لماذا الدين ضرورة حتمية ؟

مصير الروح الإنسانية في عصر الإلحاد


تأليف: البروفسور هوستن سميث

( أستاذ الفلسفة وعلم الأديان في عدة جامعات أميركية)

تعريب وحواشي:  سعد رستم

الناشر: دار الجسور الثقافية

الطبعة: الأولى  - 1426 هـ / 2005 م


 

تعود أسباب الأزمة التي يمر بها العالم مع دخوله الألفية الثالثة إلى أمور أعمق من طرق تنظيم الحياة السياسية والاقتصادية, إن الشرق والغرب يعانيان – كل بطريقته – من أزمة واحدة مشتركة سببها الحالة الروحية للعالم الحديث, فقد اتسمت هذه الحالة الروحية بفقدان اليقين الديني, وفقدان الإيمان بالسمو, والتعالي على الوجود الماديTranscendenc  بآفاقه الرحبة الواسعة, وطبيعة هذا الفقدان غريبة, لكنها – في النهاية – منطقية ومتوقعة, مع تدشين عصر النظرة العلمية البحتة, وبدء إحساس البشر بأنهم أصبحوا يمتلكون أسمى المعاني في العالم ويعرفون مقاييس ومقادير كل شيء, بدأت المعاني بالانحسار, وأخذت مكانة الإنسانية تتضاءل, لقد فقد العالم بعده الإنساني, وبدأنا نفقد السيطرة عليه .

إن ابتداء الألفية الجديدة مناسبة ملائمة للبدء بتأمل عميق في هذا الوضع, الحركات التي سبقت التحول الألفي ظهرت وانحسرت في تلك الجولة, وهي تستحق منا لحظة تأمل قبل أن نرميها في الرف في جولتنا الجديدة في الألف سنة القادمة! وقد رأى عالم الإنسانيات ( الأنثروبولوجي ) (1) . ( فكتور تورنر) أن هذه الحركات تمثل بالنسبة للثقافات ما تمثله ( طقوس الانتقال ) (2) بالنسبة للأفراد, إنها تشير إلى لحظات تغيير وانتقال, تدعو أفرادا وجماعات إلى الارتباط بجذورهم الثقافية لكي يعدوا أنفسهم لاتخاذ الخطوة القادمة – التي غالباً ما تكون مخيفة – نحو المستقبل .

يقول مؤلف كتاب ( لماذا الدين ضرورة حتمية ؟ ) إذا أردنا أن  نفهم هذه النقطة جيدا, ينبغي أن لا نفسر العبارات البلاغية لتلك الحركات تفسيرا حرفيا, بائع السندويش الذي يقف بين لافتات تعلن أن النهاية أصبحت وشيكة, إنما يخبرنا بشي هام, حتى ولو لم تكن النهاية مثلما يعتقده, إنه يعترض على ثقافتنا السائدة إنه يشير – ولو بلغة متلعثمة – إلى وجود حياة سماوية تقدم لنا بديلا عن الحياة الأرضية التي تعاني دائما من خلل ونقص عميقين.

ويضيف هوستن سميث: لقد منحني هذا طريقة تفكير حول الكتاب الذي  كتبته, لأنه فعلا كتاب ينظر إلى الوراء إلى جذور الأجداد على أمل أن يساعده ذلك في فهم التشويش والإرباك الذي يتسم به عصرنا الحالي, الحقيقة أنه منذ قرن أو أكثر طرح وكتب كثير من النقد الثقافي متبعا نفس الأسلوب مما يجعل لزاما علي أن أوضح للقارئ السبب الذي دعاني أن  أضيف كتابا آخر لهذه المكتبة ؟ أي باختصار ما الجديد في كتابي هذا ؟. بكلمة واحدة: الجديد فيه هو التبسيط . طبعا هذا التبسيط ينطوي على مخاطرة الوقوع في التبسيط المبالغ فيه, وهي مخاطرة تنبهت إليها وعملت على اجتنابها في كل صفحة من صفحات الكتاب, وتبسيطي هذا نابع من كون فلسفة الحياة كانت أمامي واضحة وبسيطة ... تتلخص فيما يلي :

