قراءة ورأي: تشريح الفكر السلفي المتطرف


عنوان الكتاب:  قراءة ورأي: تشريح الفكر السلفي المتطرف

 

المؤلف: حسن محسن رمضان

عدد الصفحات: 215 صفحة   

طباعة: دار الحصاد (سورية – دمشق)
الطبعة: الأولى


 

موقع الإمــــام الشيرازي
1/شعبـــــــــــان/1431

"هذه نصوصكم كما أتت في مصادرها، هي التي تتحدث إليكم وإلى القارئ، فإن كانت خطأ فهو ذنب من كتبها، وإن كانت صحيحة فما ظلمناكم"
* فصول الكتاب:
الأول: تعريف مختصر بشخصيات الكتاب
وهم: أسامة بن لادن، أيمن الظواهري، أبو مصعب الزرقاوي، أبو قتادة الفلسطيني، يوسف صالح العبيري، أو جندل الأزدي
الثاني: المنهج العام للفكر السلفي المتطرف
الثالث: الطاغوت والولاء والبراء والعمليات المسلحة
الملاحق
المصادر التي أحالت إليها شخصيات الكتاب
                                            ----------------------------------
"كتــــاب مهــــــم"...
لو أردنا وصف كتاب (تشريح الفكر السلفي المتطرف) بكلمة موجزة لقلنا عنه "كتاب مهم"، بل هو "مهم جداً". حيث إنه يمثل مرجعية في موضوع يتضمن تداخلات دينية وفقهية وفكرية وتاريخية وسياسية وثقافية واقتصادية واجتماعية ألا وهو موضوع "التطرف الديني" والمتمثل – على وجه الخصوص – بـ(تنظيم القاعدة) الإرهابي.
لقد نجح مؤلف الكتاب الباحث الكويتي الأستاذ حسن محسن رمضان في إدارة بحث يتطلب التوثيق الدقيق، والموضوعية، ويتطلب أيضاً قدراً كبيراً من (الشجاعة) في طرح الموضوع وإعطاء الرأي الواضح فيه، ويتطلب أيضاً (الحيادية) لتقديم الحل الذي من الممكن أن يقنع الكثيرين، فإن عملية الدخول الى أعماق التفكير السلفي، والوقوف على عوامل وأسباب التطرف يحتل اليوم – ومنذ أحداث 11 سبتمبر - مساحة كبيرة من جغرافية تفكير حكومات وشعوب في مختلف أنحاء الأرض والتي باتت تحن لأجواء السلام والاستقرار والهدوء والتعايش.
يرى مؤلف الكتاب في مقدمته أن مسألة (التطرف الإسلامي) تحتل اليوم موقعاً بارزاً في وعي الإنسان على مستوى العالم كله فأينما يلتفت الفرد المسلم اليوم، شمالاً أو جنوباً، شرقاً أو غرباً، سوف يجد أن مسألة (التطرف الإسلامي) بالذات تحتل جزءاً هاماً من قناعات تلك المجتمعات. ولديه مخزون معرفي من نوع ما، بغض النظر عن دقته من عدمه، عن الإسلام ومتطرفيه ومجاهديه، بل - ومن المحتمل جداً - أن هذا المخزون الثقافي أو المعرفي يدور حول نقطة محورية رئيسة هي المواجهة بغرض التصفية، سواء من الإسلام المُمثَل بمتطرفيه تجاه الآخر أو العكس، فالقضية من وجهة نظر المجتمعات غير الإسلامية هي قضية (أحياناً) قاتل أو مقتول، فالأمر ليس صراع أديان كما يحلو للبعض أن يصوره، وإن كان هو كذلك من وجهة نظر المتطرفين في أحد محاوره، ولكنه صراع بقاء وتصفية من جانب بعض المجتمعات والتي أصبح بعض أفرادها - للأسف - لا يفرق بين الإسلام والمسلمين من جهة، والمتطرفين من جهة أخرى. هؤلاء، كمجموع ذي أغلبية، باتوا يرون في الإسلام والمسلمين - وبوتيرة علنية تزداد تكراراً - تهديداً مباشراً لحياتهم وقيمهم وما ارتضوه كمعايير متعددة تحكم شؤونهم. وهو أيضاً، على الجانب الآخر، صراع تصفية من جانب هؤلاء المتطرفين الإسلاميين تجاه كل من يرونه كافراً أو مشركاً أو مرتداً، ولن يهدأ لهم بال حتى "يبيدوا خضرائهم" كما كتب أحدهم.
ويضيف الكاتب: المجتمعات الغربية التي أخذت على عاتقها مواجهة (التطرف الإسلامي) بشكل علني وسافر، وكأغلبية مؤثرة في مسار القرار السياسي في بلدانها، في الحقيقة، لا يربطها بالدين إلا رباط رمزي غير مؤثر في آليات اتخاذ القرار السياسي ولا توجيهه. والآراء الموجهة ضد الإسلام، لا تستطيع أن تدلل على موقفها إلا من خلال الاستشهاد بالمصلحة السياسية بالدرجة الأولى. وبغض النظر عن رأينا في محتوى هذه الآراء أو سلامتها الاستدلالية، ولكن المصلحة السياسية في هذه المجتمعات لا شأن لها بالدين، أي دين، ولكن له كل الشأن في إدارة الدولة واستمراريتها وبقائها وهيمنتها وتحصيل مصالحها. وحتى الاستشهادات التي يوردها أصحاب هذا الرأي من بعض السياسيين أو رجال الدين، والتي توحي كلماتهم بـ(حرب صليبية) جديدة، فإنه يغيب عن بال هؤلاء بأن تلك الدول هي دول مؤسسات بالدرجة الأولى، واتخاذ القرار يخضع لآليات تختلف اختلافاً جوهرياً عن ما هو راسخ في الذهنية الإسلامية والعربية على مدى ألف وأربعمائة عام، من أن القرار هو قرار "قائد" والباقي له تبع، فالأمر مختلف تماماً هناك، فالجميع له حق الكلام والتعبير والنقد والكتابة والتصريح، إذا وجد من يستمع له، ولكن أن يتم توجيه سياسة الدولة برمتها لأن رجل دين مسيحي قال هذا، أو لأن مستشاراً كتب شيئاً ما في صحيفة، فهذا ما لا تعرفه هذه المجتمعات ولا تقره أصلاً. فالقرارات السياسية المصيرية هي (قرارات شعب) من خلال برلمان منتخب، ومؤسسة حكم منتخبة، وهيئات متخصصة ذات طابع علماني براغماتي بحت، ولا شيء يخضع لمزاجية فرد أو مشيئة كنيسة أو معبد.
ويشير المؤلف الى الطرف الآخر قائلاً:
لا يمكن إنكار أن حالة المواجهة هذه قد ساهم فيها أكثر من طرف. فلا يمكننا إطلاقاً إنكار الدور المهم والجوهري الذي لعبته الدول الغربية ذات المصالح الاستعمارية بشقيها السياسي والاقتصادي في المنطقة في بروز وتفاقم الفكر المتطرف والتي اكتوت هي بناره لاحقاً، فهي في وقت من الأوقات قد دعمت الجماعات السلفية المتطرفة بالمال والسلاح، كما حدث في المواجهة غير المباشرة بين الكتلتين العظميين المتصارعتين حينها عند الاحتلال السوفييتي لأفغانستان.
ويضيف:
لا يمكننا أيضاً أن ننكر دور (الديكتاتوريات)، والنزعات الرسمية التسلطية، والقمع، وكبت الحريات، والمعتقلات، وانعدام الوسائل السلمية للمعارضة في الدول العربية والإسلامية في بروز هذه الحالة.
ولا يمكننا أن ننكر دور حالة (الفقر)، وانعدام فرص العمل، والتباين الشديد بين الأقلية الثرية المتسلطة والأغلبية الفقيرة المسحوقة.
ولا يمكننا أن ننكر دور حالة الاغتراب على المستوى الإسلامي الحضاري وبروز تهديد حقيقي لتميّز الهوية الإسلامية في ظل ظروف التخلف وانعدام التنمية الحقيقية.
ولا يمكننا أن ننكر دور حالة الهزائم السياسية والعسكرية التي عانت منها الدول العربية والإسلامية، ولا تزال، على مدى الستين سنة الماضية تحت راية الدول القومية والعلمانية والاشتراكية في بروز حالة من الرفض الواعي لهذه الشعارات والحنين إلى انتصارات الماضي "السلفي" الإسلامي.
كما لا يمكننا أن ننكر دور حالة (الفصام) التي تميزت به الدول العربية، على الخصوص فيما يتعلق بأنظمتها السياسية من جهة، ووصفها لمجتمعاتها التي تحكمها من جهة ثانية، فالأمر في حالة الفصام هذه لا يعدو أحد أمرين إما أنظمة تدعي الحكم بالشريعة الإسلامية وتطبيقها في مجتمعاتها بينما ينخرط رؤساؤها وحكوماتها في ممارسات هي أبعد ما تكون عن أبسط مبادئ الدين من حيث الإنسانية والعدالة والمساواة والأمانة والنزاهة في الذمة المالية أو الخُلقية، وإما أنظمة متسلطة علمانية بدرجة أو بأخرى، وتكرر على مسامع مجتمعاتها، ليلاً نهاراً، بأنها مجتمعات مسلمة، محافظة، ويلعب فيها رجل الدين دوراً ما بدرجة أو بأخرى، فالحالة الأولى أفرزت متطرفين من كل شكل ولون، ولكن الحالة الثانية أفرزت متطرفين من قبل الحالة الأولى، وبسنوات طويلة، وليكونوا قدوة ورموزاً لمن أتى من بعدهم في الحالة الأولى.
يرى مؤلف الكتاب أن هذه العوامل، وربما أيضاً غيرها، اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية أو سياسية، لعبت دوراً على درجة ما من الأهمية في بروز حالة التطرف وتفاقمها. فالأمر شديد التعقيد بلا شك، تتقاطع فيه العوامل المساعدة من جهات مختلفة لتفرز (حالة تطرف) تكون - دائماً - تحمل البصمات المحلية لبيئتها الأصلية التي تعمل فيها. فلا يوجد تطابق تام في الحقيقة في الحالة الجزائرية، مثلاً، عند مقارنتها بالحالة المصرية أو السعودية، وكذلك هو الحال مع الحالة العراقية إذا ما تمت مقارنتها حتى بالحالة الأفغانية التي أتى بعض رجالها أصلاً منها. والسبب في عدم التطابق هذا، بالإضافة ما سبق، هو الحاجة الملحة والتي لا تنضب لـ "فتوى" في مواجهة حالات متجددة تبرز في هذه البيئة بالذات، وقد لا تكون واضحة في البيئات الأخرى. هذا السيل من الفتاوى في مواجهة واقع محدد متغير وشديد الديناميكية هو معيار الاختلاف الرئيس في تلك الحالات. إذ ليس بالضرورة أن يتم تبني أية فتوى على مستوى جميع الجماعات الإسلامية المتطرفة لمجرد أنها خرجت من جماعة بعيدة تدّعي نفس المنهج. ولكن الفتوى كعملية اجتهادية شديدة الأهمية من وجهة نظر تلك الجماعات ولكل فرد أو جماعة ذات طابع متدين، لأنها الوسيلة لشرعنة الأعمال التي يأخذون على عاتقهم تنفيذها.
ويشير الكاتب الى إشكالية مهمة وهي أن (العامل المشترك) لكل الجماعات المتطرفة ذات النزعة الدينية هو استنادها لـ"النص". أو بالأحرى فهمها هي للنص بواسطة منهج محدد سلفاً، قد يختلف في التفاصيل الدقيقة للنتائج، ولكنه حتماً متفق تماماً في النتيجة العامة. ولا ينشأ أي سياق متطرف إلا إذا وجد نصاً يُشرعن له تطرفه من خلال منهج محدد وواضح في الاستدلال والاستنتاج والاستقراء. وبالتالي فإن مشكلة (التطرف الإسلامي)، في أصلها، هي مشكلة (نصوص) ومشكلة (منهج) بالدرجة الأولى. وإنه لا يشذ عن هذا السياق أي حالة من حالات (التطرف الإسلامي) بشقيه السني والشيعي. فإفرازات العراق بعد 2003 أبرزت هذه النقطة بوضوح عند ملاحظة الأعمال التي تقوم بها الجماعات السلفية المتطرفة ومليشيات شيعية ذات مرجعية دينية ضد مخالفيها في المذهب والعقيدة... قد يبرز النص واضحاً جلياً في الشق السني من التطرف، وقد يتخفى خلف ما يبدو وكأنه ردود أفعال عنيفة لسياق تاريخي أو واقع حالي معاش كما في الشق الشيعي من التطرف، ولكن (النص) لا بد وأن يكون متواجداً، حتماً، بصورة أو بأخرى خلف كلا الفئتين وإلا لفقد هذا التطرف تميزه المذهبي أو الديني.
