثباتاً وتماسكاً، وكانت تحثهما على مواصلة الجهاد في سبيل الحق.

ولن نتحدث بإسهاب عن واقعة كربلاء فقد تعرض لها الكتاب الأجلاء وأشبعوها تصويراً وتحليلاً، الأمر الذي ينبغي أن يتم الالتفات إليه جانب من أحداث تلك المعركة، المتمثل في القيادة النسوية وخصوصاً ذلك الجانب المسكوت عنه في قافلة الحسين، حيث أنيط بالعقيلـة زينب مسؤولية ذلك الامتداد التاريخي الثوري الذي زرعها في روحها أبيها الثائر والزاهد والفقيه علي بن أبي طالب (ع)، فكانت المرشد والمعلم والمرجع, ومن يهدىء روع الخائفين وفزع الفازعين ووجل الأطفال وهلع النسوة، فكانت تكتم وجعها وأملها في أهلها ورمزها شقيقها القدوة الأمام الحسين، وكانت تجسد الثبات والصبر في تلك اللحظات الحاسمة، متيقنة من ثباتها على الحق والإصرار على الانتصار للمبادئ مهما كلف الأمر.

وبعد أن انتهت واقعة كربلاء بعد الزوال في العاشر من محرم تنكبت العقيلة مسؤولية البيت العلوي, وحملت الراية وهي تنظر للأشلاء الممزقة والرؤوس المقطوعة والجثث المبعثرة، ولم تقل سوى " ليت السماء أنطبقت على الأرض ".. وبدأت معركتها الجهادية التي سجلت بها موقفها النموذجي في الشجاعة والثبات والجرأة والتمسك بالمبادئ، فقد جمعت كل هذه الخصال في كلمة وسط تجمع الرجال الأعداء، وشعرت أنها كالعملاق حين يخاطب الأقزام، وشعرت أنها تصعد الى الأعالي وأمامها سلطان يتهاوى الى الدرك والحضيض، لذا تركت عاطفتها وأمومتها، وتقلدت ما تعلمته من مبادئ لتبدو ان روحها غير منهزمة وأن بدت منهكة ومتعبة من سفرها وبدت غير ذليلة فهي مع الحق وسلطانها يقف في دائرة الباطل.

وحين يستفزها ابن زياد بقوله لها:" إن الله فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم "، قالت له: " الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) ".

وفي دار الطاغية في مقر الأمارة, تحدت السلطان, ووقفت وقفتها الشهيرة التي اهتزت لها أركان السلطان وتنبأت العقيلة في خطبتها بنهاية للطاغية وبعذاب كبير للظالم الفاجر،إذ قالت في حضرة السلطان: " أظننت يا يزيد ـ حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبحنا نساق كما تساق الأسراء ـ أن بنا هواناً على الله وبك عليه كرامة، وأن ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك، تضرب أصدريك فرحاً، وتنفض مذوريك مرحاً، جذلان مسروراً، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة، والأمور متسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلاً مهلاً، أنسيت قول الله تعالى: (ولا تسحبن الذين كفروا انما نملي لهم خير لأنفسهم، انما نملي لهم ليزدادوا اثماً ولهم عذاب مهين) .. أمن العدل يا ابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله سبايا، قد هتكت ستورهن، وأبديت وجوههن، تحدو بهن الأعداء من بلد الى بلد، ويستشرفهن أهل المناهل والمعاقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والدني والشريف، ليس معهن من حماتهن حمي ولا من رجالهن ولي، وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء، وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن، والإحن والأضغان ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم: لأهلوا واستهلوا فرحاً ثم قالوا يا يزيد لا تشل منحنياً على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك وكيف لا تقول ذلك، وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأقة، بإراقتك دماء ذرية محمد (صلى الله عليه وآله) ونجوم الأرض من آل عبد المطلب, وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم فلتردن وشيكاً موردهم, ولتودن أنك شللت وبكمت, ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت, اللهم خذ لنا بحقنا، وانتقم ممن ظلمنا، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا، وقتل حماتنا.. فو الله ما فريت إلا جلدك، ولا حززت إلا لحمك، ولتردن على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما تحملت من سفك دماء ذريته وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم، ويلم شعثهم، يأخذ بحقهم (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) .. وحسبك بالله حاكماً، وبمحمد (صلى الله عليه وآله) خصيماً، وبجبرائيل ظهيراً، وسيعلم من سول لك ومكنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلاً وأيكم شر مكاناً، واضعف جنداً .. ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك، إني لأستصغر قدرك واستعظم تقريعك، واستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى، والصدور حرى .. ألا فالعجب كل العجب، لقتل حزب الله النجباء، بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الأيدي تنطف من دمائنا، والأفواه تتحلب من لحومنا, وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل، وتعفرها أمهات الفراعل ولئن اتخذتنا مغنماً، لنجدنا وشيكاً مغرماً، حين لا تجد إلا ما قدمت يداك وما ربك بظلام للعبيد، والى الله المشتكى وعليه المعول .. فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فو الله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين .. والحمد لله رب العالمين، الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا"، وأشعلت (ع) بخطبتها تلك من وسط دار الأمارة في دمشق شرارة الثورة التي قادتها إمرأة سجل لها التاريخ العربي والإسلامي باعتزاز وفخر كبيرين مواقف وثبات جديرين بالدراسة والتقليب.

إن السنوات التي قضتها العقيلة بعد استشهاد أخيها الحسين (يختلف المؤرخون وكتاب التاريخ في المدة) فقد كانت قائدة الثورة والمحرض الأساس للانتفاضة على الدولة الأموية، تهز أركانها, وتقوض دعاماتها الواهنة، وهي مستمرة في أداء رسالتها الجهادية, وانتقلت الثورة التحريضية تتحول بعدها الى شرارات أشعلت مضاجع الطغيان الأموي.

وبقيت زينب ذلك الرمز النسوي الجهادي نورساً تفتخر به الأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء، ونورساً في دروب الظلمة ومشعلاً يهتدي به الثوار والمناضلين من أجل العقيدة والمبادئ.

وبقيت زينب بنت علي أمينة ووفية على مبادئ أبيها وشقيقها التي آمنت بها بحق لكونها كانت تمثل الصلاح والخير للناس وتدعو الى المساواة وكرامة الإنسان، ولكونها كانت في جانب أنصاف الفقراء والمعوزين والمظلومين، تلك المبادئ التي حرص عليها علي بن أبي طالب (ع)، وعلمها لآل بيته ومحبيه وسعى الى انتشارها كقيم إنسانية واسعة، فقد بقيت تلك الشرارة متوهجة يتذكرها التاريخ والناس بتقدير وتبجيل واحترام كرمز من رموز العطاء الإنساني, ونموذج لمواقف المرأة في الثورات والانتفاضات والحركات السياسية على مر العصور، وكذلك في الثبات على المبادئ والإصرار على الوقوف مع الحق.