الشرق
الأوسط منطقة معقدة حيث الدين والثقافة والسياسة متداخلة عميقا في
علاقة متينة , فمن أوائل أيام تجربة القومية
العربية إلى ظهور الأصولية
الإسلامية , أضحت حركات المنطقة السياسية معلما بارزاً , من معالم
تاريخها الحديث , ولا تزال موضع جدل وتأول محتدمين بشدة .
تتعرض هذه المقالات المجموعة في كتاب (
الأمة
والدين في الشرق الأوسط
)
لهاتيك
القضايا في وقتها بتقديم تحليل عام للمنطقة وأمثلة على دولها مركزة
أكثر, دولة تلو دولة.
ومن بين
المواضيع العديدة المطروحة في الكتاب , أعيد تفحص القومية والإسلاموية
لإظهار صلتهما وعلاقتهما المستديمتين بالوضع والهوية العربيين الحاضرين
. وأعقب ذلك بنظرة أدق إلى حركات إسلامية في تركيا وإيران وتونس وإلى
احتمال أن تفضي هذه القوى إما إلى تفتيت الدولة العلمانية ( حالتا
تركيا وتونس ) وإما إلى تدعيم الدولة الإسلامية (حالة إيران ) .
كما أن
المؤلف يبحث في كتابه مصير باقي النظم الملكية الثمانية في العالم
العربي , ويدقق في ظروف ظهورها وترسخها وديمومتها .
ومن
طريق تحليل هذه المواضيع تحليلاً مستوفى , مع درس تطور كل دولة على حدة
, يمد المؤلف بمعين من المعلومات المفيدة في سبيل فهم المنطقة فهماً
وافياً .
النصوص
التي يضمها هذا الكتاب تغطي طائفة من المواضيع والأجناس الكتابية :
بعضها تحليلات لعمل
الايدولوجيا والسلطة في الشرق الأوسط المعاصر, وبعضا الآخر مداخلات في
مناظرات محددة تتعلق بالشرق الأوسط والعالم الغربي على السواء , ومنها
ما يتناول الطرق التي جرى بها تعريف الهوية وكيف تغيرت , وقد حاول
المؤلف في كتب سابقة معالجة هذه القضايا بالارتباط مع بلدان محددة كتب
عنها , وخصوصا إيران واليمن وفي نقاشات أعم حول الشرق الأوسط
. هذه المباحث تواصل النقاش في تلك الكتب السابقة , آملا الكاتب عبر
ذلك في أن تمضي به شوطاً أبعد .
ثمة
موضوعات ثلاث على وجه التحديد آمل (
فريد هاليداي
) في أن تتمكن هذه المباحث على تنوعها من معالجتها ,الموضوعة
الأولى هي موضوعة تكوين الثقافة – أكانت قومية أو دينية , وعلى الضد من
أولئك الذين في الشرق الأوسط وخارجه يحللون المنطقة بمفردات هويات
ثقافية ودينية ثابتة ,حيث يقول ... أسعى إلى أن أبين هنا كيف أن ما
يحدد بوصفه قوميا أو دينيا خاضع هو نفسه للتغيير : ما يطرح على أنه "
حقيقي "," تقليدي" , " أصيل " إنما هو قابل لتأويلات متباينة تستند إلى
موضوعات من خارج المنطقة ومن تأولات مختلفة للماضي , وفي تحليل الدين ,
كما في تحليل القومية , لا أتمسك بأي موقف حداثوي : ادعاء القومية
والدين على السواء يذهب إلى أنهما يمثلان قراءة صادقة لمعطى , هو
الماضي أو العقيدة .
يرى
( فريد
هاليداي ) أن جماعات مختلفة في
السلطة أو خارجها في المنطقة أو في المنفى , لا تني تعيد التعريف
والانتقاء لخدمة أغراض معاصرة , وما يساق اليوم على أنه التمثيل "
الصادق " لتراث ماض هو في الحقيقة اختلاق معاصر حديث هدفه تلبية حاجات
معاصرة ,ليس اقلها مصالح أولئك الذين يحددون تعريف التراث , وتكون
الايدولوجيا بهذا المعنى أداتية , لأولئك الذين في السلطة – دول , نخب
, طبقات , مراجع دينية , رجال – ولأولئك الذين يتحدون السلطة .
الموضوعة الثانية التي يتناولها كتاب (
الأمة
والدين في الشرق الأوسط
)
هي
تأثير السياق الخارجي – أكان اقتصاديا أو عسكريا أو سياسيا أو ثقافيا –
في الشرق الأوسط والتركيز المعاصر على العولمة قد يجازف بقصر النقاش
حول مثل هذه العوامل الدولية على الماضي الأخير .