ويبين مؤلف الكتاب أن التطرف الأبرز اليوم على الساحة العالمية هو (التطرف السني ذو المنهج السلفي) إذ محور الصراع من الفيلبين شرقاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية غرباً، وما بينهما من عشرات الدول، هو صراع (سلفي ـ دولي) تشارك فيه العشرات من الدول في كل قارات العالم وبلا استثناء، ويتم الإنفاق عليه المئات من مليارات الدولارات سنوياً على شكل مواجهات عسكرية مباشرة (العراق، أفغانستان) أو إدارة معتقلات (غوانتانمو، المعتقلات السرية للولايات المتحدة الأمريكية) أو عمليات استخباراتية على مستوى العالم كله وتشمل الجوانب المالية والعسكرية والفنية واللوجستية للتطرف. وفي هذا الصراع يخوض الطرفان فيه صراع تصفية للآخر بشكل عنيف ومركّز لا مجال فيه، كما هو واضح، لأي احتمال للتعايش أو التنازل. فالطرفان هدفهما القضاء على الآخر، بطريقة أو بأخرى.
(التطرف السلفي) – كما يقول الكاتب - هو إشكالية منهج ونص، معاً، يتفاعلان لينتجا موقفاً يبدو شاذاً على السياق العام المعاصر. ولكن الحقيقة، كما يحاول هذا الكتاب أن يبينه، أن (التطرف السلفي) قد لا يبدو بالضرورة شاذاً إذا ما أرجعناه إلى أساسيات المنهج السلفي ومصادره التي يستقي منها نصوصه، ومواقف وفتاوى شيوخه، سواء منهم القدماء أو المعاصرين،. فالمسألة مع (المنهج السلفي المتطرف) تبدو طارئة من وجهة النظر المعاصرة لأنها، فقط، برزت وانتشرت بسبب الدعوة السلفية ذات الطابع الرسمي والمنظم خلال الخمسين سنة الماضية والتي مولتها حكومات محددة من أموال النفط، وإلا فإن أتباع المنهج السلفي كانوا دوماً أقلية صغيرة جداً في كل المجتمعات الإسلامية وبلا استثناء. ولكن قلتهم التاريخية هذه لا تعني أبداً غياب النصوص المؤصلة للتطرف، ولا تعني أيضاً غياب المنهج الذي يقود إليه، ولكنها تعني أن من كان يتبنى هذا المنهج ويدعو له في الماضي هم قلة قليلة جداً غير مؤثرة في المجموع العام، أو أنهم كانوا محصورين ضمن رقعة جغرافية مدنية ضيقة ضمن محيط أكبر من البادية والقبائل، أما اليوم فهو منهج دول ذو ثقل رأسمالي لا يجد أية غضاضة في أن يوجه فائض رأس المال هذا في سبيل المنهج ومصادر نصوصه. وإن إشكالية تفاعل المنهج السلفي مع النص الإسلامي تبرز بشكلها المتطرف أو العنيف من حقيقة تميز الحضارة الحديثة ببروز مفاهيم ومبادئ متعددة كانت إما غائبة تماماً في العصور السابقة أو غير ذات تأثير واسع خارج حدود جغرافية محددة. فبغض النظر عن المنشأ الأصلي لهذه المفاهيم أو القيم الحضارية الحديثة فإن هيمنتها على العقلية المعاصرة أصبح أمراً مُسلّماً لا يمكن إنكاره بسبب وضوحه الشديد، بل إن المفاهيم التي تم تداولها قديماً ضمن حضارات متعددة قد تم تحويرها وتعديلها لتعني أمراً مغايراً تماماً في واقعنا المعاصر، فعلى سبيل المثال فإن السلام، والعدل، والعبودية، وحقوق المرأة، وحقوق الأقليات، وحرية المعتقد والدين، وقنوانين الحرب، ومعاهدات ومواثيق الأسرى، وحقوق الإنسان، والحرية، ضمن أخرى كثيرة، إما لم تكن معروفة أو تم تعديل مضامينها بصورة جوهرية ضمن حضارتنا المعاصرة. ولهذا السبب فإن الأيديولوجيات أو المعتقدات التي تصر على الثبات ضمن متغيرات الزمان والمكان لابد وأن تتصادم مع هذه المفاهيم والمبادئ بمضمونها المعاصر. وهذا التصادم، كما هو مشاهد في بقاع كثيرة في العالم وضمن ثقافات متعددة، قد يأخذ شكل الصراع المسلح العنيف أو يتدرج إلى أشكال أخرى من الرفض السلمي المعارض. ولكن في جميع هذه الصور من الرفض فإن العامل المشترك فيها هو هذا التصادم بين المفاهيم الحضارية الحديثة كما تم تنقيحها وتطويرها وبين تلك المفاهيم التي تم الثبات عليها في زمان آخر مضى.
ويرى المؤلف أنه ومع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا الصراع الرافض هو ما ميز فترات سابقة في التاريخ الإنساني مع كل مبدأ أو مفهوم جديد تجابه به مجموعة ما (كل الصراع الديني بلا استثناء)، فإن هذا الصراع اليوم بيدو أكثر انتشاراً، وأعمق تأثيرا،ً وأعنف شكلاً ومضموناً على الرقعة الجغرافية في هذه الكرة الزرقاء التي تسمى الأرض، فمع سهولة التنقل، وتطور وسائل نقل المعلومات والأفكار، وبروز الهويات الدينية في مجابهة الهويات القومية، والعكس، وتطور وسائل الهيمنة للقوى المتغلبة في العالم أصبح هذا (الصراع) هو المحرك الرئيس للكثير من أشكال الرفض الذي بات يطلق عليه اسم (الإرهاب). وإذا وجهنا اهتمامنا لمسألة (التطرف الديني الإسلامي)، على سبيل المثال، نجد أن المسألة في أساسها لا تعدو أن تكون صراعاً بين مبدأين، بين مفهومين، بين قيمتين، يتشاركان في الإسم ولكن يختلفان في المضمون والمعنى. فعندما يتكلم المتطرف عن (العدل) فإنه يتكلم عن معيار مخالف تماماً لما تحمله الحضارة الحديثة من معنى لهذه (القيمة). وكذلك، فإن مفاهيم الحضارة الحديثة للسلام والحوار هي مباينة تماماً في المعنى والمضمون لقناعة المتطرف، وقس على هذا مبادئ حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وحرية العقيدة ضمن أخرى كثيرة، فأساس مسألة (التطرف) كما أصبح يُطلق عليها هو الرفض القاطع للتخلي عن مفاهيم محددة لصالح قيم حضارية حديثة تحمل نفس الإسم ولكن تخالفها في المعنى والمضمون، ولم تكن (مشكلة التطرف) لتبرز على الساحة العالمية – اليوم - لولا أن هذه القيم والمبادئ موضوع الخلاف تستدعي من المؤمن بها العمل بمضامينها، وهذا، في بعض صورها، يضعه في صدام مباشر وعنيف مع الآخرين المخالفين له.
في جانب أكثر أهمية يشير الكاتب الى "إن السياق العام للمجتمعات المسلمة يحمل في جوهره بخطاب متناقض. فهو من ناحية الخطاب السياسي والدعائي، وربما الاجتماعي أيضاً، يشرح مفاهيم الولاء والبراء والجهاد على أنها محصورة ضمن نطاق محدود داخل العقيدة الإسلامية بحيث يبدو معها الآخر المختلف وكأنه بمأمن منها. ولكن من ناحية أخرى فإن الخطاب الفقهي القابع في بطون الكتب التي تمتلئ بها المكتبات في أسواق نفس هذه المجتمعات تحمل رأياً آخر مباين تماماً لهذا الخطاب الدعائي، ولا يمت له بصلة أبداً. بالطبع، فإن أول من يعرف هذا التناقض الشديد هو الفقهاء وشيوخ الدين والمؤسسات الشرعية والفقهية، ولكنهم يصمتون. ولكن من يتكلم بصوت مسموع هم من نسميهم اليوم بـ (المتطرفون). وهؤلاء، في الحقيقة، لم يفعلوا أكثر من أن يرجعوا إلى هذه المصادر الفقهية التي تمتلئ بها المكتبات ليستخرجوا هذه النصوص ليستدلوا بها على مواقفهم".
ويتساءل مؤلف الكتاب قائلاً:
ألا يحق لنا أن نتسائل، بعد أكثر من أربعين سنة من بدايات ظهور السياق العنيف المتشدد بشكل سافر وواضح في المجتمعات الإسلامية الحديثة، كيف لم نتمكن من القضاء على هذا (المنهج) الذي نَبَزه الأغلبية الساحقة بـ (المتطرف)؟
والجواب يكمن في أن المجهود الفقهي المعاكس لهذه المناهج المتطرفة كان يتحاشى بكل ثمن أن يعيد قراءة كتب الفقه والتفسير، والتي مضى على أكثرها أكثر من ألف سنة من تأليفها وكانت متأثرة، وبلا شك، بظروف زمانية ومكانية محددة، حتى يخرج بمفاهيم متجددة من النص القرآني أو نص الحديث الشريف تأخذ بعين الإعتبار الفروقات الجوهرية في ظرفي الزمان والمكان. هذا الإمتناع من إعادة القراءة الفقهية هو مكمن ضعف الخطاب الفقهي المعارض للخطاب المتطرف. فما أسهل على الفرد الذي يحمل قناعة متطرفة في مسألة الولاء والبراء أو الجهاد أن يستشهد بعشرات المصادر الفقهية الإسلامية التي تؤصل رأيه تأصيلاً واضحاً لا لبس فيه في مواجهة شيخ أو حتى عدة شيوخ يبدون أمام الناس وكأنهم يتكلمون بآرائهم الشخصية خارج حدود التفسير والتأصيل الفقهي الذي يستدل به هذا (المتطرف) عليهم به، فكيف لرجل دين معاصر أن يقف في مواجهة تأصيل لأفراد وفقهاء ومفسرين تولى هو بنفسه، ومؤسسته الفقهية الرسمية من قبله، ودولته من قبلهما معاً، التسويق لهم على أنهم المصادر الإسلامية المعتمدة في الفقه والدين؟!
يقول المؤلف واصفاً مؤلَفه:
(هذا الكتاب) هو محاولة لجعل "النص" يُحدّث القارئ بنفسه، وهو محاولة لجعل المصادر السلفية هي التي تتولى الحديث عن نفسها، وهو محاولة لجعل السلفيين المتطرفين أنفسهم يحدّثون القارئ، والسبب هو أن دلالات "النص" المباشرة تكون دائماً أبلغ في التعبير من محاولات إعادة الصياغة التي يقوم بها الدارسون والمؤلفون عادة في بحوثهم أو كتبهم لتركيز المعنى ضمن محيط أقل في المساحة، فالنص، كما هو، تجلٍّ لمراد صاحبه سلباً أو إيجاباً، كما أن "النص" كما كتبه صاحبه سوف ينفي محاولات الاعتراض التي سوف تنشأ لا محالة بسبب دعاوى (سوء الفهم) و(سوء النية) أو مثل هكذا أعذار لا أول لها ولا آخر...
(هذا الكتاب) يحوي نصوصهم كما شاء أصحابها أن يعبروا عنها في سبيل الدعوة إلى منهجهم وعقيدتهم فهو يقول للقارئ ما أراد هؤلاء أن يقولوه ولكن بشكل أكثر تركيزاً وتنظيماً، ولهذا السبب فإن كل فصل ينقسم إلى مدخل ثم إلى أدبيات أفراد تم اختيارهم ليمثلوا وجهة النظر السلفية المتطرفة. ففي المدخل يتم استعراض النصوص المؤسسة للسياق المنهجي العام للسلفية، سواء من مصادرها القديمة أو آراء وفتاوى شيوخها المعاصرين. ثم بعد ذلك يتم استعراض هؤلاء الأفراد الذي يمثلون الفكر المتطرف لهذا المنهج والغرض الأساسي من هذا التقسيم هو مقارنة ما هو موجود أصلاً في المصادر الرئيسية لهذا الفكر، والتي قلما تخلو منها مكتبة في أية دولة إسلامية، وبين كتابات هؤلاء الأفراد التي يعاقب القانون في أغلب هذه البلاد نفسها على مجرد محاولة الحصول على نسخة منها...