أولاً: لا يمكن للوجود الدنيوي ( الأرضي ) بسبب محدوديته وتناهيه, أن  يشبع قلب الإنسان بشكل كامل, هناك في فطرة الإنسان توقع وتطلع نحو " الأكثر ". ولا يمكن لعالم الممارسات الحياتية اليومية أن  يشبع هذا التطللع. هذا التطلع إلى ما هو  أبعد مما يتيحه العالم الدنيوي, يوحي, بقوة, بوجود شيء تحاول الحياة أن تصل إليه, تماما مثلما تشير أجنحة العصافير لحقيقة وجود الهواء, تنحني أزهارعباد الشمس نحو الضياء لأن الضياء موجود, ويبحث الناس عن الطعام لأن الطعام موجود, قد يجوع بعض الأفراد, ولكن أجسامهم لم تكن لتمر بإحساس الجوع لو لم يكن في الوجود طعام يلبي هذا الإحساس .

إن الحقيقة التي تهيج شوق الإنسان إليها وتشبع روحه تملؤها هي: الله , أيا كان اسمه الذي تسميه به, ولما كان عقل الإنسان لا يستطيع حتى خلال سنين ضوئية ! أن  يدرك طبيعة الله, فإننا نحسن صنعا بإتباعنا لاقتراح " رينر ماريا ريلكه " (3).

أن نتفكر بالله بوصفه (اتجاها) أكثر من تفكيرنا به ككائن, هذا الاتجاه هو دائما نحو أفضل ما يمكننا أن ندركه, على النحو الذي يؤكده المبدأ اللاهوتي للإسناد الوصفي الذي ينص على أنه: عندما نستخدم أفكارا أو أشياء من عالمنا الدنيوي لنصف بها الله, فإن أول خطوة هي إثبات ما هو إيجابي فيها لله, والخطوة الثانية نفي ما هو محدد متناه في تلك الأوصاف عن الله, والخطوة الثالثة هي الصعود بالمعاني الإيجابية لتلك الأوصاف إلى الدرجة الفائقة ( أي إلى أعلى نقطة يمكن لتصورنا أن  يبلغها ) بهذا التمييزالتام والجذري بين الله والعالم تنتهي أشياء أخرى إلى مواضعها المناسبة كما سيبينه هذا الكتاب.

أضيف - والكلام لـ(هوستن سميث ) - إلى هذه النقطة المتافيزيقية, التي أراها بديهية, الحقيقة التاريخية التالية : قبل أن يأتي عصر العلم الحديث, كان الناس يعيشون ضمن الرؤية الكونية التي تتطابق مع الخطوط العريضة التي أشرنا إليها, رؤية تعددت طرق التعبيرعنها, إلا أنها واحدة في الخط العام, وجاء العلم ليستبدل تلك الرؤية التقليدية, بالرؤية العلمية للكون. آخر صحفي أجرى معي حوارا قدم لي ملاحظة فحواها أنني أبدو دائما وكأنني غاضب من العلم. صححت له ملاحظته فقلت: أنا غاضب من أنفسنا – نحن الغربيون الذين تخلينا عن التفكير الصافي النقي, وسمحنا لأنفسنا بأن نصبح مهووسين بالأسس المادية للحياة لدرجة جعلتنا نمنح العلم شيكا على بياض, لا أتكلم هنا على المال, أتكلم على شيك على بياض بشأن دعاوي العلم المتعلقة بالمعرفة والاعتقاد الصحيح, هنا يدخل في الصورة تأثير العلم البحت, وإن كان لمعجزات التكنولوجيا الحديثة التأثير الأهم لدى جمهور الناس .

