|
عنوان
الكتاب:
الله
والإنسان في القرآن
( دراسة دلالية
لنظرة القرآن إلى العالم )
المؤلف:
توشيهيكو
إيزوتسو
ترجمة :
د. عيسى العاكوب ( طبعة حلب )
د. هلال محمد الجهاد ( طبعة بيروت )
دار النشر:
حلب: دار
الملتقى ، 2007
بيروت - المنظمة العربية للترجمة |
 |
موقع الإمام الشيرازي
16/ربيع الأول/1430
يناول مؤلّف الكتاب، تغيّر دلالات الألفاظ العربية التي استخدمها
القرآن الكريم عما كانت عليه في الجاهلية، وقصد من ذلك إلى بيان أن هذا
التغيّر الدلالي عبَّر عن أمر غاية في الأهمية، وهي نظرة جديدة كلّ
الجدّة إلى العالم، ويذكر مؤلّف الكتاب الأستاذ توشيهيكو إيزوتسو
Toshihiko Izutsu في مقدّمته أنه أراد أن يكون قادراً على الإسهام بشيء
جديد في سبيل فهم أفضل لرسالة القرآن لدى أهل عصره الأول، ولدى أهل
زماننا أيضاً. ويبيّن في الفصل الأوّل من الكتاب "الدّرس الدّلاليّ
والقرآن" أن الشطر الرئيس من هذه الدراسة مهتمّ حصراً تقريباً بمسألة
العلاقة الشخصية بين الخالق العظيم، سبحانه، والإنسان في القرآن، وذلك
في دراسة دلالية لنظرة القرآن إلى العالَم. ويوضح أنه مهتمّ بنقطتين
أساسيّتين: الدّرس الدّلالي والقرآن، وقد أراد منذ البداية أن يكوّن
لدى القارئ فكرة جليّة تماماً عن ارتباط المنهجيّة القائمة على علم
الدّلالة semantic methodology بالدراسات القرآنية، قاصداً إلى أن ثمّة
دمجاً أو جمعاً في الكتاب بين النظر المعتمد على مناهج البحث الدّلالي،
والتطبيق الذي مادّتُه المعجمُ اللغوي للقرآن الكريم.
ونظراً إلى تعقيد مايسمّى عِلْم الدّلالة semantics وزيادة افتقاره إلى
الانسجام والتنظيم، عمد المؤلّف منذ البدء إلى إيضاح تصوّره الخاص
لعِلْم الدّلالة، وهو يقول في هذا الشأن: " إنّ عِلْم الدّلالة كما
فهمتُه هو دراسةٌ تحليلية للتعابير المفتاحية Key-terms في لغةٍ من
اللّغات ابتغاء الوصول أخيراً إلى إدراك مفهومي للنظرة إلى العالم
Weltanschauung لدى الناس الذين يستخدمون تلك اللغة أداةً، ليس فقط
للتحدّث والتفكُّر، بل أيضاً.. لتقديم مفهومات وتفاسير للعالَم الذي
يحيط بهم". وهو يرى أن الدّراسة الدّلالية للقرآن ستعالج الكيفية التي
يرى فيها هذا الكتابُ الكريمُ بناءَ عالَم الوجود والمكوّنات الرّئيسة
للعالم، وكيف يرتبط بعضُها ببعض. ويبيّن أن المهم لتحقيق قصْده المحدّد
من الكتاب هو نوعُ النظام المفهوميّ الذي يعمل في القرآن، لا المفهومات
الفرديّة متباعدةً ومنظوراً إليها في حدّ ذاتها بعيداً عن البناء
العام، أو البنية المتكاملة Gestalt التي اندمجت فيها. ويوضح أن
التعابير المفتاحيّة التي تؤدي وظيفة حاسمة في صياغة نظرة القرآن إلى
العالم بما فيها اسم "الله" تعالى، ليس منها ماكان جديداً ومبتكراً، بل
كانت كلّها تقريباً مستخدمةً قبْل الإسلام. وعندما شرع الوحْيُ
الإسلامي باستخدامها كان النظامُ كلُّه، أي السّياقُ العامُّ الذي
استُخدمت فيه، هو الذي صدم مشركي مكة بوصفه شيئاً غريباً وغير مألوف
وغير مقبول، تبعاً لذلك، وليس الكلمات الفردية والمفهومات نفسها. ويقول
ههنا: "الكلماتُ نفسُها كانت متداولةً في القرن السّابع [الميلاديّ]،
إن لم يكن ضمن الحدود الضيّقة لمجتمع مكّة التجاري، فعلى الأقل في
واحدة من الدوائر الدينية في جزيرة العرب، ما جدّ هو فقط أنّه دخلت
أنظمةٌ مفهوميّة مختلفة. والإسلامُ جمعَها، دمجَها جميعاً في شبكةٍ
مفهوميّة جديدة تماماً ومجهولة حتّى الآن".