(هذا الكتاب) هو محاولة للبحث في التربة الخصبة، في الجذور، في الماء الذي يتسرب قطرة قطرة خلالهما ليسقي فكر هؤلاء ومنهجهم. وأنا أعلم مقدماً أن كِلا الطرفين، السلفيون المتطرفون والسلفيون الذين يقفون على النقيض منهم، سوف يرون هذا الكتاب كمحاولة للنيل من منهجهم وفكرهم وعقائدهم. وإن كان الغرض الأصلي من الكتاب هو كشف (الفكر المتطرف)، بغض النظر عن صفته.
يبين مؤلف الكتاب تفاصيل منهجيته في التعريف بشخصيات الكتاب فيقول ممهداً للفصل الأول من الكتاب:
إن التعريف الشامل الذي يسعى إلى مقارنة المصادر المتعددة لشخصيات هذا الكتاب يعتبر صعب من جهة، وخارج إطار إهتمام هذه الدراسة بالتأكيد من جهة أخرى. إذ أن الإهتمام منصب بالدرجة الأولى على (الأفكار المؤسسة للمنهج السلفي المتطرف) وليس (البحث الشامل عن سيرة أصحابها وتتبع التفاصيل التاريخية لحياتهم). فالسيرة الشخصية لأصحاب هذا الفكر، في معظمهم، تجنح نحو السرية، ويلفها الغموض وتضارب الآراء، كما أن الادعاءات فيما يخص سيرتهم تتشابك فيها الدعاية المتعاطفة مع الدعائية العدائية لها بدون أدنى شك، فالخطوط العامة لسيرة هؤلاء تبدو بدرجة أو بأخرى معروفة، ولكن التفاصيل لهذه الخطوط هي أبعد ما تكون عن هؤلاء الأشخاص هو (الفكر) الذي يتبنونه، ويدعون إليه، ويعملون في سبيله، وما التطرق إلى السيرة الشخصية لهم إلا على سبيل الإجابة العامة عن التساؤل الذي سوف يدور في ذهن كل قارئ لهذا الكتاب عن هوية هذا الشخص الذي يقرأ عنه، ولهذه الأسباب فإن هذه السير هي شديدة الإختصار، ولا تسعى بأي حال من الأحوال أن تكون شاملة أو تعنى بالتفاصيل أو مدققة في بكل جوانب الشخصية موضوع الدراسة. والقارئ الكريم الذي يملك خلفية عامة عن شخصيات هذا الكتاب بإمكانه الإستغناء عن قراءة الفصل الأول من دون أن يؤثر ذلك في قراءته لفصول الكتاب الأخرى. لقد اعتمدت، كلما أمكن ذلك، على التفاصيل التي تأتي على لسان هؤلاء الشخصيات عند كلامهم عن أنفسهم خلال كتاباتهم أو لقاءاتهم، ولكن - في الأغلب الأعم - فإن التفاصيل هي ما أوردته مصادر متعددة منها المواقع الجهادية المتوفرة على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) والتي تكون بطبيعتها متعاطفة مع هؤلاء الأشخاص، وأيضاً ما أوردته المصادر الرسمية عنهم والتي تكون بطبيعتها عدائية ومنتقصة.
الفصل الأول:
يقدم الكتاب في البداية تعريفاً موجزاً لمجموعة من رموز الفكر السلفي المتطرف المعاصرين، بدءاً من (أسامة بن لادن) المليونير السعودي من أصل يمني الذي قاتل السوفييت في أفغانستان سنة 1979، ونسبت إليه مجموعة من التفجيرات ضد المصالح الأمريكية في أماكن مختلفة من العالم، وعلى رأسها الأعمال الإرهابية التي وقعت في (11 سبتمبر 2001)، وهو الذي نظم حملات ومؤسسات لجمع التبرعات لـ(المجاهدين المسلمين)، وأسس (سجلاً لقاعدة المعلومات) عن المجاهدين اختصر اسمه إلى: (القاعدة). ثم الطبيب المختص بالجراحة (أيمن الظواهري) من أسرة أزهرية بمصر، ليصبح الساعد الأيمن لبن لادن، وليتولى التصريحات الإعلامية والتهديدات التي يوجهها لمن يسميهم بـ(الكفار). ثم (أبو مصعب الزرقاوي) القادم من مدينة الزرقاء بالأردن، وهو شخص لا يملك مؤهلات علمية، إلى العراق ليتولى تنظيم القاعدة هناك، وليقوم بنحر الجنود الأمريكان المختطفين بيده، وكان يخطط لإدخال العراق في حرب أهلية شاملة، كما تسرب في رسالة منه لـ ابن لادن. وأخيراً قُتل الزرقاوي في غارة أمريكية على مكان إقامته بناء على معلومات استخباراتية استخلصت من فيلم صوره في صحراء العراق.
ثم (أبو قتادة الأردني) من أصل فلسطيني الذي يعد من أهم منظري التيار السلفي المتطرف، وفتاواه وإجاباته ومحاضراته توجد بصيغتها المكتوبة والصوتية حيث يوجد المريدون من أتباع (القاعدة)، حتى إن نسخة منها وُجدت في شقة بألمانيا كان يسكنها محمد عطا أحد منفذي عمليات 11 أيلول.
ثم السعودي (يوسف صالح العييري) فقد تولى مهمة تدريب "المجاهدين" على مختلف صنوف الأسلحة، وحارب تحت راية (القاعدة) منذ أيام (الغزو) السوفييتي لأفغانستان، وهو المسؤول عن تفجيرات الخُبَر، ويقال إنه ملم في العلوم الشرعية والسياسية والعسكرية والكومبيوتر والبرمجة والطبوغرافيا والتكنولوجيا والإلكترونيات، وقد قتل في اشتباك مع دورية أمنية سعودية.
وعلى الرغم من أن أحد الكتب التي ألفها السعودي (أبو جندل الأزدي) حينما نشر على أحد المواقع الإلكترونية (الجهادية) قد قرىء خمسين ألف قراءة خلال شهر واحد، إلا أن سيرته الشخصية بقيت غامضة، ولم يعرف عنه سوى رفضه لتسلم جائزة دولة تقديرية عُرضت عليه، باعتبار أن مانحي الجائزة – برأيه - طواغيت.
الفصل الثاني:
ويتناول فيه مؤلف الكتاب (المنهج العام) للفكر السلفي المتطرف، ويقول:
إن المقصود بمصطلح (السلفيين) هو إرجاع الأحكام الشرعية إلى القرآن والسنة. وأصحاب (مذهب السلف) ظهروا في القرن الرابع الهجري، وكانوا من (الحنابلة)، ثم تجدد ظهورهم في القرن السابع على يد (ابن تيمية)، ثم تجددت دعوتهم في الجزيرة العربية في القرن الثاني عشر على يد (محمد بن عبد الوهاب)، وعلماء ومفسرين آخرين.. (السلفيون) إنهم الذين اتبعوا طريق الأوائل، وحاربوا البدع التي تتكاثر يوماً بعد يوم، مع مستجدات الحياة اليومية. ويتلخص تفكيرهم في ادعاء امتلاك الحقيقة بصورتها الإسلامية، والانتساب إلى العصمة، استناداً إلى ما جزم به (ابن تيمية) من أن "السلفية هي الطريقة المثلى - ومذهب السلف لا يكون إلا حقاً - وإنهم أعلم ممن بعدهم وأحكم، وإن مُخالفهم أحق بالجهل والحشو". ومن أقطابهم (الشيخ ناصر الدين الألباني) الذي يقول عن السلفيين جازماً: "هم وحدهم الذين يمثلون الفرقة الناجية من النار".
الفصل الثالث:
يسجل فيه المؤلف الآراء المتطرفة والفتاوى السلفية التي تدخل في باب إبطال وتحريم وتكفير وتخطئة عدد كبير من الناس والعادات والمفاهيم، بدءاً بمسائل العقيدة الكبرى، وصولاً إلى الأشياء الصغيرة كـ تحريم لبس المرأة للكعب العالي، وسواقتها للسيارة، ومهرجان (القرقيعان) الذي يقام في منتصف رمضان في دول الخليج، وعيد الأم، وعيد الشجرة، وتناول الطعام من البوفيه المفتوحة حتى إن أحد المصادر السلفية ينص على أن الدعوة إلى القومية والوطنية والولاء للوطن والأرض ما هي إلا حلقة من حلقات الإضلال اليهودي للمسلم والقضاء على الإسلام! لقد تبنت كتابات وآراء معاصرة المنهج التكفيري والتطرف العقائدي الذي يرفض الآخر إذا لم يستسلم لفقه تلك الجماعات وفهمها وآرائها.
وكتب ابن تيمية في كتابه (الصارم المسلول على شاتم الرسول): إن قتل المرتد أوجب من قتل الكافر الأصلي، وبالطبع فإن الزنديق أخطر من المرتد، فهو يضمر الكفر ويدعي الإيمان، وحكمه أن يقتل دون أن يستتاب.
وقال بن لادن: البراء والولاء أوثق عرى الإيمان، نوالي من والى الله تعالى ورسوله (ص)، ونعادي من عادى الله تعالى ورسوله (ص).
وكتب الشاطبي في كتابه الشهير (الاعتصام) عبارة توضح الموقف السلفي المبدئي من عقيدة البراء: نحن مأمورون بمعاداتهم، وهم مأمورون بموالاتنا.
ويشرح هذه العبارة بقوله: "إن فرقة النجاة، وهم أهل السنة، مأمورون بعداوة أهل البدع، والتشريد بهم، والتنكيل بمن انحاش إلى جهتهم، بالقتل فما دون".
لقد تبنى المنهج السلفي بصفة عامة مبدأ تحريم الخروج على (ولي الأمر)، حتى وإن كان جائراً أو ظالماً أو سفاك دماء، وثمة نصوص عديدة تؤكد طاعة الحاكم في كل شيء عدا أن يأمرك بمعصية الله وارتكاب الموبقات كـ(شرب الخمر وعقوق الوالدين) بيد أن السلفيين المعاصرين أصبحوا أكثر تشدداً من سابقيهم بكثير، فـ ابن لادن يقول:
"كل من سوغ لنفسه اتباع تشريع وضعي أو قانون بشري مخالف لحكم الله فهو كافر خارج عن الملة".
ويقول:
"إن اللفظ الشرعي في وصف الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله، أو يساير الكفار تحت أي مسمى، كتقديم التسهيلات العسكرية، أو تنفيذاً لقرارات الأمم المتحدة ضد الإسلام والمسلمين، فهو كافر مرتد".
وأيمن الظواهري الذي لا يمانع في قتل السياح الأجانب يقول:
"هذه العمليات لا تضر الشعب المصري، بالعكس، هي من وسائل الحرب ضد النظام المصري الذي يجب تخليص الأمة المسلمة عامة وفي مصر خاصة منه".
يتضمن كتاب (تشريح الفكر السلفي المتطرف)، أيضاً، فصلاً فيه ملاحق مهمة وإحصائيات يعرض فيه المؤلف بعض الأدبيات المنشورة على الإنترنيت من دون أي تعليق، معللاً عدم التعليق عليها، وضوح الفكرة الأساسية منها سواء للمنهج أو العقيدة أو بسبب ما تمثله من صدمة للقارئ العادي والذي لا يتوقع أن يقرأ ما يقرأ (...) فأي تعليق يتوقعه القارئ عندما يقرأ لما يسمى بـ (جماعة الجهاد المسلح) في الجزائر قولهم: "أحق الناس بالمال المجاهدون في سبيل الله حتى تتحقق الكفاية ولو مات الرضع والأطفال والجيّع".
بينما...
المرجع الديني سماحة السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)، وهو من كبار مراجع التقليد المعاصرين، وينتمي الى عائلة جهادية لها مواقفها التي سجلها التاريخ بصفحات مجيدة، يقول سماحته (دام ظله) واصفاً الإسلام:
"الإسلام دين السلم والسلام، ويعمل على نشر الأمن والأمان والسلم والسلام في العالم، ويسعى في إطفاء نائرة الحرب، وإخماد لهيبها، وانتزاع فتيلها من بين الناس، باجتثاث العوامل الداعية للحرب، وزرع العوامل المشجعة على المحبة والوئام، وعلى الصلح والصفاء، وعلى متاركة الحرب والهدنة وإن كان العدو يدعو إليها مخادعة، ويحرّم الاسلام العنف والإرهاب، والغدر والاغتيال، ويحارب كل ما يؤدي الى الذعر والخوف، والرعب والاضطراب في الناس الآمنين".
