|
مؤلف هذا الكتاب هو «آلان سيبيو»، أستاذ الحقوق في جامعة نانت
الفرنسية، وعضو «المعهد الجامعي الفرنسي». ويتميز سيبيو الذي يعتبره
المؤرخ البريطاني الشهير «بيري أندرسون»، من أكثر الحقوقيين الفرنسيين
عمقا ونفاذا بمؤلفاته وإشرافه على عديد من الدراسات وبوجه خاص:
·
تشريع العمل (1917)
·
العاطلون عن العمل
والقانون (1988)
·
من أجل سياسة للعلوم
الإنسانية والمجتمع (2001)
·
نقد حق العمل (2002)
·
نسج العلاقة
الاجتماعية (2004)
ظل التطلع إلى العولمة، معطى ملازما للحياة الإنسانية، لأن البشر
يحتاجون إلى العيش المشترك فيما بينهم, والقبول ببعض المسلمات الحقوقية
هي الصيغة الغربية التي تربط بين الناس وتعطي معنى لوجودهم وحس العدالة
لديهم, فالحق هو النص الذي نكتب فيه اعتقادنا المؤسس لعيشنا المشترك
بنفس الوقت هو ثقافة يمكن استخدامها من أجل أهداف مختلفة ومتنوعة في
جميع حقول الحياة الاجتماعية, وهو يتوسط في العلاقات بين البشر والعالم
ليعطي المعنى المشترك الذي يفرض نفسه عليهم, والإنسان بهذا كائن
بيولوجي، فهو موجود في العالم عبر أعضائه وحواسه, ومع ذلك فإن حياته لا
تقوم على عالم الحواس وحسب وإنما أيضا على عالم الرموز، أي العالم الذي
يصبو إلى ما وراء اللغة بما يجسد كل فكرة ويجعلها في الذهن.
وحتى عالم الأشياء المصنوعة هي بوجه ما تجسيد لفكر الإنسان وبالتالي
فإنها تتميز عن عالم الأشياء الطبيعية, هكذا فإن حياة الحواس تختلط في
الكائن الإنساني بمعنى ودلالة الحياة, فكل إنسان يأتي إلى العالم يُزدد
بمعنى لحياته، وبلوغ هذا المعنى يفترض أن كل طفل يتعلم الكلام.
ولغة الأم هي المصدر الأول للمعنى أي المصدر الأول للمسلمات الحقوقية
التي تحتويها هذه اللغة من أجل تشكل الذات الإنسانية, والحرية التي
تعطيها اللغة لكل إنسان في التعبير والتفكير تفترض خضوع الجميع
لقانونها وتبادل المعنى الذي يحتويه الكلام, باختصار هناك علاقة بين
الحق والكلام لكي يبلغ كل وليد بشري إنسانيته، أي أن يعطي معنى لوجوده,
والفرد الإنساني مقطوعا عن كل علاقة مع الآخرين، هو إنسان مقصور على
نفسه، أي أنه أبله في النهاية.
وكذلك فإن كل إنسان مهدد بالبلاهة عندما يصبح مغلقا على رؤيته على
العالم، أي أنه غير قادر على التواصل مع الآخرين ولا يمكنه أن يلتقي مع
سواه على تصور عن العالم حيث لكل فرد مكان له داخله, وفي اللغة
الفرنسية الدارجة يتم الحديث عن القانون وعن العقد للتمييز بين نمطين
من العلاقات والحق.
فمن جانب هناك القانون الذي يوحّد الكلام والنصوص والذي يفرض نفسه
بمعزل عن الرغبة الفردية. ومن جانب آخر هناك العقد كعلاقة حرة تنبع عن
الاتفاق مع هذا أو ذاك حول مسألة ما. إلا أن كل إنسان ملزم بالحالة
المدنية التي يحددها القانون قبل دخوله في أي عقد كان مع سواه.
بهذا فإن مفاهيم القانون والعقد مترابطة فيما بينها وتنجم عن الاعتقاد
بمشرع أعلى يقره الجميع ويكونون مخلصين له.
إن جعل كل منا « ذاتا حقوقية » هي الطريقة الغربية التي تربط البعد
البيولوجي مع العنصر الرمزي المكونين للفرد الإنساني. والجنون يتربص
منذ الوقت الذي يتم فيه نفي أحد البعدين، أي منذ الوقت الذي يتم فيه
تناول الإنسان كحيوان أو كمجرد روح، ولهذا طرح الفيلسوف الفرنسي
«باسكال» أن « الإنسان ليس لا ملاكا ولا حيوانا ».
