![]() |
|
|
في ذكرى استشهاد راهب بني هاشم .. الامام موسى بن جعفر (ع)
موقع الإمام الشيرازي 25/رجب/1429 تمر هذه الأيام ذكرى استشهاد الامام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) والذي يصادف 25 رجب، وهو الإمام السابع من بين الأئمة الإثني عشر الذين بشر بهم رسول الله (ص) حين قال: "تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبداً", وكانت ولادته في الأبواء بقرب المدينة المنورة سنة 128هـ, وذلك في أيام حكم عبد الملك بن مروان. يقول المؤرخون ان حياة الإمام موسى بن جعفر (ع) تشع بالنور والجمال والخير، وتحمل العطاء السمح، والتوجيه المشرق للأمة. راهب بني هاشم إن حياة الإمام موسى الكاظم (ع) بجميع أبعادها تتميز بالصلابة في الحق، والصمود أمام الأحداث، وبالسلوك النير الذي لم يؤثر فيه أي انحراف أو التواء، وإنما كان متسماً بالتوازن، ومنسجماً مع سيرة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وهديه واتجاهه، والتزامه بحرفية الإسلام. وكان من بين تلك المظاهر الفذة التي تميزت بها شخصيته هو الصبر على الأحداث الجسام، والمحن الشاقة التي لاقاها من طغاة عصره، فقد أمعنوا في اضطهاده، والتنكيل به، وقد أصر طغاة عصره على ظلمه فعمدوا إلى اعتقاله وزجّه في ظلمات السجون، وبقي فيها حفنة من السنين يعاني الآلام والخطوب. ولم يؤثر عنه أنه أبدى أي تذمر أو شكوى أو جزع مما ألم به، وإنما كان على العكس من ذلك يبدي الشكر لله، ويكثر من الحمد له على تفرغه لعبادته، وانقطاعه لطاعته. فكان على ما ألمّ به من ظلم واضطهاد من أعظم الناس طاعة، وأكثرهم عبادة لله تعالى، حتى بهر هارون (الرشيد) بما رآه من تقوى هذا الإمام وكثرة عبادته فراح يبدي إعجابه قائلاً: (إنه من رهبان بني هاشم). ولما سجن في بيت السندي بن شاهك، كانت عائلة السندي تطلّ عليه فترى هذه السيرة التي تحاكي سيرة الأنبياء، فاعتنقت شقيقة السندي فكرة الإمامة، وكان من آثار ذلك أن أصبح حفيد السندي من أعلام الشيعة في عصره. إنها سيرة تملك القلوب والمشاعر فهي مترعة بجميع معاني السمو والنبل والزهد في الدنيا والإقبال على الله. لقد كانت سيرة الإمام موسى بن جعفر مناراً نستضيء بها حياتنا. ومن ظواهر شخصيته الكريمة هي السخاء، وإنه كان من أندى الناس كفاً، وأكثرهم عطاءً للمعوزين. لقد قام الإمام موسى (عليه السلام) بعد أبيه الإمام الصادق (عليه السلام) بإدارة شؤون جامعته العلمية التي تعتبر أول مؤسسة ثقافية في الإسلام، وأول معهد تخرجت منه كوكبة من العلماء, وقد قامت بدور مهم في تطوير الحياة الفكرية، ونحو الحركة العلمية في ذلك العصر، وامتدت موجاتها إلى سائر العصور وهي تحمل روح الإسلام وهديه، وتبث رسالته الهادفة إلى الوعي المتحرّر واليقظة الفكرية، لقد كان الإمام موسى (عليه السلام) من ألمع أئمة المسلمين في علمه، وسهره على نشر الثقافة الإسلامية وإبراز الواقع الإسلامي وحقيقته. كاظم الغيظ ويضاف إلى نزعاته الفذّة التي لا تُحصى, حلمه وكظمه للغيظ، فكان الحلم من خصائصه ومقوماته، وقد أجمع المؤرخون أنه كان يقابل الإساءة بالإحسان، والذنب بالعفو، شأنه في ذلك شأن جدّه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وقد قابل جميع ما لاقاه من سوء وأذى، ومكروه من الحاقدين عليه، بالصبر والصفح الجميل حتى لقب بالكاظم وكان ذلك من أشهر ألقابه. قال المأمون وكان متعجّباً من إكبار أبيه لموسى بن جعفر وتقديره له قال: كنتُ أجرأ وُلد أبي عليه فقلت لأبي يا أمير المؤمنين، من هذا الرجل الذي أعظمته وأجللته، وقمتَ من مجلسك إليه فاستقبلته وأقعدته في صدر المجلس، وجلست دونه؟ ثمّ أمرتنا بأخذ الرّكاب له؟ قال: هذا إمام الناس، وحجّة الله على خلقه وخليفته على عباده، فقلت: يا أمير المؤمنين، أو ليست هذه الصّفات كلّها لك وفيك؟ فقال: أنا إمام الجماعة في الظاهر والغلبة والقهر، وموسى بن جعفر إمام حقّ، والله يا بُني إنّه لأحقّ بمقام رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) منّي ومن الخلق جميعاً، والله لو نازعتني هذا الأمر لأخذتُ الذي فيه عيناك، فإنّ الملك عقيم) . ظلمات السجون يشير المؤرخون الى ان الامام الكاظم (عليه السلام) يمتلك صفات مميّزة، ونزعات فذّة في سلوكه الشخصي والاجتماعي بلغ بها أعلى الدرجات, وهي الصبر على المحن والخطوب المبرحة والمستمرة التي لاقاها من طغاة عصره، فقد أمعنوا في اضطهاده والتنكيل به، فاعتقله هارون (الرشيد) وزجه في ظلمات السجون زمناً طويلاً، ثم حجبه عن جميع الناس ولم يسمح لأحد بمقابلته، ومع هذا كله، لم يظهر أنه أبدى أي تذمّر أو سأم أو شكوى، وإنما حسب ذلك من ضروب النعم التي تستحق الشكر لله لتفرغه لعبادته، وانقطاعه لطاعته، فكان وهو في السجن يقضي نهاره صائماً، وليله قائماً. وهو جذلان بهذه المناجاة، وبهذا الاتصال الروحي بالله العزيز الرحيم وهذا ما أجمع عليه المترجمون فقالوا انه كان من أعظم الناس عبادة، وأكثرهم طاعة لله، حتى أصبح له ثفنات كثفنات البعير من كثرة السجود، كما كانت لجده الإمام السجاد من قبل فلقب بذي الثفنات، وقد أدلى الفضل بن الربيع بحديث له عن عبادته (عليه السلام) حينما كان سجيناً في داره. فماذا نستطيع تعليل هذا الصبر؟ لم يكن سوى الإيمان العميق بالله تعالى، والتجرد من هذه الدنيا الفانية، والإقبال على الدار الآخرة. حتى أن هارون بهر بما رآه من تقوى الإمام وكثرة عبادته، وتحمّله هذه الخطوب الثقيلة بصبر وهدوء. وقد تجلّى ذلك الصمود الفذ عند الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) بإصراره البالغ على شجب سياسة هارون (الرشيد)، وعدم الاعتراف بشرعية خلافته، فأصرّ على هذا الموقف الشريف حتى لفظ أنفاسه الأخيرة في السجون، فلم يصانع، ولم يدار أحداً منهم، ولو سايرهم لأغدقوا عليه الأموال الطائلة ليسكتوا صوت الحق في صدره, لكنه آثر رضى الله وطاعته على كل شيء، وأبى إلا أن يساير موكب الحق، ولا يشذ عما جاء به الإسلام من مقارعة الظلم، ومقاومة أئمة الجور والطغيان مهما كلّف الثمن. وقد حاول يحيى البرمكي (رئيس حكومة هارون) أن يتوسّط في أمر إطلاق سراح الإمام من السجن، شرط أن يعتذر لهارون ويطلب منه العفو حتّى يخلّي سبيله، فأصرّ الإمام (عليه السلام) على الامتناع وعدم الاستجابة له. هذا ما تميز به موقف الإمام الكاظم (عليه السلام) بالشدّة والصمود مع هارون وغيره من ملوك عصره، وهو موقف أبيه وجده من قبله والأئمة