ويختم مؤلف الكتاب فصل الملاحق بإحصائية لأهم الأعمال الإرهابية لجماعة القاعدة في العراق مستنداً فيها الى (موقع إيلاف الإلكتروني) والتي تبين وحشية تنظيم القاعدة ودمويته من خلال ذكر تفاصيل بعض عملياته الإجرامية الغادرة التي طالت في معظمها أتباع أهل البيت (عليهم السلام)... ولكن "بقية السيفِ أبقى عدداً وأَكثر ولداً".
وكما يقول الإمام الشيرازي الراحل:
"كل مَنْ يلتزم بقانون السلم واللاعنف لا مندوحة له إلا وينتصر في الحياة".
في قراءتنا المستعرضة لأهم ما ورد في الكتاب لابد من الإشارة الى رد مؤلف الكتاب على إشكالية في غاية الأهمية والخطورة والتي من الممكن تسميتها (صنمية الصحابة) حيث يرى كثير من المسلمين أن منهج الإسلام هو "المنهج الذي اختطه الأوائل من أصحاب رسول الله (ص) علماً وعملاً.. وهكذا هي السلفية". وكأن أصحاب الرأي هذا نسوا أو تناسوا ما فعله (الكثير) من أصحاب الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وقد آذوا الرسول (صلى الله عليه وآله) أشد الأذى حتى قال (صلى الله عليه وآله): "ما أوذي نبي مثل ما أوذيت". وكأن أصحاب الرأي ذاك غفلوا أو تغافلوا عن الذي فعله خالد بن الوليد في حي (بني المصطلق) من (بني جذيمة) من قتل وهدم وسلب وترويع حتى قال (صلى الله عليه وآله): "اللهم أني أبرأ إليك ممّا صنع خالد بن الوليد"، قال: ثمّ قدم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) تبر ومتاع، فقال لـ علي (عليه السلام): "يا علي، إئت بني جذيمة من بني المصطلق، فارضهم ممّا صنع خالد"، ثمّ رفع قدميه فقال: "يا علي، اجعل قضاء أهل الجاهلية تحت قدميك"، فأتاهم علي (عليه السلام)، فلما انتهى إليهم، حكم فيهم بحكم الله، فلمّا رجع الى النبي (صلى الله عليه وآله)، قال: "يا علي، أخبرني بما صنعت"، فقال: "يا رسول الله، عمدت فأعطيت لكل دم دية، ولكل جنين غرّة، ولكل مال مالاً، وفضلت معي فضلة فأعطيتهم لميلغة كلابهم. وفضلت معي فضلة فأعطيتهم لروعة نسائهم وفزع صبيانهم، وفضَلت معي فضلة، فأعطيتهم لما يعلمون ولما لا يعلمون، وفضلت معي فضلة، فأعطيتهم ليرضوا عنك يا رسول الله"، فقال: "يا علي أعطيتهم ليرضوا عني، رضي الله عنك يا علي".
ولا ندري كيف يمكن أن يفهم السلفيون بسلفيتهم نص الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام):
"يا رسول الله
عمدتُ فأعطيتُ لكل دم دية..
ولكل جنين غرّة..
ولكل مال مالاً..
وفضلت معي فضلة فأعطيتهم لميلغة كلابهم..
وفضلت معي فضلة فأعطيتهم لروعة نسائهم وفزع صبيانهم...."
أين السلفيون من هذه المسؤوليات التي أشار إليها وحددها الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وبحضور رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ألا يدل هذا النص الإنساني العظيم على أن هناك مسؤولية عظيمة على مَنْ يعتدي على الناس ويسلب أرواحهم وحتى الجنين منهم، وأن هناك مسؤولية عظيمة على مَنْ يتجاوز على أموال الناس وومتلكاتهم، وأن هناك حقوقاً ومساءلة حتى في ميلغة الكلاب، وأن هناك مسؤولية عظيمة على مَنْ يروّع النساء ويفزع الصبيان!!!!.
ثم ألم يسمعوا بما فعله كثير من الصحابة إلا قلة قليلة في معركة أحد التي ارتوى فيها سيف خالد بن الوليد من دماء المسلمين الأوائل حيث تركوا أرض المعركة تاركين الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) مكشوفاً للكفار والمشركين. وإشكالية "عصمة الصحابة" هذه للأسف موجودة عند الأخوة السنة دون غيرهم حيث إنها لم تشكل عقدة عند الشيعة.
يصف مؤلف الكتاب في تعليقه (مشكلة - أزمة) تعريف (الصحابة) عند أتباع المذاهب الأربعة:
"إنه مبالغ فيه في المثالية والتجرد، فصحابة النبي (ص)، وخصوصاً منذ أول وفاته، لم يكونوا كلهم على نسق واحد من (أسمى حالات الكمال) في التعامل من القرآن والسنة. قراءة بسيطة وسريعة لتاريخ الطبري مثلاً سوف تعطيك الدليل على ذلك، ولم يكونوا كلهم سباقين "في تطبيق المنهج قدراً وزماناً"، وإلا لمَ قال عمر "اقتلوا سعداً، قتله الله"، ولمَ كان سعد بن عبادة لا يصلي بصلاتهم، ولا يحج معهم حتى قيل بعد ذلك أن الجن قتلته، وفيم قُتل عثمان، ولم حرَّض مَنْ حرَّض، ولِمَ قاتل الزبير وطلحة علي ين أبي طالب، ولِمَِِِ خرَجت أم المؤمنين عائشة من بيتها، ولِمَ حدث ما حدث بين معاوية وعلي، وما الذي جمع عمرواً بمعاوية، وعلى ماذا شهد الثلاثة على المغيرة بن شعبة، ولجلج الرابع ضمن أسئلة لا أول لها ولا آخر... تلك المثالية التي يحاول أن يضيفها السلفيون على السلف ومجتمعهم تجعلهم يحلمون بمستحيل لن يتحقق إلا على مثال دولة طالبان في أفغانستان أو غيرها من الدول التي تتبنى المنهج السلفي والتي تضطر اضطراراً لا فكاك منه الى غلق المجتمع داخلياً من كل مؤثر خارجي من الممكن ان يهز تلك الصورة متناهية المثالية التي يرددونها على عقول وأذهان أتباعهم. هذا (الحكر) الداخلي سوف يولد ردود أفعال إنسانية تأخذ كل ألوان الطيف، من أخفها وزناً الى تلك الثقيلة السوداء القاتمة، وبشكل لا يعكس حالة مجتمع يرى الجانب الإنساني للفرد على صورته الحقيقية، ولكنه يراه بصورة خيالية اسطورية لا يستطيع هو حتماً أن يجاريها لأن مثلهم الأعلى، السلف الصالح قد رفعهم فقهاؤهم الى مرتبة أنصاف الآلهة، ولا يغرك عندما يكتب أمثال أبي قتادة الفلسطيني:
(لو قرأت صحيح الإمام البخاري وصحيح مسلم لرأيت الحياة الحقيقية والنموذج الحقيقي الواضح للإنسان النموذجي، وللإسلام عندما يطبق. حينها ترى عبادة العباد بصورة صحيحة، وترى جهاد المجاهدين بصورة صحيحة، فأنت حين ترى المسجد وما فيه من عبادة الصحابة، ترى فيها بشراً يضحكون ويتسامرون ويختصمون، بل ويتضاربون بالنعال (....) وأنت ترى الزوج في بيته في حركة حقيقية، فهذا يشتهي زوجته وهي قائمة تصلي، وهذا يضرب زوجته، وهذا يداعب أولاده، وهم مع ذلك كله أولياء الله تعالى، إنه النموذج الحقيقي للإسلام الصحيح والبشرية الحقيقية، هم أولياء الله حقاً، والنخالة في غيرهم)".
يعلق مؤلف الكتاب حول ذلك قائلاً:
"لا يغرك هذا الكلام، لأن ما سواه هو بدعة عندهم، فهو يقول لك صراحة (النموذج الحقيقي للإنسان النموذجي)، هذا الإنسان النموذجي الذي يتضارب بالنعال، ويشتهي زوجته وهي تصلي ثم يضربها، هو مخالف تماماً لنموذج الإنسان الذي يريد أن يحيا بغير تلك الطريقة الكاملة النموذجية، بل لا يحق لهذا الإنسان غير النموذجي أن يبدي أدنى اعتراض أو تساؤل على تلك الحياة الكاملة النموذجية لهؤلاء، وأن فعلت، فإنك خضت طريق بدعة أخرى فوق ما يُثقل كاهلك أصلاً من بدع".
يتفق مفكرون وخبراء من شرق الأرض وغربها، ومن مسلمين وغير مسلمين على أن الموجة الحالية للإرهاب والتطرف العالمي تمتلك جذوراً عميقة تتوغل في أعماق عقود من العزل والظلم والاضطهاد السياسي في العالم العربي والإسلامي، ومع ذلك فإن إرهاباً كهذا ليس أمراً لا مرد له. وفي موازاة ذلك فإن التطرف الديني، وخاصة بنسخته (الإسلامية) المعروفة بالوهابية والسلفية الجهادية، ليس بالضرورة أن يكون جميعه له نفس الجذور التي أشار إليها أولئك المفكرون، يقول المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله): "تكمن جذور العنف في الجهل والعصبية, والفهم الخاطئ للدين, والاستبداد والديكتاتورية والحرمان الاجتماعي, والظلم من قبل الحكومات والأفراد الذي يولد العنف المضاد, وغلق قنوات الحوار البناء, أو ضيق هذه القنوات". وفي قوله هذا يضيف سماحته (دام ظله) على الأسباب التي ذكرها أولئك المفكرون أسباباً أخرى وهي التي تتعلق بـ(التعصب الأعمى، الفهم الخاطئ للدين).
ولقد أكدت الوقائع في أفغانستان والعراق أن هناك عدوانية شريرة لجماعات تعتنق أفكار (الوهابية والسلفية الجهادية) وبذلك فهي تتلذذ بقتل الآخرين، وخاصة من أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، وترى من الدين أن تنتهك الحرمات، وتقتل المدنيين الأبرياء، وتفجر المدارس والجامعات والأسواق. وإلا كيف يمكن تفسير تفجير المجاهدين أجسادهم والسيارات المفخخة في وسط زوار الإمام سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، وهو سبط نبي أمة الإسلام الذي قال عنه جده (صلى الله عليه وآله): "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة"؟! بل كيف يمكن أن يفهم مَنْ له عقل قتل الإمام الحسين نفسه وأهله وأصحابه في عاشوراء، ألم تكن واقعة كربلاء الدامية بفعل فقهاء وسيوف أمراء؟!. لاسيما وإن التاريخ على مر العصور – كما يقول الإمام الشيرازي الراحل – "لم يشهد وقائع مؤلمة تمض القلوب كالوقائع الدامية التي ارتكبها يزيد بن معاوية في يوم عاشوراء".