يقوم عمل المؤلّف في الكتاب على أساس تصوّر واضح لديه يذهب إلى أنّ
المعجم اللغوي، أو مجموع مفردات أيّ نص من النصوص أو مَتن من المتون،
يتألّف من عدد هائل من طبقات الصلات الترابطية، أو مجالات الترابط
المفهومي، التي يتطابق كلّ منها مع اهتمام بارز لجماعة من الجماعات في
مرحلة ما من مراحل التاريخ، ومن هنا يلخّص هذا المعجمُ اللغويّ جانباً
معيَّاً من مُثُلها العليا وطموحاتها واهتماماتها. ويقول إنّ المعجم
اللغويّ المعني هنا بنيةٌ متعدّدة الطّبقات، وتُصاغ هذه الطبقات من
خلال مجموعات من التعابير المفتاحيّة التي يسمّيها "حقول الدلاّلة".
وابتغاء تحقيق ذلك انشغل المؤلّفُ بالكيفية التي تُبنى منها "الحقول
الدّلالية" المستقلّة، وكيفيّة اكتشاف الحقل الدّلالي وسط كل شديد
التعقيد من العناصر المتشابكة. وأدخل في هذا المجال مصطلحاً تقنياً آخر
هي "الكلمة الصميميّة "focus- word. وعنى بها تعبيراً مفتاحياً هاماً
جداً يشير إلى، ويحدّد إطارَ، مجالٍ مفهوميّ مستقلّ ومتميّز نسبياً، أي
"حقل دلاليّ" ضمن الكلّ الواسع للمعجم اللغويّ vocabulary. ويعدّ من
الكلمات الصميميّة في المعجم اللغويّ القرآنيّ كلمة "إيمان"، ويوضح أن
هذه الكلمة تحكم حقلاً دلالياً خاصاً بها. ويقول إنّنا متى عددنا كلمة
ما كلمةً صميميّة بدأنا نرى عدداً معيّاً من الكلمات الأخَر المهمّة،
الكلمات المفتاحيّة، يتجمّع حولها بوصفها النّواةَ المفهوميّة the
conceptual nucleus أو نقطة البؤرة، مشكِّلةً معاً مجالاً مفهومياً
دالاً ضمن المعجم اللغويّ الشامل للقرآن.
ثمّ يتحدّث المؤلّفُ عن طبيعة الكلمات الصميميّة والمفتاحيّة، ويشير
إلى أنّ الكلمة الصميميّة في حقل دلالي معيّن قد تكون كلمةً مفتاحيّة
في حقل آخر، والعكسُ صحيح أيضًا؛ فقد تكون الكلمةُ المفتاحية في حقل
دلاليّ ما كلمةً صميمية في حقل آخر، وتتجمّع حولها مجموعةٌ من الكلمات
المفتاحيّة. فكلمة "الله" مثلاً تظهر في الحقل الدّلاليّ لـ "الإيمان"
كلمةً مفتاحية إلى جانب كلمات أُخَر تتركّز حول الكلمة الصميمية
"إيمان"؛ لأنّ مدلولها في هذا السّياق المحدّد هو مَنْ يقع عليه فعْلُ
"الإيمان"، فالإيمان على الحقيقة هو إيمانٌ بالله. وهناك اعتبارات أخَر
مختلفة تحتّم النظر إلى كلمة "الله" على أنّها كلمة صميمية مهمّة تجمع
حولَها مجموعةً من الكلمات المفتاحيّة تشتمل على "الإيمان" نفسه. ويذهب
المؤلّفُ إلى أنّ كلمة "الله" هي أسمى كلمة صميميّة في المعجم اللغويّ
للقرآن، مهيمنة على الميدان كلّه. وليس هذا سوى التجلّي الدّلاليّ لما
عناه عندما قال إنّ عالم القرآن مرتكزٌ أساساً على الله"theocentric.
