|
عنوان
الكتاب:
عصر التطرف
تأليف:
د. محمد
الرميحي*
دار النشر:
دار الســاقي
|
 |
بين الشمال والجنوب يكون عصرنا بحق هو عصر المتناقضات تبعاً للزاوية
والمكان اللذين ننظر إليه. فهو عصر الديموقراطية من جانب، وعصر التطرف
من جانب آخر. وهناك عناصر أخرى تبدو بعيدة عن المتن لكنها حقيقة أقرب
ما تكون من المتن ذاته. فشأن المرأة، وآليات الإدارة الحديثة، ووسائل
المعلومات والنشر الجديدة، وكلمة الفن... هي مرايا أخرى تعكس مظاهر
عصرنا.
عصرنا هو عصر الديموقراطية، وبرغم غموض هذا المفهوم، وتعدد أشكال
الممارسة، والاختلاف البائن في التطبيق، فإن هناك حداً أدنى متفقاً
عليه بين المهتمين هو أن تكون هناك مؤسسات مختلفة في المجتمع المدني
تقوم بالحفاظ على الحد الأدنى من تمكين المواطنين من انتخاب ممثليهم
بشكل حر لا تدخل فيه، وأن تقوم هذه المؤسسات بالحفاظ على المصالح
العامة، ويكون أولئك المنتخبون معرضين للمسائلة وإعادة التقويم في
فترات زمنية محددة سلفاً.
إن الديمقراطية تعني أيضاً الإيمان بأن المواطنين العاديين لديهم قدرات
غير عادية للحفاظ على مصالحهم، أي أن الديمقراطية لا وصاية فيها لأحد
على أحد، وأن الحقيقة المطلقة لا وجود لها ولا يملكها أحد من الناس،
الحقيقة النسبية هي فقط الممكنة ويمكن الوصول إليها عن طريق المناقشة،
والإقناع.
الديمقراطية أيضاً تؤمن بأن الإنسان العادي – إن أتيحت له ظروف حسنة –
يسعى بطبعه إلى الخير ويبتعد عن الشر، لذلك فإن رأي الجماعة هو أرشد
بكثير من رأي الفرد، إن تحققت لهذه الجماعة الضمانات الكاملة، من بُعد
عن القهر أو الابتزاز أو التشهير أو الحرمان المادي والمعنوي.
الديموقراطية معطلة في عالمنا الثالث، بعضناً أخذ بها وخفف كثيراً من
آلياتها قبل أن تطبق بعضاً منها، وبعضنا اكتفى بإظهار تلك الآليات
ونقدها دون الاقتراب منها، وهي في الحقيقة سهلة وممتنعة في آن. سهلة أن
نتحدث عنها وسهلة أن نطالب بها ولكنها ممتنعة عند التطبيق، خاصة عندما
تطبق علينا. كم من السياسيين في العالم الثالث طالبوا بالديموقراطية
لسنين طويلة، ولكنهم عندما أتيحت لهم الفرصة واعتلوا قمة السلطة غضوا
الطرف عنها واعتبروها إما أحد الأنظمة الدخيلة علينا أو أن شعوبنا لم
تزل بعد غير مهيأة لممارستها. التجربة في الدول العربية فيما بين
الحربين تدلل على ذلك بأكثر من دليل، فقد كان العراق مثلاً بلداً
ديموقراطياً بشكل نسبي قبل انقلاب 1958، وكذلك كانت مصر قبل سنة 1952
بها شيء من الممارسة الديمقراطية. كل ذلك قد اختلف وقدمت الأسباب
الحقيقية أو المتخيلة وقبلها بعضنا عن قناعة، ويعيد بعضنا الآن تقويمه
لها من جديد.
مازال البعض منا يعتقد أن الديموقراطية معطلة للتنمية، ولكنه لم يأت
بخيار آخر، حتى لو كانت الممارسة سلبية. ويقول بعض كتّابنا إن (الثقافة
العربية) لا تقبل الممارسة الديمقراطية بمعناها الغربي، ولا أعتقد أن
الثقافة لها ذلك التأثير إن أتفقنا أن الثقافة كحالة هي حالة مكتسبة
ومتغيرة أيضاً، فإن كان مجتمع كالمجتمع الهندي – على اختلاف ملله ونحله
ولغاته وثقافاته – قد استطاع أن يحقق استقراره بديمقراطية فلماذا لا
نفعل نحن ذلك؟ وهناك شعوب وثقافات عديدة قامت بذلك.
