السلــطة والمقــدّس

تأليف: علي مبروك


يذهب الباحث والكاتب المصري علي مبروك الذي صدر له من قبل (عهد الإمامة والسياسة والخطاب التاريخي في علم العقائد) في كتابه هذا : " السلطة والمقدس " إلى اعتبار أن المجال السياسي في الإسلام قد تبلور تحت سطوة القداسة المزدوجة لكل من (الدين والقبيلة)، ولم يحدث أبداً أن تبلور بعيداً عن أي حضور للقداسة، وضمن هذا السياق، فإنه يبدو أن العلاقة بين كلا المقدسين ـ الدين والقبيلة ـ قد راحت تتأرجح بين التماهي الكامل بينهما في البدء، حيث راح مقدس القبيلة يحيل نفسه إلى مقدس إلهي، وبين تخفي اللاحق للواحد منهما ( أو مقدس القبيلة ) وراء الآخر ( أو مقدس الدين ) ولكن من دون أن تنفصم عراها أبداً. بل إنه يبدو أن المراوحة نفسها بين التماهي والتخفي تظل هي التي تنظم مسار العلاقة بينهما للآن, فالحق أنه التماهي بين المقدسين، ولا شيء سواه، هو ما يمكن قراءته وراء سطور الأقوال والروايات التي تضعها المصادر التاريخية على ألسنة الفرقاء المتنازعين – حسب رأي الكاتب _ على خلافة النبي (ص) منذ ما قبل وفاته, وليس يقلل أبداً من قوة دلالة هذه الروايات ما يقال من ظهور الانتحال والوضع عليها.

إن انتحال القول ووضعه إنما يشير إلى قوة حضور دلالته في الواقع، وبحيث يبدو أنه كلما كانت الدلالة أكثر حضوراً، كلما جرى وضع القول الدال عليها على ألسنة ذوي السلطة الرمزية وحتى الفعلية، الأعلى والأقوى.

بعد ذلك يرى علي مبروك أنه إذ تنبني شورى القبيلة على الشوكة والمغالبة، حيث:       « الرياسة لا تكون إلا بالغلب، والغلب إنما يكون بالعصبية، فلا بد في الرياسة على القوم أن تكون من عصبية غالبة لعصبياتهم واحدة واحدة، لأن كل عصبية منهم إذا أحست بغلب عصبية الرئيس لهم أحسوا بالإذعان والاتباع »، على نحو يبدو معه وكأن الأمر طوعاً وشورى.

إذن فإنها الرياسة تكون للأقوى مغالبة وشوكة، والإذعان من الأدنى انصياعاً وبيعة هي ما تمثل بنية شورى القبيلة، التي أدرك فيها الغزالي جوهر ما جرى في الإسلام منذ ما بعد وفاة النبي (ص)، والتي لم تزل تحكم فضاء الممارسة السياسية العربية للآن، وبالطبع بعد أن أضيفت إلى شوكة القبيلة أو قريش قوة الجيش.

والحق إنها تغاير بحسب هذا البناء شورى العقيدة بكل ما قيل إنها تفترضه من وجوب الاختيار والممانعة وهكذا فإنه إذا كان نظام القبيلة قد راح يجد ما يدعمه في نصوص الشورى (في القرآن)، فإنه يلزم التأكيد على أن ذلك لا يعني أبداً أن هذه النصوص كانت هي التي وجهت الأمر، بل إنها شورى القبيلة قد كانت هي الموجهة لشورى النص، وليس العكس.

وبالرغم من ذلك فإنه يبقى أن هذه المخايلة بالتماهي هي أحد أقنعة التماهي الأكبر بين مقدس الدين ومقدس القبيلة. وإذا كان يبدو هكذا ان استمرار التقليد الخاص تداول السلطة عبر شورى القبيلة أو المغالبة وليس الوراثة، قد آل حسب كل ما سبق إلى وجوب التماهي بين مقدس الدين ومقدس القبيلة، فإنه كان لا بد أن يتولى كسر هذا التقليد بالذات، والتحول إلى الوراثة مع معاوية، إلى ضرب من التحوير في العلاقة بين كلا المقدسين راح فيه الواحد منهما (أو مقدس القبيلة) يتخفى وراء الآخر, وذلك بدلاً من تماهيها المعلن أو المضمر، ولعل هذا التحوير، بما يعنيه من دوام العلاقة ـ رغم التخفي ـ بين كلا المقدسين، وليس نفيها، إنما يرتبط بحقيقة أن نظام القبيلة لم يكن أبداً بسبيل الانهيار والتحلل، بقدر ما كان يتجه إلى طور من التخفي والتحول ـ إذ الحق أن مصائر السياسة والثقافة في الإسلام لن تفلت أبداً ـ وحتى الآن من قبضة التوجيه الحاسم لهذا النظام, وهكذا, فلعل الأمر مع معاوية، لم يتجاوز حد أن تحولاً كان لا بد أن يطرأ على أحد عناصر هذا النظام، والخاص بتداول السلطة بالذات، على نحو يلائم التحول إلى (دولة امبراطورية) أوسع بما لا يقاس من حدود القبيلة, ذلك لأن رقعة الدولة قد اتسعت على نحو يجاوز قدرة القبيلة على أن تظل تحكم وتتداول السلطة, بأساليبها القديمة, وبما يحيل في النهاية، إلى أن التخفي القبائلي وراء العقائدي إنما ينطوي على ضرب من التخفي لتقديس هذا النظام وراء تقديس السلطان.

وبالرغم من أن حقيقة الأمر لم تتجاوز هكذا حدود فإن تقديس النظام قد راح يتخفى وراء تقديس السلطان، وإنما يحيل إلى دوام التقديس في كل الأحوال، فإنه يبقى أن الأمر قد بات ينطوي على التجاوز وزمن التقديس في السياسة إلى التقديس الذي ينتج ـ يؤسس ـ نفسه في الثقافة.

وهنا فإنه إذا كان التقديس ـ إنتاج التقديس في السياسة قد راح يتحقق عبر استراتيجية يتعانق فيها التماحي والتخفي لكل من القبلي والعقيدي، فإن تأسيسه في الثقافة قد راح يتحقق بدوره، عبر استراتيجية يتجاوب فيها النقلي مع العقلي، أي من حيث المرويات في النقل عن تقديس السلطان ـ الأب، سواء جاء على لسان النبي « ص »، أو كانت إنتاج ثقافة قد تضافرت في تأسيسها للتقديس مع نظام معرفي يؤسس في العقل، لسلطة النموذج ـ الأصل ـ وذلك بالطبع عبر التوسط الدائم للدين حيث القداسة الأصل .. القداسة للرب.


الكتاب : السلطة والمقدَّس/ دراسة

الناشر: مركز الإنماء الحضاري/ حلب 2006

الصفحات: 158 صفحة

المصدر : البيان الإماراتية (نقل بتصرف)