قراءة ورأي: كتاب الهويات القاتلة


عنوان الكتـــاب:  كتاب الهويات القاتلة

المؤلـــــــــــــف:  أمين معلوف

ترجمــــــــــــــة:   نهلة بيضون

الناشـــــــــــــر: دار الفارابي – بيروت / لبنان

عدد الصفحات: 231 (قطع متوسط)


 

موقع الإمــام الشيرازي

3/شهر رمضان/1431

 

 نبذة عن المؤلف:

ولد أمين معلوف في لبنان عام 1949، درس الاقتصاد والعلوم الاجتماعية بالجامعة اليسوعية في بيروت، وبعد تخرجه عمل كمحرر في الملحق الاقتصادي لجريدة “النهار” البيروتية بالإضافة إلى محرر للشؤون الدولية في الجريدة ذاتها، الأمر الذي أتاح له فرصة الاطلاع على التطورات السياسية الخارجية بشكل موسع وعميق. وعلى أثر الحرب الأهلية في لبنان، انتقل معلوف إلى فرنسا عام 1976، حيث عمل كمحرر في مجلة “إيكونوميا” الاقتصادية وغيرها من الصحف والمجلات، ليتفرغ بعدها في بداية الثمانينيات للكتابة. ترجمت أعمال أمين معلوف إلى عدد من اللغات كما وقد نال جائزة الصداقة الفرنسية العربية لعام 1986 عن روايته “ليون الإفريقي”، وجائزة “غونكور”لعام 1993 عن رائعته “صخرة طانيوس”، وجائزة المتوسط عن روايته “بدايات”، وجائزة فييون عن بحثه “الهويّات القاتلة”.

يقول مؤلف كتاب (الهويات القاتلة) في مقدمته:

منذ أن غادرت لبنان عام 1975 للاستقرار في فرنسا، فكم من مرةٍ سألني البعض عن طيب نيةٍ: إنْ كنتُ أشعر بنفسي "فرنسياً" أم "لبنانياً". وكنت أجيب سائلي على الدوام: "هذا وذاك!" لا حرصاً مني على التوازن والعدل بل لأنني سأكون كاذباً لو قلت غير ذلك. فما يحدِّد كياني، وليس كيان شخص آخر، هو أنني أقف على مفترقٍ بين بلدين، ولغتين أو ثلاث لغات، ومجموعة من التقاليد الثقافية. وهذا بالضبط ما يحدِّد هويتي. فهل أكون أكثر أصالةً لو استأصلت جزءاً من كياني؟ ويضيف: إلى الذين يطرحون عليَّ هذا السؤال، أشرح بصبر وأناة أنني أبصرت النور في لبنان، وعشت فيه حتى سن السابعة والعشرين، وأن العربية هي لغتي الأم، وأنني اكتشفت دوماس وديكنز ورحلات جليفر من خلال الترجمة العربية، وعرفت في قريتي الجبلية، وضيعة أجدادي، أول أفراح الطفولة، وسمعت فيها بعض القصص التي استلهمتها لاحقاً في رواياتي. فكيف أنساه؟ وكيف لي أن أنسلخ عنه؟ غير أنني، ومن جهة أخرى، أعيش منذ اثنين وعشرين عاماً على أرض فرنسا، وأشرب ماءها، وتداعب يداي حجارتها العتيقة، وأكتب رواياتي بلغتها، وهي لن تكون أبداً أرضاً غريبةً بالنسبة إلي. هل أنا نصف فرنسي، وبالتالي، نصف لبناني؟ لا أبداً! فالهوية لا تتجزأ، ولا تتوزَّع مناصفةً أو مثالثةً، ولا تصنَّف في خاناتٍ محدَّدة ومنفصلة عن بعضها البعض. وأنا لا أملك هويات متعدِّدة بل هوية واحدة مؤلَّفة من العناصر التي صنعَتها وفقاً "لجرعةٍ" خاصة لا تتطابق مطلقاً بين شخص وآخر. ويحدث في بعض الأحيان أن أنتهي من الشرح المستفيض والمطوَّل للأسباب المحدَّدة التي تدعوني إلى الدفاع عن كل انتماءاتي دفاعاً كاملاً، أن يقترب مني أحدهم ويهمس لي، مربِّتاً على كتفي: "أنت محقٌ في قولك هذا، ولكن كيف تشعر في قرارة نفسك؟". لطالما حملني هذا التساؤل الملحُّ على الابتسام. أما اليوم، فلم أعد أبتسم إذ أنه يكشف لي عن رؤية بشرية واسعة الانتشار لا تخلو من الخطورة في اعتقادي. فحين يسألني البعض عمَّا أكون "في قرارة نفسي"، يفترض هذا السؤال أنه يوجد في "قرارة" كل إنسان، إنتماء واحد ذو أهمية، هو "حقيقته الدفينة" نوعاً ما، و "جوهره" الذي يتحدَّد تحديداً نهائياً عند الولادة ولا يتغيَّر قط، كما لو أن الباقي، بمجمله ـ أي أن مساره كإنسان حر، وآراءه المكتسبة، وميوله، وحساسيته الخاصة، وأهواءه، وباختصار، حياته بأكملها ـ يصبح عديم القيمة. وحين يُشجَّع معاصرونا على "تأكيد هويتهم"، وهذا ما يحدث حالياً في أغلب الأحيان، فالغاية من ذلك أنه يتوجَّب عليهم أن يجدوا في قرارة أنفسهم ذلك الانتماء الجوهري المزعوم الذي غالباً ما يكون دينياً أو قومياً أو عرقياً أو إتنياً، والمفاخرة به أمام الآخرين.