ولكن هذه النظرة شائكة بالنسبة لمقولات الفكر الغربي والتي تعارض منذ
حين بين «الجسد» و« العقل »، بين « المادية » و« الروحانية ». ولقد
زادت حدة هذا التعارض مع تطور العلوم والتكنولوجيات لماذا ؟ إن هذا
التعارض يدفع إلى الاعتقاد بإمكان تناول الإنسان كأي شيء طبيعي وتفسيره
كذلك، إذ « لا يوجد من شيء لا يمكن للمعلم أن يعرفه ».
ومن جهة أخرى فإن الإنسان الذي أصبح شفافا أمام مكتشفات العلم، أصبح
بإمكانه أن يتحرر من كل المحددات الطبيعية له، اختيارا لنوع جنسه (ذكرا
أم أنثى) أو تغلبا على المرض والشيخوخة … والخلاصة أن النظر إلى
الإنسان كمجرد شيء من أشياء الطبيعة أو كمجرد روح متميزة عن هذه
الأشياء « لا يشكلان إلا وجهين لهذيان واحد ».
فالدرس الذي استخلصته المفكرة والفيلسوفة « حنة ارنت » حول التجربة
التوتاليتارية (الشمولية) هو أن « الخطوة الأولى الأساسية على الطريق
الذي يقود إلى التسلط الكلي يكمن في قتل الشخصية الحقوقية للفرد
الإنساني », ونفي الحق في الحياة الاجتماعية باسم الواقعية البيولوجية
منها أو السياسية أو الاقتصادية يشكل قاسما مشتركا لكل التجارب
التوتاليتارية والاستبدادية, ويبدو أن هذا الدرس قد تم نسيانه من قبل
الحقوقيين الذين يعتقدون أن الشخصية الحقوقية للإنسان أمر اصطناعي
عارض.
وتجاوز هذا المحرم هو ما يستهدفه أولئك الذين يبحثون عن الحط من
الإنسان اليوم باختزاله إلى وحدة حسابية, فهذا الاختزال يتماشى جنبا
إلى جنب مع دينامية الحساب التي جلبتها الرأسمالية والعلم الحديث بحيث
أن الإنسان يساوي ما يساوي مردوده الاقتصادي وكفى, هكذا فإن ملكوت «
الكمية الحسابية » يجعلنا ننساق نحو الاعتقاد بعالم الأرقام بمعزل عن
نوعية الكائن الإنساني.
ويمكننا أن نجد المنطق الحسابي الرأسمالي ملقيا بظلاله على المبدأ
الحقوقي للمساواة, فالمساواة الرياضية تسمح بنفي التمايز, فإذا كانت
المرأة مساوية للرجل فيعني هذا أن الرجل امرأة والعكس صحيح, لكن
المساواة بين المرأة والرجل لا تعني أن المرأة أصبحت رجلا أو الرجل
امرأة و« إن كان البعض يحلم بذلك», بمعنى آخر فإن هذا المنطق يمحي كليا
الاختلاف بين الرجل والمرأة, وكل « صعوبات المجتمعات الحديثة تكمن
بالضبط في التفكير على المساواة وممارستها دون نفي الاختلاف ».
وإذا كان الحساب الرياضي ملكة أساسية للعقل، لكنها ليست كل العقل, لقد
سمحت هذه الملكة بخلق الآلة الحاسبة، بل إن الطريقة التي كمنت في تثمير
ملكة العقل في الأشياء المادية كانت قديمة قدم الإنسان وهي التي سمحت
بالتقدم التقني, ولكننا نجدنا اليوم في حركة معاكسة، تطبق فيها الآلة
الحاسبة على العقل آملين بذلك الوصول إلى السيطرة المادية على التفكير.
وهذه الحركة مثلها مثل الإيديولوجية الاقتصادية السائدة التي تقوم على
أن الكائن الإنساني العقلاني هو كائن حساب، وبالتالي يمكننا أن نحسب
(نقيس كميا) تصرفاته ونستطيع برمجته.
«
كن جريئا على استخدام عقلك » هذا شعار الفيلسوف الألماني « كانط »
والذي يذكرنا بالاعتقاد الراسخ الذي قامت عليه الأنوار على أن الإنسان
كائن عقلاني قادر على التفكير بشكل حر 000 هذا الاعتقاد لا يمنع من
التساؤل حول الشروط التي استطاع بها الإنسان أن يبلغ العقل، ولكنه يحرم
بالمقابل توحيد الإنسان بالحيوان، أو بالآلة الحسابية أو بنموذج
بيولوجي.
إذا كان العلم والتكنيك واقتصاد السوق قد شكل ثمار الحضارة الغربية
اليوم، فذلك بسبب الاعتقاد الذي قامت عليه هذه الحضارة, فالمشروع
العلمي والتقني الغربي نجم عن الإيمان بأن الله قد أعطى الأرض وراثة
للإنسان وجعله خليفة عليها، وأن الباري قد نظم الطبيعة حسب قوانين
ثابتة لا يتدخل فيها، وبأن معرفة هذه القوانين مطلوبة وتسمح للكائن
الإنساني أن يسخر الطبيعة حسب حاجاته، وأن القدرة الإلهية أعطت الكلام
للإنسان كي يكون حرا.