يقول
مؤلف الكتاب .... الشرق الأوسط بصفة عامة , والدول والشعوب المختلفة
فيه , قد تأثر بالخارجي كما أثر في العالم الخارجي منذ آلاف السنين ,
فالنقطة الحاسمة في التحديد الأصلي لليونان الكلاسيكية وبالتالي أوروبا
, كانت معركة ثيرموبيلي عام 480 قبل الميلاد بين المدافعين اليونانيين
والغزاة الفرس , وفي ما بعد لا يحتاج المرء إلى أكثر من التوقف عند
تأثير المسيحية والإسلام في أوروبا وكلاهما نشأ في الشرق الأوسط أو
تأثير الإمبراطوريتين الإسلاميتين العربية والتركية في بلدان المتوسط ,
وابتداء من القرن الثامن عشر فلاحقا انطلق التوسع الإمبراطوري الأوروبي
وفي المقدمة منه توسع روسيا وبريطانيا وفرنسا , ليسود تاريخ الشرق
الأوسط .... أن الشرق الأوسط الذي نعرفه اليوم تكون قبل كل شيء بآليات
عمل الرأسمالية الحديثة .
لايرى
( فريد
هاليداي ) هذه العلاقة تعبيراً
عن تناحر أزلي ففي جزء كبير من القرن العشرين ارتدت شكل صراع بين القوى
الكولونيالية والقوى المناهضة للكولونيالية , والشكل الذي اكتسبته
الدول والاقتصاديات,بل الشكل الذي اتخذته الإيديولوجيات الدينية
والقومية أيضاً في الشرق الأوسط الحديث , يعكس هذا التفاعل ,
والدورالذي اضطلعت به معاداة الامبريالية كان نفسه ذا وجهين,عاملا على
تحريرالشعوب من الاضطهاد الخارجي,وعاملاً بدوره على شرعنة أشكال جديدة
من الاضطهاد المحلي .
وحيث
يدوراليوم نقاش واسع حول العلاقة بين الثقافات, لا يرى ( فريد هاليداي
) أن مثل هذه العلاقة تناحرية بالضرورة أوعلى النقيض من ذلك إنها
تستحث تعايشا أحادي الإيمان حميدا, وعلى حين أن التفاعل بين الثقافات
تفاعل متغير, ومتنوع , يعكس حاجات سياسية واجتماعية , فان حقيقة
التفاعل لا مفر منها : الاكتفاء الذاتي ثقافيا مستحيل وقد كان مستحيلا
على الدوام , وفي الشرق الأوسط المعاصر ليس من مجتمع محصن ضد السياق
الخارجي , كما تبين المصائرالمتعارضة ولكنها متقاربة للعربية السعودية
( الوهابية ) وإيران ( الثورية ) .
ويمضي
مؤلف الكتاب حتى يتأمل في الجابة عن السؤال والذي هو : كيف يكون رد فعل
هذه المجتمعات على التغيرات في العالم الخارجي ؟ وما إذا كان بمقدورها
أن تستجيب لها استجابة خلاقة ؟.
الموضوعة الثالثة والأهم عند (
فريد هاليداي
) التي يعالجها كتابه هي إمكان النقاش, حول قضايا تحليلية
وأخلاقية , بين الشعوب والثقافات فما من فهم للعالم المعاصر, وخصوصا
فهمه بين الشرق الأوسط والغرب,يمكن أن يفوته إدراك اللامساواة العميقة
, واستمرارية تراتبية القوة , اللذان يحددان هذه العلاقات .
يقول
الكاتب ولهذا السبب من الضروري إدارك التأثير المتواصل لحقبة الهيمنة
الامبريالية في الشرق الأوسط فإن إدراك هذا الماضي شرط مسبق لفهم
الحاضر, ناهيكم عن حل القضايا التي تبعد الشرق الأوسط عن الغرب ,
والعولمة الرأسمالية المعاصرة تشدد على اللامساواة ولكن هذا إدراك
ينبغي أن لا يقود إلى تفسير كل التطورات في الشرق الأوسط بالإحالة إلى
الامبريالية , فإن الحصيلة النهائية يمكن بكل سهولة أن تكون نظرية
مؤامراتية , كما أن إدراك الهيمنة الامبريالية والاختلاف الثقافي , أو
التراتبية المتأصلة في العولمة , ينبغي أن لا يقود إلى إنكارمناقشة
القضايا المشتركة بين الشرق الأوسط والغرب, إذ أن من الممكن معالجة
قضايا مشتركة تتعلق بالتحليل والموقف الأخلاقي .