هذا هو سبب أزمتنا الروحية, وهي تضاف إلى أزمات أخرى نعاني منها ونحن ندخل الألفية الثالثة : أزمة البيئة, أزمة الانفجار السكاني, أزمة اتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء, لكنها ليس من اختصاص هذا الكتاب .

يتألف الكتاب من جزأين وخاتمة, ويتضمن كل جزء عددا من الفصول, أما الفصل الأول: فيقدم تمهيدا تاريخيا للمراحل التاريخية الثلاث التي أوصلتنا للمرحلة الحاضرة, ملقيا الضوء على الإنجازات والإخفاقات في كل عصر.

والفصل الثاني: يصف الأبعاد الروحية للعالم الذي تعيش فيه الناس قبل أن تحولهم القراءة الخاطئة للعلم الحديث,- حيث يؤكد المؤلف هنا أن المتهم هنا ليس العلم ذاته بل سوء الفهم أو التفسير الخاطئ له - إلى النفق ( المظلم ) وهي العبارة التي استخدمها المؤلف كاستعارة رئيسة في هذا الكتاب. ( ولن يفوت القارئ مشابهتها لكهف أفلاطون(4)) . وصف هذا النفق المظلم وجوانبه الأربعة يحتل الجزء الأول من الكتاب .

أما الجزء الثاني من الكتاب فينظر للمستقبل الذي رمز إليه النور في آخر النفق. حيث تلامس فصوله الأولى بعض التنبؤات ثم تستقر على مهمتها الأساسية وهي وصف ميزات ومعالم الرؤية الدينية الواسعة الثابتة غير المتغيرة. والإستراتيجية المتبعة هي المعالجة الواضحة والمباشرة, وبما أن التوقعات تنطوي على شيء من المصادفة والمخاطرة, فإن النتائج التي تعطيها تعد قليلة القيمة. ولعل أفضل طريقة استعداد للمستقبل هي أن يكون في حوزتنا خريطة واضحة يمكنها أن توجهنا في الطريق الصحيح, أينما استقر بنا الحال  في المستقبل .

 في هذه الدراسة النقدية يناقش البروفيسورالأمريكي الصوفي المشرب والدكتور في الفلسفة " هوستن سميث " – أستاذ الفلسفة وعلم الأديان في عدة جامعات أمريكية وصاحب كتاب :" أديان العالم " الأزمة الروحية الحاضرة لإنسان عصر الحداثة وما بعدها, ويقدم لنا دراسة نقدية فلسفية واجتماعية وعلم – نفسية وتاريخية تشرح ملامح تلك الأزمة وما أنتجته من تصور مادي للعالم يقلص وجود الإنسان ويحرمه من كل أبعاده الروحية وما يتبع ذلك من اختناق روحي وفقدان للأمل وسيطرة للمادية والفردية والاستهلاكية والعلموية والانظمة القانونية المتنكرة للقيم الدينية والسياسات الحكومية المجردة من المبادئ الأخلاقية ( خاصة في وطنه الولايات المتحدة الأمريكية زعيمة الحضارة الغربية ). مشبها ذلك بنفق مظلم حبس فيه إنسان الحداثة الفاقد للإيمان .

ويتتبع المؤلف – في الجزء الأول من الكتاب – الأسس الفكرية والفلسفية التي يستند إليها في هذا المفهوم العلمي المادي للعالم فيفندها تفنيدا علميا غاية في الموضوعية ليقدم في الجزء الثاني من الكتاب مؤيدات التصور الديني للعالم من خلال عدة فصول يطرح فيها معلومات علمية وفلسفية غاية في الروعة تدعم الإيمان بالله وبالروح وببقاء الوعي والحياة الشعورية بعد الموت, موضحا القاسم المشترك بين أديان العالم الكبرى في هذا الصدد, داعيا في مطلع الألفية الثالثة إلى مجتمع تحترم فيه الروح الإنسانية وتشجع لاستثمار إمكانياتها الرائعة كاملة, وتلتقي  فيه القوتان الأقوى في التاريخ ( الدين و العلم ) ليحلا خلافاتهما ويرسيا أصول التعاون والعلاقة المتبادلة بينهما, ويستمر في الدين بلعب دوره الذي لا غنى للبشرية عنه, بوصفه المصدر الحيوي الزاخر للحكمة الإنسانية والبوصلة الأخلاقية التي يجب أن  تقود مسيرة حياتنا .