إن الذين يُحرّمون التفكير ويَحترفون التكفير لم يُحرَموا من نصيحة علماء وموعظة فقهاء ورعاية حكومات، لكن لم يكن لهم أن يكونوا إلا كما أرادوا، فمعظم الذين دخلوا - من الإرهابيين - بما يعرف (دورة المناصحة) في المملكة العربية السعودية، وأطلق سراحهم (رأفة وتسامحاً) أصبحوا قادة لتنظيمات إرهابية في العراق واليمن والسعودية وغيرها... إذن ليس هناك أي عذر لمن سلك درب الإرهاب، وليس هناك من يستطيع (التبرير) لكل من امتهن قتل المدنيين في الشوارع والجامعات، لأن الإسلام قد حرم ذلك تحريماً قاطعاً. يقول الإمام الشيرازي الراحل (رضوان الله تعالى عليه):
"اللاعنف مبدأ إسلامي نابع من نظرة الإسلام الى البشرية، ونابع من الرسالة المحمَّدية التي هي رسالة رحمة للبشر، فلا تحمل أي جانب من العنف والإرهاب، وفيها خطاب معقول للإنسان إذا لم يكن قادراً على الظالم باستخدام السلاح بوجهه، فالمفترض أنْ يقابله بسياسة اللين والصبر، إذ كانت سياسة اللين هي السلاح الذي استخدمه الأنبياء والمصلحون لمقابلة العتاة والطغاة. واللاعنف سمة الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، والعقلاء الذين يقدمون الأهم على المهم في شتى حيثيات حياتِهم. وإن إحدى أهم الأدلة على أن الإسلام يتبع أسلوب اللاعنف هي منهجية الرسولِ الأعظمِ (صلى الله عليه وآله) وسيرته في تعامله حتى مع مناوئيه، حيث إنه (صلى الله عليه وآله) قدم للبشرية جمعاء خير شاهد على أن الإسلام يدعو إلى اللاعنف، وينبذ البطش والعنف. كما أن الذي يتمعن في سيرة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) العطرة، ويتأمل في مواقفه الخالدة، يتجلى له كالصبح لذي عينينِ، أنه (عليه السلام) كان يدعو بشكلٍ حثيث إلى اللاعنف والعفو والسلام، وكان يعتمد اللين، والصفح الجميل. وقد بلَغ من التزام الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) باللاعنف أنه حتى مع الخوارج لم يلجأ إلى القوة وإنما عكف على نصيحتهم وتذكيرهم بالحق ولكنهم أبوا إلاّ محاربة المسلمين فحينذاك دافع الإمام (عليه السلام) عن الأُمة".
وأكثر من ذلك... يقول الإمام الشيرازي الراحل (أعلى الله درجاته):
"بالإضافة إلى الآيات الشريفة المنادية إلى العفو، والصفح الجميلِ، والجنوح إلى السلم والسلام، هناك آيات أُخر تدعو إلى احترام عقائد الآخرين حتى ولو كانت فاسدة وغير صحيحة، وهذا إنما يدل على حرص الإسلام على السماحة واللاعنف في سلوك المسلمين حتى مقابل أصحاب العقائد الضالة التي لا قداسة لها في نظر الإسلام".
إن ظاهرة (التطرف الإسلامي السني) المنتشرة في العديد من المجتمعات المسلمة باتت تشكل تهديداً للنظام العام وأمن المجتمعات (المسلمة وغير المسلمة) واستقرارها، وقد رافق تناميها تجذر أسباب استمرارها وبقائها وهو ما أشار إليه الكاتب والإعلامي عبد المنعم الأعسم في سلسلة مقالاته حول "مستقبل تنظيم القاعدة" الإرهابي قائلاً:
إن طبيعة التنظيم الإرهابي العالمي المعاصر المستمدة من تجربتي حركة الأفغان العرب (ابن لادن)، والجهاد المصرية (الظواهري) خلقت معها عوامل استمرار وتواصل وتجديد، وتتمثل أهم تلك العوامل:
1- عوامل استمرار الإرهاب، وصعوبة القضاء عليه يمكن رصده في الآليات التنظيمية المعقدة للقاعدة، حيث صنعت فقهاً جهادياً مسلحاً يقضي باعتماد نخبة صغيرة من المقاتلين الانتحاريين الكفوئين والمدربين جيداً على استخدام أنواع الأسلحة والتقنيات والمعارف المختلفة تتولى إدارة مركز التنظيم وشبكة اتصالاته وإعلامه وأمواله، ومجموعات كثيرة من الموالين والمتطوعين والأتباع، في جميع القارات، الكثير منهم منخرطون في "خلايا نائمة" قيد الإشارة للتحرك الى أية مهمة، وبعضها يبادر ذاتياً الى توجيه ضربات لـ "العدو" حيثما تسنح الفرصة وتتوفر الإمكانيات.
2- العوامل التي يستند إليها الإرهاب الدولي للتواصل تتوفر في التسهيلات التي يحصل عليها في شبكة القوانين والأنظمة والثغرات والفرص في الدول الأوربية والعديد من الدول الإسلامية والعربية، وقد أحسنت شبكة القاعدة، الى حد بعيد، استثمار هذه البيئة الرخوة في مجالات الإعلام والتدريب والتجييش والتمويل المالي، وقد تم الكشف خلال العام الماضي (فجوات أمنية قاتلة) في أكثر من بلد أوربي تسللت من خلالها عمليات ضربت أو كادت تضرب، في قلب الهيبة الأمنية والسياسية في الولايات المتحدة ومناطق كثيرة من العالم. وإن الوقائع التي جرت – وخاصة في العراق – تؤكد أن أنشطة القاعدة في العراق، والعالم، لم تعد كرد فعل عقيدي أو سياسي على ما كان يعتقد بأنها مهانة للإسلام والمسلمين من قبل الولايات المتحدة والغرب، بل هي مشروع سياسي، بمفردات وأجندات كثيرة، دخل معادلة الصراع في العالم غداة انهيار نظام القطبية الثنائية وعهد الحرب الباردة، وصنع بسرعة لافتة مكاناً له في لعبة الاحتمالات.
ويرى الأستاذ الأعسم أن "الإرهاب الدولي لم يعد ومفرداته ذات الصلة بـ(التطرف الإسلامي الجهادي)، و(الهوس القومي)، و(التجييشية الوطنية)، وبقايا أقصى (اليسار المسلح) جزءاً عضوياً من الخارطة السياسية العالمية لما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وأنظمة الاشتراكية في شرق أوربا، وإذ جرى، على وجه السرعة، بناء تحالف دولي لمواجهة الارهاب بقيادة الولايات المتحدة، فإنه، بالمقابل، تشكلت جبهة عالمية، أو أعمال تنسيق وتعاطف وشراكة (غير معلنة) بين فروع الأنشطة والمنظمات الإرهابية، على اختلاف إيديولوجياتها، وبيئاتها الجغرافية، واحتل تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن مكان القوة الرئيسة، والرادعة، في هذا التجمع، يعادل المكانة التي تحتلها واشنطن في التحالف المناهض. لذلك فمن الطبيعي أن يرى المحلل الحقيقة الموازية الآتية: ليس كل دول العالم، ولا كل تجمعاته السياسية موزعة بين هذا القطب أو ذاك من المعادلة.. فثمة الكثير من الدول، وحتى في أوربا، تقف في المنطقة الوسط: تهادن النشاط الإرهابي، وتتجنب مواجهته، وتغض الطرف عن خلاياه وحركة تمويله وتحرك زعمائه وتابعيه وأعوانه، في ذات الوقت الذي تنفذ مطالب الولايات المتحدة وقرارات المنظمة الدولية ذات الصلة، ويمكن لنا أن نعدد العشرات من الدول التي تقف في هذه المنطقة، فيما يتعامل الإرهابيون مع هذا الواقع بالكثير من المرونة، وينأون بأعمالهم وهجماتهم عن ساحات موالية للغرب، بل وتنتشر فيها قوات أمريكية ومصالح إسرائيلية تدخل أصلاً في مرمى خطاب التجييش والجهاد الذي تروجه وتلتزمه. الى ذلك، فإن مصير القاعدة والإرهاب العالمي يتوقف، كما يبدو، وفي المقام الأول، على نتائج "الحرب" المصيرية شديدة التعقيد التي تخوضها في كل من باكستان واليمن حيال حملة هجومية منهجية تدعمها الولايات المتحدة لوجستياً ومالياً، فإنه على وفق نتائج هذه الحرب يتقرر مشروعها في كل من العراق (دولة العراق الإسلامية)، وأفغانستان (إعادة نظام طالبان) أخذاً بالاعتبار أن الساحتين كانتا الظهير الرئيسي للمشروع الإرهابي، إذ انطلقت طالبان وصنيعتها القاعدة من مناطق شرق باكستان بدعم ورعاية المخابرات الباكستانية، فيما كانت مناطق أبين اليمنية بمثابة معسكرات تدريب وتأهيل لجيل من الانتحاريين الذين توجهوا الى العراق بمعرفة (أو تشجيع) السلطات المحلية. لكن من التبسيط، والخطل، الاعتقاد بأنه بإمكان القاعدة والمشروع الإرهابي الدولي إلحاق الهزيمة بالولايات المتحدة وحلفائها، ليس فقط لأنهما لم يقدما مشروعاً بديلاً (قابلاً للتحقق) عن العلاقات الدولية القائمة أو عن النظام الدولي القائم، بل وأيضاً، لأنها لا تملك الآليات والقوة الاستراتيجية التي تضمن تحقيق الفوز على التحالف المناهض للإرهاب، في وقت تنحسر إمكانيات تنظيم القاعدة وتضيق، الى أدنى حد القاعدة الاجتماعية التي تتعاطف معها، فيما يتكرس الطابع الأساسي والمبكر لها القائم على عمليات وسياسة رد الفعل. كما أن من التبسيط الاعتقاد بحلول عصر دولي تديره القاعدة ومنظومات التطرف والتجييش، على الرغم من إن شعاراتها تندد بالمظالم والجبروت، وإن العالم مليء بالمظالم والانتهاكات وسياسات العدوان والاستهتار والإملاء والدكتاتوريات وأنظمة الحزب الواحد والطغمة الواحدة ومصادرة الحقوق.. فهل إن موصوفات ابن لادن السياسية، وحروبه، وخطبه تستوعب (وتأتمن) حقاً هذه العناوين من شكاوى الملايين في العالم؟ أم إنها نفسها أصبحت أيضاً مصدراً إضافياً لتلك للشكوى؟".
ليست الحرب على الإرهاب أمراً يتعلق بالتكتيكات الأمنية والعسكرية فحسب، بل هي معركة قيم، وهي معركة لا يمكن تحقيق النصر فيها إلا من خلال انتصار قيم التسامح والحرية، إن الحرب مع الإرهاب حرب حقيقية ، ولكنها من نوع غير تقليدي، وهو نوع لا يمكن تحقيق الانتصار فيه بطريقة تقليدية، وأن التطرف قد يكون قد بدأ بتعاليم وأفكار دينية، لكن فيما بعد انبثق كـ(أيديولوجيا) وتم تصديرها الى العالم، من خلال تفرعات تنظيم (الإخوان المسلمين) وبدعم من المتطرفين الوهابيين.
يقول سماحة المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله):
"يمكن مكافحة العنف في المجتمع من خلال تعميم ثقافة اللاعنف, وتوضيح إن العنف نار تحرق الكل ولاتستثني أحداً, وبيان مضار العنف النفسية والاجتماعية والدينية, وتوفير الحرية للمجتمع, فإنه في أجواء الكبت والإرهاب والاستبداد والديكتاتورية تنمو الاتجاهات المتطرفة والحركات التدميرية, وإرساء دعائم العدالة الاجتماعية, وتوفير الفرص للجميع, وإعطاء حقوق الفقراء والمحرومين، وبالرقابة الاجتماعية, وقيام الأنظمة العامة التي تحمي المجتمع من حاملي راية العنف, وفتح قنوات الحوار البناء بين الأفراد والتجمعات".
من ذلك الخطر الداهم ينبغي على الدول والمجتمعات التي أدركت أن قوى الإرهاب تشن حرباً لا هوادة فيها على المدنية والحضارة والإنسان عموماً أن لا تجعل مهمتها انتظار مجيء تهديدات الإرهاب وأعماله الوحشية وإنما ينبغي العمل الشجاع على صياغة بيئة (داخل المجتمعات المسلمة) أولاً، وبيئة دولية لمكافحة خطر الإرهاب المتأتي من تنظيمات التطرف الديني، ووخصوصاً، إرهاب تنظيم القاعدة. فقبل انطلاقة حرب تحرير العراق من حكم الطاغية صدام كتبت العديد من المقالات والدراسات حول: هل هناك حل لمشكلة نظام دكتاتوري استبدادي مجرم استخدم الأسلحة الكيمياوية ضد شعبه، وأعدم مئات الألوف، وشن حربين ظالمتين على جارتي العراق إيران والكويت، وشكل تهديداً حقيقياً لاستقرار دول الجوار العراقي والمنطقة والسلام العالمي؟ وكان أهم تلك الدراسات وأكثرها واقعية هي التي أكد عبرها كتابها على أن "ليس من الواقعية افتراض قابلية السيئين للإصلاح"!! وإذا استحضرنا السنين السبع التي مرت على إسقاط صنم صدام في وسط العاصمة بغداد نجد أن هناك العديد من الوقائع التي تدل على صحة ذلك الرأي، فما زال أقطاب النظام السابق يصرون على تمجيد قائدهم المقبور وتبرير جرائم حكمه الأسود، بل ما زالوا يمارسون حقدهم من خلال سلسلة عمليات إرهابية في العاصمة بغداد!! ولكن بالرغم من كشف المئات من جرائم جرائم صدام من المقابر الجماعية، وحفلات قطع الرؤوس الى ضرب المدنيين بالمدفعية والصواريخ والطائرات إلا إن أخوة عرب ومسلمين لم يألوا جهداً في إصدار فتاوى تبيح قتل العراقيين فـ(البرلمان باطل، والحكومة عميلة، والشيعة روافض، والكرد خونة، والسنة مرتدين)، كما لم يدخر أخوة عرب ومسلمين جهداً لإرسال قطعان من الانتحاريين ليفجروا أجسادهم النتنة في وسط الأطفال والنساء دون أي حدود أخلاقية وإنسانية فضلاً عن حدود إسلامية، وكأنهم لم يسمعوا وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قتالهم الكفار:
"لا تغدروا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا"!!.
