|
تبدو
لفظة الولاء من الألفاظ المثيرة للجدل , والتي دائما ما يتطور معناها ,
فارتبطت قديما بالسلطة والحرب, وحديثا بالمجتمع والبيئة والقيم
الأخلاقية وبالرغم من أن الولاء قد بات قيمة من القيم التي يطالب
الفرد
بالتمسك بها , إلا إنها ترتبط بمشكلات كثيرة , منها ما يتعلق بطبيعة
الولاء ومدى الحاجة إليها , وما إذا كان فطريا أو مكتسبا , ومنها ما
يختص بأنواع الولاء وصفات القضايا التي يتجه إليها , وأخيرا منها ما
ينشأ بسبب صراع الولاءات وتعارضها .
ومع
تطور المجتمعات وتشعب العلاقات اكتسب مفهوم الولاء أهمية كبرى لعلاقته
بتطورالمجتمع وتماسكه , وبدأ الاتجاه لدراسة أسس الحياة الخلقية ,
وطبيعة القانون الأخلاقي , فإنسان العصر يعاني من الحيرة تجاه المثل
العليا وواجباته الأخلاقية . ولما كانت الفلسفة تدرس المبادئ والأسس
ومهمتها نقد الحياة , جاءت ( فلسفة الولاء) تنظر للولاء بوصفه مبدأ
أخلاقيا وتدرس المشكلات المرتبطة به دراسة نقدية فتحدد معنى الولاء
وطبيعته , وأنواع القضايا الجديرة بالولاء , فأمكن تأسيس العالم
الأخلاقي على مفهوم عقلي للولاء وتم تركيز الفضائل والواجبات الرئيسية
حول مبدأ واحد ,يساهم في توضيح مشكلات العصر الأخلاقية وينهى الصراع
بين الولاءات , ويربط مفهوم الولاء بالدين والحقيقة والواقع .
في عام
1906 و 1907 وأثناء قيامه بالتدريس في الفصل الدراسي الصيفي في جامعة
هارفارد ألقى (
جـوزايـا رويـس
) مجموعة محاضرات بعنوان
" مقدمة في
الأخلاق وعلاقتها باهتمامات المدرسين
" وقام بإلقاء ملخص المبادئ الأساسية لهذا المذهب الأخلاقي الذي
تم تقديمه في صيف عام 1906 أمام جمع من الأكاديميين أثناء زيارته
المختصرة لجامعة ألينوي في شهري يناير وفبراير من عام 1907 .
كما قام
أيضاً بعرض جزء من آرائه في الأخلاق , في عدة أماكن مختلفة في الشرق
والغرب , ففي صيف 1907 قام بإعادة تدريس أربع محاضرات عامة في الموضوع
, أمام الفصل الدراسي الصيفي لمادة اللاهوت في جامعة هارفارد . وتم عرض
المحاضرات التي تشكل موضوع هذا الكتاب , لأول مرة في معهد
" لوويل في
بوسطن " في شهري نوفمبر
وديسمبر من عام 1907 .
وعند
تقديم هذا العرض الجديد للموضوع في معهد
لوويل , كانت هناك فرصة الاستفادة من الانتقادات التي قد تم
توجيهها للموضوع , أثناء عروضه الأولية والسابقة للموضوعات الرئيسية
التي تضمها فلسفة الولاء , فالمحاضرات التي تم تدريسها , كانت عبارة عن
إعادة صياغة للموضوع , بصورة جيدة فقط , المحاضرة الخامسة بعنوان
مشكلات أمريكية تعد محاضرة جديدة نسبيا حيث لم يعرضها عرضا تفصيليا من
قبل .
يقول
( جـوزايـا
رويـس ) ... قد يلاحظ أن
المذهب العام الذي تضمه (
فلسفة الولاء
) قد تمت مناقشة العديد من جوانبه ,
وموضوعاته مع الكثير من الأصدقاء والطلبة والنقاد ولذلك آمل أن يظهر
هذا العمل , قيمة الآراء التي قد اكتسبتها , من الحوارات المتعددة
والمناقشات المختلفة التي أجريتها في أماكن عديدة .
ويقول
أيضا : لقد قمت بتدريس المذهب الأخلاقي , الذي أعرضه في هذا الكتاب ,
أثناء العام الدراسي 1907- 1908 بوصفي أستاذا زائرا لجامعة ,
بيل لطلبة الدراسات العليا , وفي
سلسلة من المحاضرات الأسبوعية , وبالرغم من أن العمل الذي أعرضه الآن
يتعلق بمحاضرات أكاديمية إلا أنه لم يعد مرجعا أو بحثا فلسفيا أكاديميا
و إنما عبارة عن مرشد , لكل قارئ يعشق المثل العليا أو يرغب في مراجعة
مثله العليا بروح فلسفية جديدة .
حقيقة
أن الولاء كلمة قديمة ولها قيمتها الخاصة والفكرة العامة عن الولاء
اسبق زمنيا من الكلمة نفسها بل وأكثر قيمة ولكنها تظل دائما فكرة مشوشة
غير واضحة في عقول الناس بسبب علاقتها بمسائل أخلاقية واجتماعية , فكل
فرد سمع كلمة الولاء ويمدحها الكثير من الناس ولكن عددا قليلا جدا من
يفهم معناه الحقيقي ويدركها بوصفها محور كل الفضائل والواجب الرئيسي
بين كل الواجبات ...