المعصومين الذين عبّر عن موقفهم سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) فقال: (إني لم أخرج أشراً ولا بطراً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي). دائرة معارف كاملة والإمام الكاظم (عليه السلام) دائرة معارف كاملة، فقد أجمع الرواة انه كان يملك طاقات هائلة من العلم، ومخزوناً فكرياً غنياً جداً بمختلف المعارف. يقصده العلماء والرواة من كل حدب وصوب لينهلوا من نير علمه، وكان لا يفتي بحادثة إلا بادروا إلى تسجيلها وتدوينها، فرووا عنه مختلف العلوم والأبحاث، وبصورة خاصة فيما يتعلّق بالتشريع الإسلامي. وما يجدر ذكره ما قام به الإمام الكاظم (عليه السلام) بعد أبيه الإمام الصادق (عليه السلام) من إدارة شؤون جامعته العلمية التي تعتبر أول مؤسسة ثقافية في الإسلام، وأوّل معهد تخرجت منه كوكبة من كبار العلماء، في طليعتهم أئمة المذاهب الإسلامية. فالإمام الشافعي يعتقد أن حبهم وسلوك منهجهم العدل.. وهم حبل الله المتين الذي ينير الطريق للمتمسك بهم إلى رضوان الله عز وجل وهو يرجو أن يظفره حبهم فقال: آل الــــــنــــــــبــــــي ذريـــــعـــــتــــي وهـــــــــم إلــــــيـــــــه وســــــيــــلتي أرجـــــــو بـــــــهـــــم أعــــــطــى غداً بــــــــيـــــــدي اليـــــــــمــين صحيفتي أما عن فلسفة الحكم عند الأمويين وعند العباسيين فكانت تهدف إلى الآثارة والاستغلال وإشباع الرغبات في الجاه والسلطان، ولم يؤثر عنهم أنهم ساهموا في بناء الحركة الفكرية والاجتماعية على ضوء ما يهدف إليه الإسلام في بعث التطور الثقافي والإداري والاقتصادي لجميع شعوب الأرض. ففي هذا الجو السياسي والاجتماعي الصعب تميز موقف الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) بالشدة والصرامة في شجب الظلم، وقول كلمة الحق، فكان من لامعاً في علمه وعمله على نشر الثقافة الإسلامية، وإبراز الواقع على حقيقته. الوليد المبارك عاش الإمام الصادق والد الإمام الكاظم (عليهما السلام) مع زوجته السيدة حميدة حياة بيتية هادئة حافلة بالمودّة والمسّرات. وفي فترات تلك المدة السعيدة عرض لها حمل وسافر الإمام أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، فحمل زوجته معه للاطمئنان على صحتها في تلك الفترة. وبعد الانتهاء من مراسم الحج قفلوا راجعين إلى المدينة المنورة، فلما انتهوا إلى الأبواء أحست السيدة حميدة بالطلق، فأرسلت خلف الإمام (عليه السلام) تخبره بالأمر، وكان عند ذلك يتناول طعام الغذاء مع جماعة من أصحابه، فلما وافاه النبأ السعيد قام مبادراً إليها، فلم يلبث قليلاً حتى وضعت السيدة حميدة سيّداً من سادات المسلمين، وإماماً من أئمة أهل البيت (عليهم السلام).. إنه يوم سعيد، يوم مشرق أشرقت به الدنيا بهذا المولود المبارك فكان باراً بالناس، عاطفاً على الفقراء منهم، لكنه كان أكثرهم عناءً وأكثرهم محنة في سبيل الله. بادر الإمام الصادق (عليه السلام) فتناول وليده الذي يأمل به أملاً باسماً فأجرى عليه مراسم الولادة الشرعيّة، فأذّن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، وما زالت هذه الطريقة تُحتذى عند جميع المسلمين المؤمنين. لقد كانت أول كلمة