وقد مضى المؤلّفُ في الفصول اللاّحقة في تطبيق منهجيته التي حدّدها في
الفصل الأوّل. فتحدّث في الفصل الثاني عن التعابير المفتاحية القرآنية
في التّاريخ، مستخدماً مصطلحي الدرس الدّلالي التّزامنيّ synchronic
والتّعاقبيّ diachronic. ويصل المؤلّف هنا إلى استنتاج أنّه في
المنظومة القرآنية لايوجد أيّ حقل دلاليّ غير مرتبط بـ "الله" سبحانه،
وغير محكوم بمفهومه الأساسيّ.. وهذا ماجعل الدّارسين الدّلاليّين
يذهبون إلى القول إنّ عالَم القرآن مرتكزٌ أساساً على الله
theocentric، ولم يكن الأمرُ كذلك في الجاهلية.
ويحدّثنا المؤلّفُ هنا عن أمرٍ غاية في الأهميّة في تاريخ الثقافة
الإسلاميّة الذي أعقب نزولَ القرآن، فيقول إنه بلغ من سلطان القرآن أن
جعل كلَّ منظومة من منظومات الفكر الإسلاميّ مضطرّةً إلى اللجوء إلى
المعجم اللغويّ القرآنيّ للحصول على عناصرها المادية.
ويؤلّف الفصلُ الثالث الموضوعَ الدقيق للكتاب، أي البنية الأساسية
لنظرة القرآن إلى العالم. وههنا يسعى المؤلّفُ إلى تكوين فكرة عامّة عن
المخطّط المفهوميّ لنظرة القرآن إلى العالَم، من خلال دراسة تحليلية
ومنظّمة للكلمات الأكثر أهميّة التي تبدو تؤدّي وظيفة حاسمة في تمييز
الفكرة الغالبة التي تتخلّل جملةَ الفكر القرآنيّ وتنفذ فيه وتغلب
عليه.
ويخصّص الفصلَ الرّابع للكلمة الصميمية في المعجم اللغويّ القرآنيّ:
الله. ويبيّن أنّ النظرة إلى العالَم في القرآن مرتكزة على "الله"
سبحانه، أساساً. ويكون طبيعياً، والحال كذلك، أنّه في المنظومة
القرآنية يحكم مفهومُ "الله" الكلَّ من علٍ، ويترك تأثيراً عميقًا في
البنية الدّلالية للكلمات المفتاحيّة جميعاً. ولأهمية فهم الكيفية التي
يُبنى فيها هذا المفهومُ دلالياً، خصّص المؤلّفُ هذا الفصل لتحليل
مفصَّل نسبياً لهذا المفهوم، وجعل ذلك مدخلاً إلى دراسة المسألة
الأساسيّة لديه، مسألة العلاقة الرّباعيّة بين الله تعالى والإنسان.
ويتحدّث المؤلّفُ هنا عن تطوّر المعنى "السّياقيّ" لكلمة "الله" بين
عرب الجاهلية، ويميّز بين ثلاث حالات مختلفة: 1- المفهوم الوثنيّ لله
2- مفهوم اليهود والنصارى لهذه الكلمة في العصر الجاهليّ 3- استخدام
العرب الوثنيّين للمفهوم الكِتابيّ لـ "الله" خاصّة عندما يمدحُ شاعر
بدويّ مَلِكًا نصرانياً. ويضيف إلى الحالات الثلاث السّابقة حالة أخرى
خاصّة جداً، هي مفهومُ الله لدى مَن عُرِفوا باسْم "الحُنفاء". وقد
ظلّت هذه الحالةُ مستقلّةً ومتعالية نسبياً عن الأخريات إلى أن ظهر
الإسلامُ فأتى بها على نحو مفاجئ إلى ضوء التاريخ المتألّق.