ولكي
يستطيع المرء أن يدرك هذا المعنى الأصيل للولاء عليه أن ينقي الكلمة
من الشوائب التي علقت بها من ارتباطها بهذه أو تلك العادة الاجتماعية ,
ولن يستطيع تحقيق ذلك إلا إذا عرف المصطلح تعريفا دقيقا وبصورة أكثر
تحديدا وضبطا عن تلك التي يتناولها التعبير الشائع , والواقع أن تخليص
( فكرة
الولاء ) من كل ما قد يكون قد
علق بها من تفسيرات خاطئة أو علاقات زائفة بأفكار أخرى وإثبات أن روح
الولاء هي روح الحقيقية للحياة الأخلاقية والعاقلة للإنسان – وهو ما
يعتبره
(
جـوزايـا رويـس
) جديدا في فلسفته عن الولاء .
يقول
مؤلف الكتاب ... يشكل مفهوم "
الولاء للولاء
" الذي عرضته في المحاضرة الثالثة
الجزء الهام من هذا العمل الفلسفي الأخلاقي , وأما باقي المحاضرات إذا
كان فلسفتي الأخلاقية تعد فلسفة جديدة إلى حد ما أحاول أن أعرض فيها
لما اعتبره ممثلا ومعبرا عن المعنى العميق والروح الحقة لكل أصحاب
الولاء مهما كانت ولاءاتهم وتعريفهم للولاء ولمعنى الولاء .
يرى
(
جـوزايـا رويـس
) إن إدراك الواجب في ضوء مفهوم
الولاء , والذي حاول توضيحه لم يمتد ليشمل المجال الأخلاقي فقط , وإنما
يمتد ليؤثر في نظرة كثير من الناس لكل من الحق والواقع والدين , فيقول
... ولئن قد قمت بعرض آرائي الفلسفية العامة في كتب متنوعة وبصورة
تفصيلية في كتابي المعروض في جزئين ... بعنوان
" العالم
والفرد " وليس لدي ما أضيفه
لآرائي الميتافيزيقية الرئيسة إلا أني لم أقدم أي عرض شامل لآرائي
الأخلاقية منذ العرض المختصر الذي قدمته للمشكلات الأخلاقية في الجزء
الأول من كتابي "
الجانبي الديني للفلسفة
" ( طبع عام 1885) ولما كان الإنسان
ينضج أخلاقيا مع مرورالعمر فإني أعتقد أن عملي هذا , قد يساعد على
الأقل بعض القراء , على إدارك أن الفلسفة المثالية التي دافعت عنها
طويلا , ليست فلسفة منفصلة عن الحياة العملية , بل على صلة وثيقة بأمور
الحياة العملية, وان كلا من الدين والحياة العملية , قد يحققان
الكثير, من وجود ارتباط ووحدة صحيحة , تقوم بين الأخلاق ونظرية فلسفية
عن العالم الواقعي .
ويشير
... (
جـوزايـا رويـس
) .... الى كثرة الحديث في التيارات
الفلسفية الأدبية عن "
طبيعة الحق
" و "
المذهب البراجماتي
" ومن الطبيعي أن تستفيد أي دراسة
أخلاقية من هذا الموقف أو الوضع , وتناقش العلاقة بين
" العملي
" و "
الأبدي "
ويقول .. لقد ناقشت هذه العلاقة في الفصل الختامي من هذا العمل
ولكي أستطيع انجاز ذلك ,كان لزاما على الدخول في جدل معين بالنسبة
لمشكلة الحقيقة أعارض فيه آراء معينة أعلنها حديثا واحد من أعز أصدقائي
ومن أكثر الناس ولاء وأستاذ لي في شبابي , وزميل مخلص لسنوات عدة وهو
الأستاذ "
وليم جيمس " والواقع أن وجود
مثل هذا الجدل , في كتاب يناقش الولاء كان من الممكن أن يعتبر نوعا من
الحشو الزائد , إن لم نكن كلانا , قد اتفقنا على أن
" الحقيقة
هي الصديق الأكبر لنا " وأشك
كثيرا في قدرتي على إنجاز مثل هذا العمل , الذي أعرضه الآن , إن لم
أكثر ممن تتلمذوا على يد الأستاذ جيمس ولابد أن اعترف صراحة بالدين
الكبير له ولئن كان لكل منا نظرته الخاصة للحقيقة , ونختلف في رؤيتنا
للحق , فإننا ما زلنا نحتفظ بصداقتنا , وأعتقد أن موقفنا هذا خير تعبير
عن روح الولاء .
ويؤكد
المؤلف على تحديد الهدف من الكتاب , فيقول .. الواقع أني لا أكتب هذا
الكتاب للفلاسفة فقط , وإنما لكل محبي المثل العليا , بل ويمكن أن أضيف
أيضاً , لكل محب لوطنه , ولمن يسعى للحياة المثالية , ولكنه يعاني من
كثرة تعقد مشكلاته السياسية والاجتماعية , إن تبسيط المبادئ الأخلاقية
للناس وتنقية العقول للنور الأبدي , وإثارة الحماس للولاء , يعد عملاً
غاية الأهمية لمواطني هذا البلد أو ذاك , وآمل أن يساهم هذا الكتاب ولو
بنصيب ضئيل في إنجاز هذه المهمة وتحقيق هذه الغاية .
محتــــــــــــويات الكــــــــــــتاب
*
طبيعة الولاء والحاجة إليه
*
المذهب الفردي
*
الولاء للولاء
*
الضمير
*
علاقة بعض المشكلات الأمريكية بالولاء
*
التدريب على الولاء
*
الولاء , الحقيقة , الواقع
*
الولاء والدين
ترجمة :
أحمد الأنصاري
مراجعة :
حسن حنفي
المجـــــــــــلس الأعـــــــــلى للثــــــــــقافة
المشروع
القومي للترجمة |