ويرى(
فريد هاليداي
) صحة إمكانية النقاش هذه عبر الحدود القومية والدينية , مثلاً
على دورالقومية والدين في السياسة , وهذه قضية مطروحة في مناطق عديدة
من العالم , بما فيها بلده الأصلي ايرلندا, فيقول : لا اعتقد أن تربية
المرء في سياق النزعات القومية الايرلندية لأن هناك أكثر من نزعة قومية
واحدة , تتيح له بالضرورة أن يفهم بقية العالم , ويروعني كم في الشرق
الأوسط من العرب والصهاينة على السواء , استخلصوا من الحالة الايرلندية
دروسا تناسب غرضهم , ولكني اعتقد حقا أن قصة ايرلندا تغرس إدراكا لما
في النزعة القومية من قوة مستديمة وأهمية ثقافية وسياسية , وعنصر شك في
مزاعم القوميين وليس آخرهم أولئك الذين يخلطون القومية مع الدين بهذا
القدرمن الثقة .
لهذه
الأسباب – يقول (
فريد هاليداي
) - أقف بقوة ضد الاتجاه السائد في الكثير من التفكير السياسي
الغربي والإسلامي المعاصر, الذي يحاول أن ينفي إمكانية القيام بمسعى
فكري كوني مشترك , وسواء أكان الأمر يتعلق بقضايا الديمقراطية وحقوق
الإنسان , أوبمزاعم القوميين والأصوليين أو بالمحاجات حول العلمانية
فإني اعتقد بإمكانية وجود فضاء سياسي مشترك : هذا الفضاء المشترك هو
نتاج إنسانية مشتركة , وانتماء مشترك إلى نظام اقتصادي وسياسي عالمي
واحد أنجبته الحداثة , والحق أن التصدي لفهم وتجاوز نظام التراتبية
العالمي ذي الأهمية المركزية للعولمة , كما كان للامبريالية , ليس
ممكنا إلا على أساس مثل هذا التطلع إلى قيم مشتركة بل وقيم كونية ,
فالنزاعات التي تفرق بين الشعوب والأمم لا تدور من حيث الأساس حول
القيم والحضارات وإنما حول مصالح وأرض وسطوة,وحول تأثير الصراع من أجل
السلطة داخل دول محددة في النظام العالمي , وكانت كونيات الليبرالية
والاشتراكية المتنافسة الأبكر قد أدركت تشارك القيم هذه في عالم من
اللامساواة المادية .
يرى
المؤلف أنه ما من مطلع على النقاش الأكاديمي والسياسي حول الشرق الأوسط
المعاصر يستطيع أن يظن بأنه سيكون من السهل كسب الجدال حول هذه
القضايا , فهناك الكثير من تراكم الأساطير وأنصاف الحقائق والكثير ممن
لديهم مصلحة خاصة في إشاعة مثل هذه الأساطير بحيث لا يمكن التغلب عليهم
بسهولة , ولكن من المهم إجراء المناظرة لتحدي أولئك الذين تؤثر
تبسيطاتهم في النقاش داخل الشرق الأوسط , وخارجه .
ويذكر
( فريد
هاليداي ) ثلاثة أشخاص
قدموامساهمة استثنائية في هذا المسعى – حسب رأيه – وهم كما يقول: مكسيم
رودنسون,المستشرق الفرنسي الذي قام عمله الجوهري ونقده للأساطيرحول
الشرق الأوسط مثالا نقتدي به, وصادق العظم,الكاتب السوري الذي كتب على
امتداد سنوات بشجاعة ووضوح ضد مد الظلامية القومية والأصولية , ومحمد
خاتمي,الرئيس الإيراني ( السابق ) الذي جادلت كتاباته لصالح الحوارلا
الصدام بين الحضارات والذي يعد عمله الفلسفي ذاته محاولة متميزة
لاستطلاع مدلولات الحرية التي يراها صبوة كونية ذات هوية دينية
وثقافية, فإن أصواتا مثل هذه الأصوات هي التي تؤشر إلى إمكانية
المقاربة الكونية المحددة والمعللة في عالم التبسيط والدوغماتية –
العلمانية والدينية – والديماغوجية .
محتويات
الكتاب
القسم الأول : النظرية السياسية والإيديولوجية القومية
الفصل
الأول
: النظرية
الليبرالية والشرق الأوسط
الفصل الثاني
: الشرق الأوسط والمناظرة حول القومية
الفصل الثالث
:
التاريخ والحداثة في تكوين القومية: حالة
اليمن
الفصل الرابع
:
الإرهاب من منظور تاريخي
القسم الثاني : الحداثة والدولة
الفصل
الخامس :
مصائر الأنظمة الملكية في الشرق الأوسط
الفصل السادس
:
مواجهة معاصرة: نزاع العرب والفرس
الفصل
السابع :
الأصولية والدولة: إيران وتونس
القسم الثالث : ريبورتاجات
الفصل
الثامن :
طهران 1979 : انتقال الثورة إلى القمع
الفصل التاسع
:
العربية السعودية 1997: متاعب في شركة
العائلة
الفصل العاشر
:
تركيا 1998 : العلمانية موضع تساؤل
الفصل الحادي
عشر :
ملة مانشستر : التجار العرب وتجارة القطن