الديمقراطية كما يقول مؤلف كتاب "عصر التطرف" هي الإيمان بالمساواة بين
أفراد المجتمع، بصرف النظر عن أعمارهم أو أديانهم أو مراكزهم
الاجتماعية والسياسية، وفي ذلك قول قد يقبله البعض نظرياً ويرفضونه في
الممارسة لأسباب مصلحية خاصة بذواتهم. ويرى أن الديمقراطية بمفهومها
السلبي هي المناقضة للقمع، ومناقضة للمعتقلات السياسية. فالأصل هنا ألا
يحتكر أحد الحقيقة السياسية في المجتمع المتحضر، والقانوني. فالحقيقة
يصل إليها الإنسان في حوار له مع أخيه الإنسان المواطن، وقول الإنسان
هنا يجمع بين الرجل والمرأة، المؤمن وغيره، مادام مواطناً شريفاً وإن
دان بمذهب آخر.
إن ضعف الممارسة الديمقراطية في عصرنا، عصر ثورة المعلومات وثورة
الاتصالات، لا يتجاهل فقط المواطنين وحقوقهم المشروعة، بل إنه يولَّد
لا محالة التطرف والعنف ويشعل الحروب بكل أنواعها أهلية أم إقليمية
وحتى دولية، وفي ذلك دفع لثمن إنساني أغلى بكثير من الثمن الذي يمكن أن
يدفع للديمقراطية والقبول بالرأي الآخر ومناقشته والتفكير به واحترامه.
ولكي نقضي على ضعف الممارسة الديمقراطية، فإن علينا أن ندرك أن
الديمقراطية ليست مجرد فكرة يمكن أن نتعلم فوائدها ومعناها وجدواها على
مقاعد الدراسة، بل إن الديمقراطية في نهاية الأمر سلوك. ومن هنا،
وحرصاً على أن نتجنب ضعف الممارسة عند التطبيق فإنه يجب علينا أن نبدأ
بتعلمها من البداية من البيت، من تربية أطفالنا، فلا نمارس القهر في
تربيتهم، بل يجب أن نلتزم بأسلوب الإقناع في الحوار معهم، ويجب أن
نمنحهم الفرصة كاملة للتعبير عن أنفسهم، وأن يتأكدوا من أن وجهة نظرهم
– مهما شابها من نقص في المعلومات أو في الخبرة – تلقى احترام الكبار
وتقبلهم، ولأن هذا الاحترام والقبول هو الذي سوف يدفع الصغار لإدراك
قيمة المعرفة والعلم والخبرة، فإنه سيسعون جاهدين للتزود بها لأن هذا
التزود هو الذي يضمن لوجهة نظرهم أن تجد فرصتها الحقة للتحقيق
والاعتراف!
ويتصل بهذا المعنى أن يصبح حق المعرفة والتعلم جزءاً من حقوق الإنسان
ومن مقومات الديمقراطية وحقوقها، وإذا كنا سوف نبدأ بتعليم الديمقراطية
في البيت فإننا يجب أن نواصل ممارستها في كل مكان وفي كل موقف، في
الشارع في احترامنا لأنظمة المرور، وفي الأسواق، في مراعاتنا لحقوق
البيع والشراء والأمانة، وفي المصالح الحكومية، وفي تقديرنا لقيمة
الوقت والنظام والدور.
وفي هذا الكتاب محاولة جادة لمناقشة العناصر الثلاثة الداخلة في
عنوانه، وهي: الديمقراطية والتجاهل والقمع. مناقشة من زوايا مختلفة،
ولكنها جميعاً تثير سؤالاً واحداً ضرورياً ومهماً هو: هل نتسامح مع
الغير أم لا نتسامح؟
وإلى أي طريق يمكن أن يقودنا التسامح والرغبة في فهم الآخر وتقبل
الحوار معه؟ وإلى أي طريق يمكن أن يقودنا التعصب؟
مما يتناوله الأستاذ محمد الرميحي في كتابه: إشكالية التطرف, عصر
التطرف, القمع والتجاهل, مستقبل حركات الإسلام السياسي, سؤال
الديمقراطية, كم هي سهلة وممتنعة تلك (الديمقراطية), الديمقراطية آلية
الرقابة والتوازن, على هامش الانتخابات الأمريكية, من كتاب (الأمير)
حتى الصراع الدولي الحديث, المرأة والحرية, المسكوت عنه في حياة المرأة
المسلمة, إشكالية النساء والسلطة.
*
دكتوراه في العلوم الاجتماعية من جامعة درهام بإنجلترا. |