 

1)  المتخصص بالـ( الأنثروبولوجي ) أي علم الإنسان, علم يبحث في أصل الجنس البشري وتطوره وأعراقه وعاداته ومعتقداته .

2)  طقوس الانتقال من مرحلة إلى مرحلة جديدة في الحياة, مراسم تشكل معلما لتقدم شخص من دور أو مرحلة في حياته إلى دور أو مرحلة جديدة أو انتقاله من وضعية اجتماعية حالية إلى وضعية اجتماعية جديدة, استخدم هذا أول مرة عالم الإنسانيات البلجيكي ( آرنولد فان غينيب ) والتحولات الأساسية في الحياة هي الولادة, والبلوغ, الزواج, الموت, كل تحول يتم تعليمه ( أي تحديده ) بفترة انتقاليه تتضمن طقوسا معينة: إزالة الفرد من منزلته السابقة, تعليق الاتصال الاجتماعي الطبيعي, وإعادة الدخول إلى المجتمع ضمن المنزلة المكتسبة حديثا, تزود هذه العملية الانتقالية الآخرين أحيانا بفرصة لتعديل وضعهم ليتكيفوا مع الحدث الجديد, كما يحدث على سبيل المثال, عند موت أحد أحبة الإنسان, وتظهر طقوس الانتقال في كل المجتمعات البشرية وتتضمن نوعا من الرموزية في أغلب الأحيان, وتعيد تأكيد قيم المجتمع الخاصة .

3)  ريلكه, رينر ماريا (1874 – 1926 ) شاعر وروائي نمساوي ألماني, اعتبر أحد أعظم الشعراء الحديثين وأكثرهم تأثيرا بسبب أسلوبه الدقيق, وصوره الرمزية, وتأملاته الروحية . اعتبر الموت تحولا للحياة نحو حقيقة باطنية غيبية تشكل مع الحياة وحدة كلية واحدة .

4)  أسطورة الكهف استعارة استخدمها أفلاطون – لتوضيح نظريته الخاصة للمعرفة, تصف الأسطورة أو الاستعارة التشبيهية أفرادا حبسوا في غياهب كهف مظلم عميق مما جعل رؤيتهم معاقة ومحدودة جدا إلى درجة أنهم لم يكونوا قادرين على رؤية أحدهم الآخر وكان الشيء الوحيد  المرئي بالنسبة لهم هو حائط الكهف الذي تظهر عليه ظلال نماذج أو تماثيل الحيوانات والأشياء التي كانت تمر أمام نار مشتعلة مضيئة, تمكن أحد المحبوسين من الإفلات والفرار من الكهف وخرج إلى ضياء النهار, حيث رأى لأول مرة في حياته – بفضل نور الشمس – العالم الحقيقي وعاد مسرعا إلى الكهف يحمل رسالة يؤكد فيها لرفاقه أن  كل ما كانوا يرونه في الكهف لم يكن سوى ظلال ومظاهر وأن العالم الحقيقي ينتظرهم في الخارج إذا كانوا مستعدين للكفاح لأجل التحرر من قيودهم . بالنسبة لأفلاطون ترمز بيئة الظلال في الكهف إلى عالم الظواهر المادي في حين يرمز التخلص من أسر الكهف إلى عالم النهار المضيء بنور الشمس, الانتقال نحو العالم الحقيقي, عالم الوجود الكامل التام, عالم الأشكال التي تكَّون الموضوع الصحيح للمعرفة .