وقد غدرت تنظيمات القاعدة بالعراقيين وغير العراقيين وهتكت، واعتدت على المسلمين وغير المسلمين، ومثلت، وشر ما هتكت، وشر ما قتلت، وشر ما مثلت!!
وفي معرض رده على أحدى رسائل الإرهابي الزرقاوي التي يشير فيها الى غفلة علماء المسلمين عن الحديث الشريف:
"ما من امرئ يخذل امرئ مسلماً في موطن ينتقص فيه عرضه، وينتهك فيه من حرمته إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته".
يقول الأستاذ المؤلف: "ما يغفل عنه الزرقاوي هو أنه كيف يستقيم أن يكون قتل المدنيين الأبرياء بالعشرات، وربما المئات، لا يفرق بينهم بين امرأة أو رضيع أو طفل أو شيخ كبير، يترك من بعدهم أضعاف عددهم أيتام وأرامل وأيامى وثكلى ومن لا معيل لهم ولا معين، كلهم يشهد بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، قد يكون بينهم أو قد لا يكون عدة أفراد على دين آخر أو مذهب آخر أو من جيش معاد، كيف لا يكون هذا خذلان لهم، خذلان للمسلمين، بينما يكون كل من لا يوافقه على فقهه (فقه الزرقاوي) هذا وأفعاله، خذلان لمسلم، وهذا المسلم هو الزرقاوي نفسه والأفراد الذين معه، وينطبق عليه هذا الحديث الشريف الذي اقتبسه لعلماء الأمة".
لذلك، من أجل مواجهة خطر الإرهاب لا بد من البحث عن حلول قابلة للتطبيق، ولا يمكن تحديد الحلول الناجعة إلا بقراءة الوقائع كما هي لا كما يتمناها بعضنا!! وأن نسمي الأشياء بمسمياتها لا كما يفعل البعض من تبرير أو تزويق أو تزوير!! فإن قادة الإرهاب الذين وردت سيرهم الوحشية في هذا الكتاب الكريم يتبنون فقهاً له مؤلفاته وكتبه، وله مؤسساته وعلماؤه، وله حكومات ودول، وله أموال وعبيد، ووجود كل ذلك ينتشر على مساحة واسعة من جغرافية العالم الإسلامي وقلبه وعاطفته وعقله، وهذا ليس من المبالغة، فإن رأي خبراء اجتماعيين وأمنيين باكستانيين أعلن عنه – صراحة - في آخر شهر جمادى الآخرة/1431هـ يشير الى الجذور المتعمقة للجماعات المسلحة في باكستان، وإن المشكلة بالنسبة لباكستان ليست فقط الأعمال الإرهابية التي تقوم بها هذه الجماعات، لكن العقلية الجهادية الأكثر انتشاراً، التي تعززت في المجتمع بفعل شبكة واسعة من المساجد والمدارس الدينية المتطرفة، ويقول خبراء عسكريون: "إننا نتعامل مع مشكلة محفورة بعمق في قلب المجتمع"!!.
ما الذي ينبغي فهمه حينما يوبخ الإرهابي (أبو قتادة الفلسطيني) علماء الأمة ويدعوهم الى التمسك بفقه الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل (...) وابن تيمية وتلميذه ابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب!!!.
ما الذي ينبغي فهمه من تواجد كبريات حواضن الإرهاب في العراق بمحافظات دون أخرى تحت مطامح مذهبية وسياسية؟ كما أن المحافظات التي صحت وانتفضت على تنظيم القاعدة وقوى الإرهاب المتحالفة معه حدثت بعد أن وقع الخلاف ثم الدم بين التنظيمات وأهالي تلك المحافظات، وبعد أن تجرأ الإرهابيون على محاولة إرغام الناس على تزويج بناتهم للمجاهدين!!.
يقول مؤلف الكتاب: "أساس مشكلة التطرف هو أن مصادر تشريعه وأساسيات فقهه موجودة أصلاً في كتابات وآراء ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والشيخ محمد بن عبد الوهاب ضمن مصادر أخرى، وهذه الكتابات والآراء مطبوعة ومنشورة ومتوفرة في كل الدول الإسلامية وغير الإسلامية بدون أي قيد أو شرط أو حتى محاولة تفنيد أو مناقشة، وهي تُدّرس وتُحفظ على أنها المنهج السلفي الذي كان عليه النبي (ص) وصحابته والسلف الصالح في جامعات بعض الدول ومدارسها ومساجدها ومراكز الدعوة والإرشاد، ويتم تلقين الأطفال والنشئ على أن هذه الآراء والمصادر تحتوي على منهج الطائفة المنصورة، الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة، أهل الحديث، بل الحقيقة هي أنه يكفي أي سلفي أن يحتج برأي ابن تيمية أو محمد بن عبد الوهاب حتى يملك الدليل على ما يفعل أو يقول، ولتنظروا فقط الى محتوى رسائل وكتابات التوجه السلفي المتطرف حتى تملكوا الدليل على هذا".
ويضيف مؤلف الكتاب:
"الإشكال ليس في تبني ادعاء (الفهم الخاطئ) لكل من نخالفه لكتابات ابن تيمية ومن سار على نهجه ودربه، فمن يتبنى هذا الرأي هو واهم مخدوع أو مخادع، ولكن أساس الإشكال هو تلك الازدواجية الساذجة التي تريد بعض الدول أن تتبناها بين المنهج وبين ممارسة الانتقائية الواضحة منه، كما أنها ومن جهة أخرى توفر هذه المصادر بدون أية محاولة جادة ومنظمة وشاملة لتفنيد ما فيها والاستقرار على فهم واضح وحدد لرأي وموقف الإسلام منه بحيث يشمل مذاهبه المتعددة والتي ينتمي إليها الأغلبية الساحقة من المسلمين اليوم، وفيما يتعلق الأمر بالشق الثاني، محاولات تفنيد هذه المصادر والاستقرار على فهم واضح ومحدد، فإنه يحتاج الى جهود منظمة ذات طابع أكاديمي متفرغ ومقنع ويتميز بالاستمرارية على مستويي الزمان والمكان حتى يبرز كمرجعية إسلامية واضحة ومحددة يتم استغلالها لتفنيد آراء واستدلالات هذه التوجهات السلفية".
وفي سياق بشائر التغيير التي بدأت تلوح في أفق الوعي الإسلامي وصانعيه كتب – وما زال - يكتب ثلة من (كتاب الوعي الأحرار) من دول عربية وإسلامية، وخاصة المملكة العربية السعودية، مقالات ودراسات بمهنية عالية ومنهجية علمية وموضوعية، وهي خطوة بألف خطوة، ومن تلك الكتابات التي نشر معظمها على موقع الإمام الشيرازي، يقول د. يوسف أبا الخيل في مقال قيم له بعنوان (مؤتمر ماردين: فضاء التسامح بدلاً من دار الكفر):
"شكلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001م فاصلاً تاريخياً في استصحاب، أو لنقل: استثمار مقولات الجهاد من قبل المنظمات الإرهابية في تدشين علاقة احتراب دائم بين المسلمين وغيرهم من أمم الأرض الذين يشكلون أربعة أخماس البشرية. ورغم ذلك فقد ظل الخطاب الديني المعاصر يرفض تعريض تلك المقولات لمنهج النقد التاريخي لتعرية ارتباطها البنيوي بسياقاتها القديمة. وهي سياقات كانت متخمة بإشكاليات سياسية ألجأت الفاعلين الاجتماعيين حينها (=المسلمين) إلى البحث عن أفكار عملية لتجاوزها, فكانت تلك المقولات والأفكار والنظريات. وهذا يعني أن تلك المقولات والأفكار لم تكن في نشأتها إشباعاً لفضول معرفي, بقدر ما كانت وسيلة لتجاوز اختناقات سياسية وقانونية لا تمت لواقعنا المعاصر بصلة. والنتيجة المترتبة على تلك الحقيقة تؤكد على أن تَعْدية مضامين تلك الأفكار والمقولات لتكون حاكمة على سياقات معاصرة مختلفة عن السياقات القديمة, لن يؤدي إلا لمزيد من تأزيم علاقات المسلمين مع غيرهم من دول العالم. والواقع المعاصر للمسلمين الذين يدرأون اليوم عن تراثهم "معول" النقد التاريخي يؤكد ذلك في كل آن وحين. فهاهو الأمريكي (المسلم!) فيصل شاه زاد, لم ير في وطنه "أمريكا" رغم كل ما وفرته له من فضاء حقوقي باعتباره "مواطناً" أمريكياً, إلا دار كفر يجب "جهادها" ولو بتفجير عشوائي في مكان مكتظ بالأبرياء كساحة (تايمز سكوير) في مدينة نيويورك!. والذهنية (الإسلامية) المعاصرة لَمَّا تزل متخمة بأفكار سياسية تراثية محسوبة على شؤون العلاقات الدولية في العالم القديم, من حرب وسلم ومعاهدات وخلافها. وهي أفكار ونظريات كانت تندغم في وضع سياسي يستصحب الدين كمكون علائقي رئيسي - إنْ لم يكن وحيداً - في تكييف العلاقة بين أفراده في الداخل, ومع الشعوب في الخارج . وهذا الاستصحاب هو وحده الذي اضطر الدولة الإسلامية إبان (الفتوحات) إلى تدشين ما عرف لاحقاً بـ "فقه" أهل الذمة, الذي أريد منه أن يكون قانوناً لتكييف العلاقة بين المسلمين وبين أهل الكتاب وبعض الديانات الأخرى التي ألحقت بها, والذين توافدوا على الداخل الإسلامي إبان (الفتوحات). وهو نفسه الذي أدى إلى تدشين نظرية "الدارين": دار الإسلام، ودار الكفر أو الحرب, لتكييف العلاقة مع "الكفار" ممن هم خارج دائرة أهل الكتاب".