ثم كان الفصلُ الخامس من الكتاب محلا لمناقشة العلاقة الوجودية بين
الله والإنسان، وقد ناقش فيه المؤلّفُ محورَينْ مهمّين يدوران في فلَك
هذه العلاقة، وهما خلْقُ الله الإنسانَ من عدَم، وقدَرُ الإنسان. ويعقد
المؤلّف هنا مقارنة رائعة بين النظرة الجاهليّة إلى العالَم، والنظرة
القرآنية. فالنظرة الجاهليّةُ نظرةٌ كئيبة جداً إلى الحياة، إذ
تُتصوَّرُ الحياة كلُّها سلسلةً من الفواجع، التي لا يحكمها القانون
الطبيعيّ للنماء والبِلى، بل الإرادة الغامضة لكائن مظلم أعمى شبه
شخصيّ، لا منجاة من قبضته القويّة. أمّا عالَمُ القرآن فيقدِّم صورةً
مختلفة تمامًا للشرط الإنسانيّ. إذ على حين غِرّة تصحو السّماء،
ويتبدّد الظلام، وفي موضع المعنى المأساويّ للحياة يظهر مشهدٌ لألاء
جديد للحياة الخالدة. والاختلافُ بين النظرتين إلى العالَم في هذا
الشأن شبيهٌ تمامًا بالاختلاف بين اللّيل والنهار.
وجاء الفصْلُ السّادسُ من الكتاب ليعالج العلاقةَ الثانية، الاتّصالية،
بين الله سبحانه والإنسان في ضرْب الاتّصال غير اللغويّ. وههنا يفصِّل
المؤلّفُ القولَ في نوعين من علاقة الله سبحانه بالإنسان، هما: آياتُ
الله، وهدى الله.
ويجيء الفصلُ الثامنُ ليحتضن حديث المؤلّف عن الجاهلية والإسلام، وقد
عالج فيه الجانب الثالث من علاقة الله والإنسان، وهي علاقةُ الرّبّ -
العبد.
الفصل التاسع الأخير يعقده المؤلّفُ للحديث عن العلاقة الرّابعة بين
الله والإنسان: العلاقة الأخلاقية. وتنهض معالجةُ المؤلّف في هذا الفصل
على فكرة تبدو مستقرّة لديه هي أنّ أحد الملامح الجليّة جداً للفِكْر
الدّيني الذي نشأ في العالَم السّاميّ Semitic، أي اليهوديّة أو
النصرانية أو الإسلام، هو أنّ مفهوم "الله" أخلاقيّ أساساً. أي إنّ
الله سبحانه لأنّه أخلاقيّ أساساً، يعامل الإنسانَ بطريقة أخلاقية، أي
بوصفه اللهَ ذا العَدْل والخير، ويُنتظَر من الإنسان أن يستجيب لهذه
المبادرة الإلهية أيضاً بطريقة أخلاقية. والله سبحانه يتجلّى للخلق في
نوعين مختلفين من التجلّي: اللهُ ذو الرّحمة، واللهُ ذو الانتقام، أو
اللهُ ذو الفضل والله ذو العَدْل. واللهُ سبحانه يعامل الإنسان بطريقة
غاية في الرّحمة والفضل واللّطف في صورة الآيات المنزلة. وهذه الحقيقةُ
تحدّد الاستجابة الصحيحة الوحيدة المنتظرة من بني البشر، وهي الشّكر.
ولا يكون الشّكر إلاّ بعد فهم الآيات. وهكذا لأوّل مرة في تاريخ
الفِكَر بين العرب يغدو "الشكرُ" مفهوماً دينياً، وتكون المسافةُ قريبة
جدًّا من الشكر إلى الإيمان. وضدُّ الشّكْر هو "الكفرُ"، الذي يعني عدم
الاعتراف بالجميل، أو الجحود.
ويبقى أن نشير هنا إلى أمرين هما: المؤلّف والطّبعة التي اعتمدناها في
الترجمة. أمّا المؤلّفُ فهو الدكتور في الآداب توشيهيكو إيزوتسو
Toshihiko Izutsu، وكان أستاذاً "بروفسور" في معهد الدراسات الثقافية
واللغوية من جامعة كيو Keio University اليابانية، ومقرّها في مدينة
طوكيو، الحاضرة اليابانية. والأستاذ إيزوتسو مهتم بالدّراسات التي
تتناول القرآن والثقافة الإسلامية.
هوية الكتاب
اسم الكتاب: الله والإنسان في القرآن: دراسة دلالية لنظرة القرآن إلى
العالم
المؤلف: توشيهيكو إيزوتسو
ترجمة: د. عيسى العاكوب (حلب: دار الملتقى ، 2007).
هناك ترجمة أخرى للكتاب صدرت سنة 2007 في بيروت عن مركز الترجمة، يقوم
بتوزيعها مركز دراسات الوحدة العربية. |