هكذا فالقوة المادية والفتوحات الفكرية الغربية مدينة بالكثير للمسيحية
في الغرب وإن كان الدين (في دول الغرب) قد أصبح اليوم مسألة حرية فردية
خاصة بكل فرد إنساني بعد أن كان مؤسسا (حسبما يحمله من اعتقادات)
لوضعية حقوقية للحاكم والمحكوم.
وحقيقة أن المسيحية قد فقدت في العديد من الدول الغربية سلطانها وكل
مكان دستوري لها، ولا يعني هذا أن هذه الدول أصبحت محرومة من كل ركيزة
اعتقادية. لقد قامت بعلمنة الحق وإعطائه ركيزة (مرجعية بالأحرى) قائمة
على الاعتقاد بمبدأ حق طبيعي يجعل الناس أحرارا ومتساوين فيما بينهم.
فكما أن حرية الكلام والتواصل لا يمكن أن تحصل إلا باحترام القواعد
اللغوية التي تفرض نفسها على الجميع، فإن البشر لا يستطيعون أن يعيشوا
بحرية ووفاق دون مرجع أعلى لهم، دون مبدأ حق يقبلون به، ويعتنقونه،
ويمكننا أن نلاحظ أن العملية الغربية للسيطرة على العالم قامت على
الاعتقاد بصحة رسالة الغرب في تحضيره للشعوب الأخرى بعد أن بررت
المسيحية الرومانية فتوحها للعالم باسم رسالتها الدينية وهوايتها
للشعوب.
وحتى الحرب العالمية الثانية، شكلت فكرة عدم التساوي البيولوجية بين
البشر جزءً من «الحقائق العالمية» التي روجها العالم ما بعد داروين،
خاصة في البلدان البروتستانتية. ووحدها هزيمة النازية والامبراطوريات
الاستعمارية هي التي ضعضعت تلك الاعتقادات التي تتجدد بأثواب أخرى
كالاعتقاد أن الغرب ما زال يسير في منحى التاريخ، أي « قوانين السوق
الاقتصادية ».
وبهذا يقول « أوغست كونت » فيلسوف الوضعية: «إن الآراء المسلم بها هي
أيضا حالة عادية للعقل الإنساني، لأن النزعة الشكية ليست سوى التعبير
عن حالة أزمة, كلما أصبح العقل الإنساني مدعوا لتغيير معتقداته،
وكوسيلة ضرورية يستخدمها الفرد أو النوع من أجل الانتقال من معتقدات
إلى معتقدات جديدة، والشعوب الحديثة خضعت لهذا القانون الذي لا يقاوم».
وبما أن الحق هو المكان الأخير الذي تظهر فيه المعتقدات، أي الآراء
التي يسلم بها الناس ولا يناقشونها، فإن جميع المحاولات تتم من أجل
تذويبه في قوانين العلم, سابقا أريد تذويبه باسم قوانين التاريخ
وحتميته، أو قوانين العرق، واليوم فإنها قوانين الاقتصاد أو علم
الوراثة هي التي تحاول ابتلاعه، والنتيجة هي تجريد الحق من كل إكراه
يستخدم ضد الحاكمين أو ضد قوانين السوق الحرة أو ضد الظلم الاجتماعي،
وبحيث تصبح الفكرة الحقوقية مفصولة عن مسألة العدالة.
إن الخطأ الأساسي لدى الحقوقيين الذين يعتقدون « بواقعيتهم » في تناول
الفكرة الحقوقية والذين يطردون كل اعتبار للعدالة في تحليلاتهم للحق
ينجم عن تجاهلهم أن الإنسان ذو بعدين بمعنى أن حياته الاجتماعية تجري
على أرضية ما هو قائم وعلى أرضية ما يجب أن يكون.
والحق بهذا ليس أمر كشف غيبي أو كشف علمي بقدر ما أنه شأن إنساني بحد
ذاته يشارك فيه من يقومون بدراسته، ولكنهم لا يستطيعون تفسيره وتأويله
إذا لم يأخذوا بعين الاعتبار القواعد التي يحملها للناس ويعطي لوجودهم
معنى, فالشأن الحقوقي هو شأن بشري يجيب على حاجة حيوية أولية لكل
مجتمع، ألا وهي تقاسم ما يجب أن يكون لتفادي النزاعات والحرب الأهلية.
|
الكتاب : الإنسان الحقوقي
الناشر : سويل ـ باريس 2005
الصفحات : 334 صفحة من القطع المتوسط
نقل (بتصرف) من: البيان الإماراتية
|
 |
|