طيّبة قرعت سمعه كلمة التوحيد التي تتضمن الإيمان بكل ما له من معنى. عاد الإمام الصادق إلى أصحابه والبسمة تعلو ثغره، فبادره أصحابه قائلين: (سرّك الله، وجعلنا فداك، يا سيدنا ما فعلت حميدة؟) فبشّرهم بمولوده المبارك قائلاً لهم: (لقد وهب الله لي غلاماً، وهو خير من برأ الله). أجل انه من أئمة أهل البيت المعصومين، وخير من برأ الله علماً وتقوى وصلاحاً في الدين، وهذا ما أحاط به الإمام الصادق أصحابه علماً بأنه الإمام الذي فرض الله طاعته على عباده: طفولته زاكية مميّزة تدرّج الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) في طفولة زاكية مميزة، فتربّى في حجر الإسلام، ورضع من ثدي الإيمان، وتغذى من عطف أبيه الإمام الصادق (عليه السلام)، حيث أغدق عليه أشعة روحه الطاهرة وأرشده إلى عادات الأئمة الشريفة وسلوكهم النيّر، فالتقت في سنّه المبكر جميع عناصر التربية الإسلامية السليمة، حتى أحرز في صغره جميع أنواع التهذيب والكمال والأخلاق الحميدة، ومن شبّ على شيء شاب عليه. هذه الطفولة المميزة استقبلها الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) وهو ناعم البال بحفاوة وتكريم خاص؛ فأبوه أغدق عليه عطفاً مستفيضاً، وحمل له من الحب ما لا يحمله لغيره، حيث قدّمه على بقية ولده، فاندفع قائلاً: (الحمد لله الذي جعلك خلفاً من الآباء، وسروراً من الأبناء، وعوضاً عن الأصدقاء) ونتيجة هذا الحب الأبوي المميز أخذت جماهير المسلمين تقابل الإمام موسى (عليه السلام) بالعناية والتكريم، لأنّهم يعتقدون أن مقام الإمامة كمقام النبوة، بعيداً عن المحاباة، سوى ما يتصل بتأييد الفضيلة والإشادة بالإيمان، وعلى ضوء ذلك أعلن الإمام الصادق (عليه السلام) حبّه الكبير ومودته الوثيقة لولده الحبيب لأنه رأى فيه ملامح صادقة عنه، ومواهب مبكرة، وعبقرية خاصة، تؤهله لمنصب الإمامة على أمّة جدّه. باب الحوائج وصف رواة الأثر ملامح صورة الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) فقالوا: كان أسمر اللون وقالوا: كان ربع القامة، كثّ اللحية، حسن الوجه، نحيف الجسم. أما عن صفاته الخلقية: فهو ابن الأوصياء، حاكي في هيبته ووقاره هيبة الأنبياء، فما رآه أحد إلا هابه وأكبره لجلالة قدره، وسموّ مكانته، وحسن سيرته، وكريم أخلاقه. ومرّة التقى به شاعر البلاط العباسي أبو نواس فانبهر بأنواره فانطلق يصوّر هيبته ووقاره بأبيات قال فيها: إذا أبـــــــصرتـــك العين من غير ريبة وعارض فيك الشـك أثبتك القلب ولــــــو أن ركــــــباً أمـــــمـوك لقادهم نسيـــــمك حـــــتى يـــستدل بك الركب جعــــــلتك حــــــسبي فـي أموري كلها ومــا خاب من أضـحى وأنت له حسب ولا يخفى أن هذه الأبيات كانت يقظة من يقظات الضمير، ونسمة علوية من نسيمات الروح، ذلك أن أبا نواس الذي كان يعيش على موائد بني العباس، والذي قضى معظم أيام حياته في اللهو والمجون، قد انبرى إلى هذا المديح العاطر في الوقت الذي كان يمدح أهل البيت (عليهم السلام) ينال عقوبة كبرى قد تؤدي به إلى الموت! لكن مثالية الإمام وواقعيته التي لا ندّ لها في عصره، قد سيطرت على روح الشاعر العباسي وأنسته النتائج. وقد آمن بذلك جمهور المسلمين على اختلاف