ويقول د. أبا الخيل: "ثمة ضوءاً ربما نرصده الآن في نهاية النفق, ضوءاً ربما يكون مقدمة لمصالحة الخطاب الديني مع منطق العصر. يتعلق الأمر بما حف بمؤتمر "ماردين" من آراء وتوصيات تعطي إيحاءً بأن الممانعة العنيدة التي ظل ذلك الخطاب متمسكاً بها، بدأت تتزحزح في ظل اقتناع واضح من أقطابه بعجز الفكر الديني الجهادي عن استيعاب المنطق المدني للسياق السياسي المعاصر. هذا التزحزح يمكن أن نلحظه مما رشح عن المؤتمر من آراء وتوصيات تعتبر "ثورية" في مجالها بالنسبة للخطاب الديني المعاصر. من ذلك ما أكده المشرف على المؤتمر الشيخ: (عبدالله بن أبيه) من أن المؤتمر كان معنياً "بتجاوز الرأي القديم الذي يقسم العالم إلى دارين: دار إيمان ودار كفر. وإعادة فهم مبادئ الإسلام في ضوء الظروف السياسية المتغيرة. وأن ظهور الدولة المدنية التي تحمي الحقوق الدينية والعرقية والقومية يقتضي اعتبار العالم كله مكاناً للتسامح والتعايش السلمي بين الفصائل والجماعات الدينية". وأن "تنزيل فتوى في الزمن الماضي على واقع يختلف عن ذلك الواقع، زماناً ومكاناً وحالاً ومآلاً وإنساناً، تنزيل مخل وغير صائب". وكذلك تأكيده بقوله: "تدارسنا أوضاع العالم في ضوء الفقه، وفي ضوء ما ينبغي أن يصنف العالم عليه فوصلنا إلى أن العالم أصبح (فضاء تسامح) تحكمه مواثيق ومعاهدات دولية، ولهذا سميناه (فضاء) بدلاً من دار. وتسمية دار ليست توقيفية، ومن حقنا أن نتصرف فيها".هذا الكلام لم يصدر عن شخصية محسوبة على التيار الليبرالي المتوجَّس منه خيفة على الدوام، بل من شخصية لا يمكن التشكيك في سلفيتها. ومما حف بالمؤتمر أيضاً من مؤشرات إيجابية، ما جاءت به التوصية الثانية من توصيات المؤتمر من أن "تصنيف الديار في الفقه الإسلامي تصنيف اجتهادي أملته ظروف الأمة الإسلامية وطبيعة العلاقات الدولية القائمة حينئذ. إلا أن تغير الأوضاع الآن ووجود المعاهدات الدولية المعترف بها وتجريم الحروب غير الناشئة عن رد العدوان ومقاومة الاحتلال وظهور دولة (المواطنة!) التي تضمن في الجملة حقوق الأديان والأعراق والأوطان(اعتراف واضح بـ "مدنية" العلاقات بين الأمم والشعوب), استلزم جعل العالم كله فضاءً للتسامح والتعايش السلمي بين جميع الأديان والطوائف في إطار تحقيق المصالح المشتركة والعدالة بين الناس، فضاءً يأمن فيه الناس على أموالهم وأوطانهم وأعراضهم. وهو ما أقرته الشريعة ونادت به منذ أن هاجر النبي (ص) إلى المدينة ووضع أول معاهدة تضمن التعايش بين جميع الطوائف والأعراق في إطار العدالة والمصالح المشتركة (اعتراف صريح بـ "مدنية"عقد الصحيفة). ولا يسوغ التذرع بما يشوبها من نقص أو خرق دول معينة لها للتنكر لها وافتعال التصادم بينها وبين الشريعة السمحة". ولا شك أن لتلك الآراء والتوصيات أهميتها البالغة على طريق إعادة النظر في تراث فقهي كُتب لظروف وسياقات زمنية ومكانية تختلف جذرياً عن سياقنا المعاصر, سياق دولة المواطنة والهوية الوطنية والتعددية الدينية والمذهبية".
ومن بوادر التغيير، أيضاً، بيان صدر في أواخر شهر جمادى الأولى/1431لجمع من علماء في السعودية "يدين الإرهاب، ويدين مَنْ يمول أو يحرض عليه"، بعد ما يقارب العام من إصدار جمع آخر من رجال دين في السعودية بياناً خطيراً ضد شيعة العراق بحجة الجهاد ضد المحتل، وقع عليه 38 من مشايخ القتل والفتنة والإرهاب. دعا البيان المشؤوم (السنة في العالم) للعمل على مساندة السنة في العراق، ووقف ما زعمه، بالعدوان وحرب الإبادة التي يشنها (الرافضة - الشيعة) ضدهم!! وأخطر ما جاء في البيان الدعوة لاستخدام القوة – السلاح – ضد شيعة العراق، وقالوا بهذا الصدد "وما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة"!! وكانت إشارة واضحة ودعوة مكشوفة الى استخدام القوة، وهو تعبير عن السلاح، لضرب وتصفية الشيعة"!!. ومن الذين وقعوا على بيان الإرهاب والفتنة: (عبد الرحمن بن ناصر البراك الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً، عبد الله بن محمد الغنيمان رئيس قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية سابقاً، عبد العزيز بن عبد الله الراجحي الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عبد الله بن عبد الله الزايد رئيس الجامعة الإسلامية بالمدينة سابقاً، سفر بن عبد الرحمن الحوالي رئيس قسم العقيدة بجامعة أم القرى سابقاً). وغير ذلك، مقال كتبه المستشار الأمني للحكومة السعودية نواف العبيد بصحيفة الواشنطن بوست، يوضح الدور السعودي في دعم التنظيمات الإرهابية لبعض السنة في العراق، وتشكيل تنظيمات أخرى، وتشكيل جيش عراقي خاص لكي يستولي على الحكم في العراق, وقد أعلن في حينها السفير السعودي في واشنطن تركي بن فيصل، أن ما ورد في مقالة نواف عبيد لا يعبر عن رأي السعودية وقاموا بإلغاء عقد العمل معه.
ويذكر أن الناشط والمستشار القانوني أمين طاهر البديوي قد وجه خطاباً الى ملك السعودية عبدالله بن عبدالعزيز مطالباً إياه بإحالة 52 من العلماء السعوديون إلى هيئة الادعاء والتحقيق، وتوجيه أكثر من 13 تهمة منها تهماً إرهابية وتحريضية، وإشعال الفتنة بين مذاهب المسلمين، وتشويه سمعة الإسلام وسمعة المملكة العربية السعودية والمواطنين السعوديين أمام العالم، وإصدار الفتاوى العشوائية والتحريضية والتكفيرية، والخروج عن طاعة ولي الأمر، وزج الشباب السعودي إلى مستنقع الإرهاب، وتحريضهم على التطاول على المذاهب الإسلامية وتكفيرهم، وطالب بإحالتهم إلى القضاء لمحاكمتهم، كما طالب البديوي القضاء بالحكم عليهم بالقصاص، وقتلهم تعزيراً بسبب إدانتهم واثبات الأدلة عليهم، وعددهم 52 من علماء الدين وغالبيتهم من أساتذة الجامعات السعودية والدعاة، واتهمهم بإصدار فتاوى عشوائية هدفها تحريض الشباب السعوديين بالسفر إلى العراق بدون إذن أو موافقة ولي الأمر، وقد تم خداع وتغرير أكثر من 3569 شاب سعودي في العراق بسبب تلك الفتاوى التحريضية، وأغلبيتهم من المراهقين، وحسب الإحصائية إن الذين استشهدوا على يد السعوديين من المواطنين الأبرياء العراقيين عشرات الآلاف من الأطفال والنساء وكبار سن والشباب، كل هذا كان بسبب تلك الفتاوى التحريضية والتي كانت تؤكد أن العدو هناك هم الطائفة الشيعية.
وقد نقلت صحيفة عكاظ في 13/ يونيو عن مستشار أمني سعودي، أنه تم إبعاد 2000 معلم عن التدريس، ونقلهم إلى وظائف إدارية في العامين الماضيين، بسبب نشرهم الفكر المتطرف بين الطلاب. مبيناً "إن الإبعاد جاء بسبب الغلو، وتم إيقاف عدد من المعلمين بعدما تبين أنهم يحيلون رسالة التدريس في المواد الدراسية إلى أداة لنشر الفكر الضال"... لكن يبقى على المملكة العربية السعودية ملكاً وحكومة ونخباً وشعباً الكثير من العمل التغييري والإصلاحي الجاد ففتاوى الإرهاب التي تصدر بين حين وآخر من السعودية وما تصدره بيئة سعودية من الإرهابيين (القادة والمقاتلين) بات أمراً مهدداً لأمن المجتمعات العربية والإسلامية والسلام العالمي عموماً. وهذا لا يعني أن على السعودية فقط العمل على اجتثاث الإرهاب بقواه الفكرية والقتالية، وإنما هناك دول تدعم قوى الإرهاب (بشكل مباشر أو غير مباشر) وذلك لشعور تلك الدول أن مصالحها قد التقت مع القاعدة، وليس من العجيب الإشارة الى أنه ليس بالضرورة أن تكون الجهات الدولية أو الحزبية (الدينية وغير الدينية) الداعمة أو المساندة أو المؤيدة للقاعدة على المذهب الديني العام الذي عليه القاعدة، فلقد وصلت الأمور بدول عربية وإسلامية الى تتبنى (براغماتية لا أخلاقية) وبأحط مستنقع السقوط الحضاري والإنساني والقيمي.
ومن بشائر التغيير أيضاً ما ذكره الأستاذ الدكتور عبد الحميد الأنصاري في مقال له بعنوان (الإرهابيون لن يشموا ريح الجنة):
ثلاثة أحداث أو مواقف فكرية مهمة حصلت خلال فترة زمنية قصيرة، لا يجمعها إلا خيط فكري واحد هو نزع الغطاء الشرعي أو السند الديني لأعمال العنف الإرهابي، وأصحاب الفكر المتطرف الذين يتذرعون ويتمسحون بالشريعة لتبرير أعمالهم العدوانية وفتاواهم المتشددة. الحدث الأول هو فتوى الشيخ الدكتور محمد طاهر القادري ضد المفجرين الانتحاريين. والشيخ القادري عالم دين إسلامي من باكستان، له أتباع وتلاميذ ومؤسس "جمعية منهاج القرآن" التي تنتشر فروعها في باكستان وبريطانيا. أصدر القادري فتواه في مؤتمر صحافي بلندن يوم 2010/3/2 بالإنجليزي، وقال "إن الإرهابيين أعداء الإسلام، والانتحاريين ليسوا شهداء كما يدّعون، بل لن يدخلوا الجنة ولن يشموا ريحها، ولن تكتحل عيونهم برؤية الحور العين، بل سيخلدون في جنهم وبئس المصير". وتُعدُّ هذه الفتوى أقوى وأشمل فتوى في تاريخ تحريم وتجريم العمليات الانتحارية، سواء ضد المسلمين أو غيرهم، لأنها حازمة وقاطعة في رفض كافة ذرائع وتبريرات الإرهاب، وهي بذلك تختلف عن الفتاوى الضبابية لبعض المشايخ في المنطقة والتي تحاول إمساك العصا من الوسط، فهي إذ تدين العمليات الانتحارية ضد المدنيين فإنها تستثني حالات أخرى تراها مشروعة بحجة أن المستهدفين محتلون أو يتعاونون مع المحتل بل، وتبررها سياسياً وتعد العمل الانتحاري ضد العدو "أسمى أنواع الجهاد"! وأكثر هؤلاء المشايخ المبررين للأعمال الانتحارية هم دعاة الإسلام السياسي الذين يتباهون بأنه إذا كان العدو يملك القنابل النووية، فالمسلمون يملكون القنابل البشرية! فتوى الشيخ القادري لا تمسك العصا من الوسط ولا تستثني، فكافة الأعمال الانتحارية محرمة ومجَرّمة، وقد صدرت في 600 صفحة مدعومة بالنصوص الدينية وبأقوال (أئمة السلف). وإذ تؤكد الفتوى براءة الإسلام من التفجيرات الانتحارية، تقرر – أيضاً - أن المتورطين فيها خارجون عن ملة الدين، وأن بن لادن والظواهري ومنظري "القاعدة" هم "خوارج اليوم" الذين يشتركون مع خوارج الأمس في 10 نقاط بدءاً من سطحية الفكر، وعنف العداوة، وترويع الآمنين إلى الملبس، وطول اللحية. ودوافع الشيخ القادري لإصدار الفتوى المذكورة، تمثلت في ثلاثة أمور: أ- حماية الشباب المسلم من الانجراف إلى الفكر المتطرف، وبخاصة بين أبناء الجالية الآسيوية في بريطانيا (7 ملايين مسلم غالبيتهم من أصول باكستانية). ب- ندرة إدانة التطرف من جانب العلماء رغم آلاف الضحايا الذين يسقطون سنوياً بسبب أعمال "القاعدة"، فحتى الآن لا نجد تصدياً صريحاً من قبل المجامع الفقهية بفتوى جماعية قاطعة ضد العمليات الانتحارية، الفكر الديني يستشري في الساحة وبعض الشباب يتحولون إلى قابل ذرية والعلماء والمسؤولون لا يقومون بواجبهم في إنقاذ الشباب من غزو الفكر المتطرف. ج - تصحيح صورة الإسلام والمفاهيم الدينية التي شوّهها هؤلاء المفجرون الذين يتفاخرون بأنهم أبطال الأمة وهم في الحقيقة أبطال الجحيم كما يقول الشيخ. أما الحدث فهو مؤتمر ماردين بتركيا، وقد عُقد بحضور 15 عالماً لمناقشة الفتوى الشهيرة لابن تيمية في أهل ماردين، وهي بلدة في شمال تركيا سكنها مسلمون واستولى عليها المغول قبل 7 قرون، وسئل ابن تيمية عنها: هل هي دار حرب أم دار إسلام؟ وهل يجوز الجهاد فيها؟ هذه الفتوى ظلت غطاءً شرعياً للجماعات الإرهابية في عملياتها وفي تكفير المسلمين والخروج على الأنظمة السياسية واستباحة الأموال والدماء، لكن مؤتمر ماردين أسقط حجة هؤلاء وجرد الفتوى من توظيفها لتبرير العمل الإرهابي، وبيّن العلماء أن تقسيم العالم إلى دار حرب ودار إسلام أصبح في ذمة التاريخ، لا علاقة له بالشريعة، ولا محل له في عالم اليوم حيث الدول الإسلامية ملتزمة بمعاهدات دولية وبميثاق الأمم المتحدة فضلاً عن قيام الدولة الوطنية على أساس الدستور الذي يساوي بين المواطنين. ويتصل بهذا الأمر الجدل المثار في السعودية حول مفهوم "السلفية"، ولعل الحوار الذي أجري مع الدكتور زيد الفضيل ("الحياة" 4/9) حول "مرجعية فهم السلف" يُعد تطوراً مهماً في الفكر السلفي المعاصر، حيث يؤكد الفضيل أن المرجعية للقرآن والسنة وأن إلزامنا بمفهوم وحيد للسلف هو عين الخطأ الذي وقعنا فيه. فالنصان، القرآني والنبوي، عابران للزمان والمكان، لكن الإفهام البشرية مرتبطة بزمانها وبيئتها، ونحن مكلفون اليوم أن نفهم من القرآن والسنة وفق زماننا، ونضيف إلى ذلك أن وزارة الشؤون الإسلامية بالسعودية تنظم برامج شهرية للخطباء والأئمة والدعاة، لمكافحة الفكر المتطرف. وأخيراً يتمثل الموقف الثالث، في المقترح المهم الذي قدمه الدكتور زهير الحارثي، عضو مجلس الشورى السعودي، ويطالب فيه بسن تشريع يجرّم فتاوى التكفير الصادرة من خارج المؤسسة الدينية الرسمية، وذلك بهدف وضع حد لهذه الفتاوى التي أخذت في الازدياد في الآونة الأخيرة ووصلت إلى حد "المساس بمبدأ الدين وقيمه وروحه وقيمة الوحدة الوطنية، والانتقاص من هيبة نظام الدولة، والتأثير على العلاقات الخارجية التي تربط السعودية بدول العالم". وقال الحارثي: "إن على مجلس الشورى أن يتحرك لحفظ دماء المسلمين وحماية الشريعة الإسلامية من التشويه"، مؤكداً أن "إصدار هذا التشريع أصبح ضرورة"، وأن السكوت عن تنامي ظاهرة فتاوى التكفير هو "جريمة بحق الوطن"، واصفاً الفتاوى بأنها أصبحت "بازاراً" تتقاسمه قواسم مشتركة مثل إهدار الدم، وتكفير الآخرين، وتكريس قيم الإقصاء. ويذكر أن المجلس قد تفاعل مع المقترح، وقد نشرت الصحف أن "هيئة كبار العلماء" في السعودية شرعت في بحث موضوعين مهمين هما: تمويل الإرهاب وفتاوى التكفير. ولا شك أن هذه التحركات تمثل خطوات صحيحة في طريق الإصلاح الديني المنشود لحماية شبابنا من غواية الفكر المتطرف ولتحصينهم وتقوية مناعتهم تجاه أمراض الفكر العدواني.