مذاهبهم. يقول أبو علي الخلال شيخ الحنابلة وعميدهم الروحي: (ما همّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر إلا سهّل الله تعالى لي ما أحب) وقال الإمام الشافعي: (قبر موسى الكاظم الترياق المجرّب). كان الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) في حياته ملجأ لعموم المسلمين، كما كان كذلك بعد موته حصناً منيعاً لمن استجار به من عموم المسلمين، لأن الله سبحانه وتعالى منحه حوائج المسلمين المستجيرين بضريحه الطاهر في بغداد. قصة من الواقع وقد روى الخطيب البغدادي قضية كان فيها شاهد عيان، عندما شاهد امرأة مذهولة، مذعورة، فقدت رشدها لكثرة ما نزل بها من الهموم، لأنها أخبرت أن ولدها قد ارتكب جريمة، وألقت عليه السلطة القبض وأودعته في السجن ينتظر الحكم القاسي والظالم. فأخذت تهرول نحو ضريح الإمام الكاظم (عليه السلام) مستجيرة به، فرآها بعض الأوغاد، الذين لا يخلو الزمان منهم، فقال لها: إلى أين؟ ـ إلى موسى بن جعفر، فإنّه قد حُبِس ابني. فقال لها بسخرية واستهزاء: (إنه قد مات في الحبس). فاندفعت تقول بحرارة بعد أن لوّع قلبها بقوله: (اللّهم بحق المقتول في الحبس أن تريني القدرة). فاستجاب الله دعاءها، وأطلق سراح ابنها، وأودع ابن المستهزئ بها في ظلمات السجن بجرم ذلك الشخص. فالله سبحانه وتعالى قد أراها القدرة لها ولغيرها، كما أظهر كرامة أهل البيت (عليهم أفضل الصلاة والسلام)، فما خاب من دعاهم، وما فشل من استجار بهم. ثم يروي الخطيب البغدادي عن محنة ألّمت به فاستجار بالإمام موسى (عليه السلام) وكشف عنه الهمّ والغمّ. فيقول: (وأنا شخصيّاً قد ألّمت بي محنة من محن الدنيا كادت أن تطوي حياتي، ففزعت إلى ضريح موسى بن جعفر بنيّة صادقة، ففرّج الله عنّي، وكشف ما ألّم بي. ولا يَشِكّ في هذه الظاهرة التي اختصّ بها الإمام إلا من ارتاب في دينه وإسلامه. لقد آمن جميع المسلمين الأبرار بالأئمة الأطهار (عليهم السلام) منذ فجر التاريخ ولم يزل يعتقدون اعتقاداً راسخاً في أن أهل البيت (عليهم السلام) لهم المقام الكريم عند الله، وإنه يستدفع بهم البلاء، وتستمطر بهم السماء. ويذكر التاريخ هنا كوكبة من الشعراء والأدباء قد أثقلت كواهلهم كوارث الدهر ففزعوا إلى ضريح الإمام الكاظم (عليه السلام) متوسلين به إلى الله تعالى في رفع محنهم، وكشف ما ألّم بهم من المكروه، ففرّج الله عنهم، نذكر بعضاً منهم الحاج محمد جواد البغدادي الذي سعى إلى ضريح الإمام في حاجة يطلب قضاءها فقال: يــــــا ســـــميّ الكـــــليم جئــتك أسعى نحـــــــو مــــــغناك قـــاصداً من بلادي ليــــــس تُــــــقضى لنـــــا الحـوائج إلا عـــند بـــــاب الرجاء جد الجواد النص عليه بالإمامة أجمعت الروايات بالنص على الإمام موس بن جعفر بالإمامة من الله تعالى، كخبر اللوح، وأن الإمام لا يكون إلا الأفضل في العلم والزهد والعمل، وأنه معصوم كعصمة الأنبياء (عليهم السلام). والنصوص المروية على إمامته عن أبيه أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قد رواها شيوخ أصحاب أبي عبد الله وخاصته، وثقاته الفقهاء الصالحون. قال محمد بن الوليد: سمعت علي بن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) يقول: سمعت أبي جعفر بن محمد (عليه السلام) يقول لجماعة من خاصته، وأصحابه: استوصوا بابني موسى خيراً، فإنه أفضل ولدي، ومن أخلّفه من بعدي، وهو القائم مقامي، والحجّة لله تعالى على كافة خلقه من بعدي. سجين الحق وقائد المعارضة السلمية وبالعودة إلى المراجع التاريخية المعتمدة، نجد إن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) عاصر في حياته عدة خلفاء، ممن أتسم حكمهم بالاستبداد والفردية والتسلط، والظلم، وشدة الضغوطات الأمنية، ووطأة الخطط السياسية التي كانوا يضعونها، حيث كان الإمام الكاظم (عليه السلام) واعياً لها، ومدركاً لحجم وأبعاد خطورتها، على المدى القريب والبعيد .. لقد قضت تلك الخطط بالسيطرة على مقدرات الأمة، ونهب خيراتها من خلال إتباع سياسة الترغيب والترهيب والتأكيد على مبدأ القوة الحديدية والقمعية الذي طبع كل تاريخهم. قبسات من فكر الإمام قال لأحد أصحابه (بلِّغ خيراً وقل خيراً ولا تكن إمّعه، قال: وما الإمعه؟ قال: أن تقول أنا مع الناس وأنا كواحد من الناس، فإن رسول الله قال: إنما هما نجدان نجد خير ونجد شر.. فلا يكن نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير). بهذا الحديث يريد أن يخاطب الناس الذين يواجهون الحياة في كل صراعاتها وفي كل إشكالاتها بالطريقة السلبية، بحيث لا يتبعون فكرهم في اتخاذ الموقف وفي مواجهة الموقف المضاد. وهم اتكاليون يريدون للآخرين أن يفكروا ليتحركوا على ضوء خط تفكيرهم أو لا يتحركون ولا يرون أن يعيشوا مسؤولية الفكر، وإنما يقولون للآخرين فكروا لنا ويقولون معنا.. سنوات مع الخلفاء عاصر الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) عدة خلفاء عباسيين، فقد عايش (عليه السلام)، أربع سنوات ونصف السنة من عهد عبد الله بن محمد بن علي الملقب بالسفاح، وبقي تسع سنوات وأشهرا في عهد المنصور الدوانيقي.. حيث كانت شهادة الإمام الصادق (عليه السلام)، وعاش بعد أبيه خمسة وثلاثين عاماً مدة إمامته.. قضى منها مع المنصور، بعد أبيه، نحواً من عشر سنوات، ومع ولده محمد الملقب بالمهدي عشر سنين، ومع ولده موسى الهادي سنة واحدة، ومع أخيه هارون نحوا من خمسة عشر عاما.. تؤكد المرويات الكثيرة إن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) تعرض، هو وأصحابه، خلال الفترة التي أعقبت وفاة أبيه الصادق (عليه السلام) إلى رقابة شديدة من قبل الحكام آنذاك.. لكن يبدو، من خلال تتبع المراحل التاريخية التي مر بها في عهد المنصور، انه لم يلتق معه ولم يطلب حضوره إليه في بغداد كما كان يستدعي والده. ويتهدده بالنفي والقتل.. وقد بقي الإمام الكاظم (عليه السلام) طيلة حكم الخليفة المهدي تحت الرقابة الصارمة، من قبل أجهزة النظام الحاكم، وقد قام باستدعائه (عليه السلام) إلى بغداد أكثر من مرة فحبسه وأساء معاملته ثم قام بإطلاق سراحه لرؤية رآها. جاء في تذكرة الخواص لابن الجوزي: إن أهل الشعر قالوا: لقد كان مقام موسى بن جعفر بالمدينة فاستدعاه المهدي إلى بغداد وحبسه بها ثم رده إلى المدينة لطيف رآه. ولم يمارس الخليفة الهادي، حسب المصادر التاريخية أي نوع من الضغوط أو الإساءة إلى الإمام الكاظم (عليه السلام) ولم يحدثنا