ويقول د. عبد الحميد الأنصاري: "إن التكفير وقتل النفس وترويع الآمنين من أعظم الكبائر التي حرَّمها ديننا تحريماً جازماً، ومن يفجر نفسه فهو خالد في النار لا يشفع له أنه أراد الثأر لكرامة المسلمين والعزة والنصرة، هذه شعارات المفلسين، يهلكون أنفسهم ولا يضرون العدو شيئاً، لقد ضل سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً".
وفي مقال بعنوان (أما آن الأوان لإيقاف شيوخ فتاوى التكفير عند حدهم؟) للأستاذ شاكر حسن ونشرتها صحيفة "المدى" العراقية، رسم الكاتب لوحة الأسى والحزن والأسف الذي يعتري نفوس العراقيين من فتاوى التكفيريين ومدى الأذى الذي سببوه لهم على مدى سبع سنوات عجاف، وفي الوقت نفسه يندد الأستاذ شاكر حسن في مقاله بتقاعس المؤسسات الدولية والحكومية العربية والإسلامية والمدنية، وطبعاً، المؤسسات الدينية عن إيجاد حل لطغمة من يسمون أنفسهم بعلماء الدين والدين منهم براء، وعجزهم عن خلق الرادع لهم لوقف نزيف (دم المسلمين) وغير المسلمين الذي يراق ظلماً وعدواناً في العراق وأفغانستان وباكستان ومصر والجزائر والصومال من قبل تنظيمات القاعدة ومن لف لفها من تنظيمات إرهابية كـ(أنصار السنة)، و (جيش الراشدين) و (كتائب ثورة العشرين)، و (حماس العراق)، و(لََشكر طيبة - جيش الصالحين)، و (جيش محمد)، وغيرها، كما هو (الدم الحرام) الذي يراق ظلماً وعدواناً بين الحين والآخر في أميركا وبريطانيا واسبانيا والفلبين ونيجيريا بحجج واهية لا تقتنع بها إلا نفوس مريضة، وعقول مهووسة بالتسلط والقتل والاستبداد.
يقول الأستاذ شاكر حسن في مقاله:
يصدر بين فترة وأخرى من بعض ما يسمى بـ (شيوخ الوهابية) في السعودية فتاوى تكفر هذه الفئة أو تلك أو هذا المذهب أو ذاك، وتستبيح دماءهم وتحلل قتلهم. ولم يسلم من شرهم وفتاواهم الشريرة حتى بعض الكتاب والأدباء والمفكرين، لأنهم ببساطة اعتبروا كتاباتهم وآراءهم مخالفة لما يعتبرونه (هم) مبادئ أساسية موجودة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ولدى السلف الصالح.
وأضاف ساخراً: كل مخالف بنظرهم هو كافر فاجر يجب القضاء عليه لأنه خطر على الإسلام والمسلمين ومحاربته بكافة السبل بما فيها القتل. فأي اختلاف في الرأي بنظرهم هو بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة تؤدي الى النار. حتى (ميكي ماوس) المسكين لم يسلم من شرهم، حيث طالب أحد علمائهم، وهو (الشيخ السلفي) محمد صالح المنجد، الأطفال على عدم مشاهدة (ميكي ماوس) أو الإعجاب به لأن ذلك مفسدة ومضيعة للوقت، وحث على ملاحقة وقتل الفئران في الحل والحرم لأن الشيطان يسير هذه الفأرة وإنها من جنود إبليس.
وبما أنه توجد في السعودية مدن مقدسة عند المسلمين وهي مكة المكرمة والمدينة المنورة، فإن لهذه الفتاوى التكفيرية أهمية كبيرة لدى بعض المسلمين، وتجد لها آذاناً صاغية لديهم وخاصة لدى البسطاء والجهلة والمتعصبين، ما يؤدي الى سفك دماء بريئة بين فترة وأخرى يروح ضحيتها آلاف من البشر، كما يحدث بين فترة وأخرى في العراق وباكستان ولبنان وغيرها... لقد بلغ السيل الزبى من هؤلاء التكفيريين، لذلك يجب إيقاف هؤلاء (المعتوهين) عند حدهم، وتقديمهم للعدالة كـ (مجرمي حرب) لأنهم ببساطة أساس البلاء الذي حل في العالمين العربي والإسلامي وغير الإسلامي من قتل للناس على الهوية في الشوارع والأماكن العامة ودور العبادة، لا يسلم منهم لا مسلم ولا غير مسلم، لا شيعي ولا سني. يجب على المثقفين والكتاب والمفكرين والذين يجيدون لغات أخرى غير العربية، جمع فتاوى ومؤلفات وخطب هؤلاء التكفيريين وترجمتها الى اللغات العالمية وتوزيعها على جميع منظمات حقوق الإنسان والى قسم حقوق الإنسان في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والى جميع برلمانات الدول المتقدمة ليطلع العالم على أفكار هؤلاء التكفيريين. حسب علمي أصبحت كلمة الوهابية (Wahhabism) معروفة وممقوتة لدى كثير من شعوب العالم، وخاصة لدى المثقفين والسياسيين في الدول المتقدمة، لذلك يجب استغلال ذلك للتعريف أكثر بهذا الفكر التكفيري، والمطالبة بتقديم هؤلاء للمحاكم الدولية بتهمة الإبادة الجماعية ونشر الفرقة والكراهية بين البشر. ولدينا في العراق آلاف الاعترافات للمجرمين من أتباع القاعدة والتكفيريين الذين ارتكبوا المجازر الجماعية ضد المدنيين الأبرياء، وإن الغالبية العظمى، من الذين قاموا بهذه الأعمال الإجرامية، إن لم يكن جميعهم، متأثرون بهذه الفتاوى التكفيرية. وخير دليل على فعالية ونجاعة هذا الأسلوب هو ما قام به الكاتب والناشط العراقي البطل (علي السراي) لوحده والمقيم في ألمانيا قبل حوالي سنة، عندما قام بترجمة واطلاع البرلمان الألماني والحكومة الألمانية على فتاوى وآراء أحد شيوخ الوهابية الذي كان موجوداً في حينه في ألمانيا للعلاج, حيث صدرت مذكرة اعتقال بحقه, إلا أن السفارة السعودية تدخلت وقامت بتسفيره سريعاً بعد أن قطع علاجه. لقد ذهب عشرات الألوف من الضحايا العراقيين الأبرياء نتيجة لهذه الفتاوى التكفيرية من قبل هؤلاء المعتوهين، وخاصة في العمليات الانتحارية، واعتقد أنه آن الأوان لإيقافهم عند حدهم، فليست دماء العراقيين رخيصة الى هذا الحد لكي نقف مكتوفي الأيدي ونسكت وننتظر حدوث مجزرة جديدة أخرى لكي نكرر برقيات التعازي والاستنكار التي مللنا منا وملت منا ومن سكوتنا وصبرنا!
ومن على منبر الأمم المتحدة، وعلى ضوء مؤتمر الدورة 14 لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والذي انعقد من الفترة في 18/6/2010 في قصر الأمم في جنيف، وحضرته أكثر من 47 دولة، طالب السيد علي السراي (رئيس المنظمة الدولية لمكافحة الإرهاب والتطرف الديني) بـ(ضرورة تجريم علماء وشيوخ التكفير ووضعهم على لائحة الإرهاب ومنعهم من دخول دول الاتحاد الأوروبي)، وذلك من خلال مشروع اقتراح تقدم به إلى المسؤولين الدوليين في الأمم المتحدة حيث تم توزيع نسخاً منه إلى جميع الحضور وممثلي وسفراء بعض الدول المشاركة في المؤتمر وعلى مدى 5 أيام متواصلة موضحاً أنه قد آن الآوان لتوحيد الجهود في هذا الصدد وتشكيل جبهة عالمية لملاحقة هؤلاء التكفيريين ومن يدعمهم، وكل من يحرّض على الارهاب وسفك دماء الآخرين، وتقديمهم الى العدالة.
ختاماً... كتاب تشريح الفكر السلفي المتطرف – كما وصفه كاتبه - هو محاولة للتشريح، تشريح الفكر السلفي المتطرف. ولا تستقيم أية محاولة للتشريح إلا ببقر البطن ثم النظر إلى الداخل، حيث يختبئ القلب الذي ينبض والرئة التي تتنفس والمعدة التي تهضم والإمعاء التي تنقل. والتشريح بطبيعته يبرز ما كان يجب أن يكون خافياً محتجباً عن أعين الناس لأنه قد يثير مشاعر سلبية من نوع ما لديهم. ومن قال أصلاً أن أية عملية للتشريح هي عملية سارة جميلة(؟!) بل على العكس، هي عملية قد تثير اشمئزاز البعض، وقد تثير اعتراض البعض، وقد تثير غضب البعض وثورتهم، بل هي في الحقيقة لا يرتاح لها فاعلها نفسه وينفر منها بسبب خوضه في (الرفث والدم). ولكن في النهاية هي ضرورية، لأن الفهم الذي نجنيه من أية عملية للتشريح تعمق فهمنا للحياة من جهة، ولكنها من جهة أخرى، وهي الأهم، فإنها تحفظ الحياة بشكل أكثر صحة لأنها عمقت فهمنا لآليات المرض وكيفية تفاعله وانتشاره.