التاريخ انه استدعاه إلى بغداد على الرغم من اتصافه بالقسوة والشدة، ولعل المدة الزمنية القصيرة التي قضاها الهادي على كرسي الخلافة العباسية لم تسمح له بممارسة أساليب جده وأبيه مع الإمام (عليه السلام) . وقد كانت السنوات التي قضاها الإمام (عليه السلام) تحت حكم هارون (الرشيد) من أسوأ وأفظع المراحل التاريخية التي قضاها في حياته، فقد كانت المهمة الأولى لجهاز الحكم (الرشيدي) تكمن في المراقبة المستمرة، خوفاً منه ومن مجرد وجوده في الحياة، وهذا ما صرح به هارون، عندما كان يعتقل الإمام (عليه السلام) ويحضره إلى مجلسه.. حتى إن الإمام قد سأله، أكثر من مرة، عن سبب اعتقاله وسجنه، وهو لما يفعل شيئا يسيء إلى الدولة ولم يهدد أمن المجتمع واستقراره، فلماذا الحبس والاعتقال..؟ فكان جواب هارون السكوت لأنه لا يملك أي دليل ضده. السجانون يعتنقون فكره تنقل الإمام الكاظم (عليه السلام) في السجون واحداً تلو الآخر، ولم يبق في سجن واحد، لقد كان الحاكم يأمر بنقله من سجن لآخر، وذلك لأنهم عندما كانوا يضعونه في احد السجون يرون، بعد مضي فترة زمنية قصيرة، إن السجانين وعمال السجن قد أصبحوا من عشاقه ومحبيه (عليه السلام). يقبلون عليه ويتباركون به. وفي مواجهة الوضع المضطرب المليء بالفوضى والمواقف الضاغطة والوقائع القسرية والإكراهية، اتخذ الكاظم (عليه السلام) موقفاً ظهر جلياً في بعض أخباره وأحاديثه، فقد دخل الإمام (عليه السلام) على هارون في بعض قصوره المشيدة الجميلة التي لم ير مثلها في بغداد ولا في غيرها، فانبرى إليه هارون قائلا: ما هذه الدار؟ فأجابه الإمام (عليه السلام) غير مكترث بسلطانه وجبروته قائلا له: هذه دار الفاسقين. وقرأ الآية المباركة: (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق، وان يروا كل آية لا يؤمنون بها وان يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وان يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا) (الأعراف: 146)، مما أثار غضب هارون عليه وأغلظ في كلامه على الإمام (عليه السلام) بعد أن سمعه يتحداه بموقف لا هوادة فيه. لقد بقي الإمام (عليه السلام)يمارس دوره الريادي، فكرياً واجتماعياً، في دعوته إلى التمسك المبدئي الراسخ بثوابت الإسلام وهدي القرآن، حتى آخر حياته الشريفة التي عانى فيها ما عاناه من عذاب السجن والتضييق والتنكيل بالقيود.. لقد مكث الإمام زمناً طويلا في سجن هارون، وقد هدَ السجن صحته وأذاب جسمه حتى أصبح، حين يسجد لربه، كالثوب المطروح على الأرض، فيدخل عليه رسول الزعامة فيقول: إن الخليفة يتعذر إليك ويأمر بإطلاق سراحك على أن تزوره وتعتذر إليه.. أو تطلب رضاه.. فيشمخ الإمام (عليه السلام) وهو يجيب بالنفي بكل صراحة، لا لشيء، إلا لكي لا يحقق للزعامة هدفها في أن يبارك الإمام (عليه السلام) خطها.. وهذا ما يبدو واضحاً من خلال كلمات الرسالة التي أرسلها لهارون وهو لا يزال في السجن ، جاء فيها: انه لن ينقضي عنك يوم من الرخاء حتى تفنى جميعاً إلى يوم ليس له انقضاء.. وهناك يخسر المبطلون. بعد ذلك، وبفترة قصيرة، كانت شهادته في حبسه بسم السندي بن شاهك (أمير السجن العباسي)، في يوم 25 من شهر رجب من سنة 183 للهجرة. |