ويضيف:

إنَّ كلَّ من يجاهر بهويةٍ أكثر تعقيداً يجد نفسه مهمَّشاً؛ فالشاب الذي ولد في فرنسا لأبوين جزائريين يحمل في داخله انتماءين بدهيين ويفترض به أن يكون قادراً على الاضطلاع بهما على حدٍّ سواء. وقد قلتُ إنهما انتماءان بغرض التوضيح، ولكن مكوِّنات شخصيته أكثر تعدداً، سواءً تعلَّق الأمر باللغة والمعتقدات وأسلوب العيش والروابط الأسرية والأذواق الفنية أو أنواع المأكل لأن التأثيرات الفرنسية والأوروبية والغربية تمتزج في كيانه بالتأثيرات العربية والبربرية والأفريقية والإسلامية... إنها تجربة غنية ومثمرة لو شعر هذا الشاب بحرية عيشها إلى أقصى حدودها، وبالتشجيع على الاضطلاع بكل تنوُّعها. وعلى نقيض ذلك، قد يكون مساره صدمةً قاسية لو اعتبره البعض خائناً بل ومرتداً كلَّما أكَّد هويته الفرنسية، ولوجد نفسه ضحية التحجُّر والريبة أو العداء كلَّما جاهر بأصوله الجزائرية. ويتعقد الوضع كذلك في الضفة الأخرى من نهر الراين. وفي هذا الصدد، يخطر ببالي وضع التركي الذي ولد منذ ثلاثين عاماً قرب فرانكفورت، وعاش طيلة حياته في ألمانيا التي يجيد التكلم بلغتها وكتابتها أفضل من لغة أبويه. إنه لا يعدُّ ألمانياً بالنسبة إلى المجتمع الذي تبنَّاه؛ ولا يعتبر تركياً حقاً بالنسبة إلى مجتمعه الأصلي. ويفترض المنطق السليم أن يستطيع هذا الشخص المجاهرة بانتمائه المزدوج، ولكن لا شيء في القوانين ولا في الذهنيات يسمح له اليوم بأن يعيش بانسجام هويته المركَّبة. لقد ذكرت الأمثلة الأولى التي خطرت ببالي، وكان بإمكاني أن أذكر الكثير غيرها، كشخص مولود في بلغراد لأم صربية وأب كرواتي، أو امرأة هوتو متزوجة من رجل تونسي، أو العكس، أو رجل أمريكي لأب أسود وأم يهودية... وسوف يرى البعض أن هذه الحالات شديدة الخصوصية. ولكنني، والحق يقال، لا أوافقهم الرأي، فالأشخاص الذين ذكرتهم لتوي لا يملكون وحدهم هوية معقدة. ففي داخل كل إنسان، تلتقي انتماءات متعددة تتصارع في ما بينها، وترغمه على القيام بخيارات مؤلمة.

يتضمن كتاب (هويات قاتلة) أربعة أبواب متراتبة: “هويتي وانتماءاتي”، “عندما تأتي الحداثة من الآخر”، “زمن القبائل الكوكبية”، “ترويض الفهد” وينتهي البحث بـ “خاتمة”.

يؤكد الكاتب في فصل (هويتي وانتماءاتي) أن الهوية لا تُعطى مرة واحدة وإلى الأبد إلى الفرد، بل تتشكل من عدة انتماءات تتبدل ويختلف تراتب عناصرها طوال حياته وتالياً (الهوية) قابلة للتغير والتَّبدّل حسب تأثير الآخرين بشكل أساسي على عناصرها. وأن الفرد يميل بطبعه فيما يخص تعريف هويته وتحديد انتمائه بأكثر عناصر هويته عرضة للخطر – خطر الإهانة أو السخرية أو التهميش أوالقمع… إلخ -. ويرتكز الكاتب في هذا الفصل على خطر “تأكيد الهوية” وكيف من الممكن أن تتحول إلى “أداة حرب”، وتأكيد الهوية هو اجتماع واتحاد وتعاضد فئة تتشاطر في تراتب الانتماء أو على الأقل في الانتماء الأكثر عرضة للخطر، فيشكلون مواجهة للطرف الآخر ويَرَون تأكيد هويتهم عملاً ضرورياً شجاعاً ومُحَرِّراً. وعليه لا يجد الكاتب بأن تسمية “الهويات القاتلة” تسمية مبالغ فيها، إذ يقول: “أتحدث في بداية هذا الكتاب عن هويات قاتلة. ولا يبدو لي أن هذه التسمية مبالغ فيها، ذلك لأن المفهوم الذي أفضحه، والذي يختزل الهوية إلى انتماء واحد، يضع الرجال في موقف متحيز ومذهبي ومتعصب ومتسلط، وأحياناً انتحاري، ويحولهم في أغلب الأحيان إلى قتلة أو إلى أنصار للقتلة. إن رؤيتهم للعالم مواربة ومشوهة. فالذين ينتمون إلى جماعتنا ذاتها هم أهلنا الذين نتضامن مع مصيرهم، ولكننا لا نسمح لأنفسنا في الوقت ذاته بأن نكون طغاة تجاههم، وإذا بدوا لنا فاترين نتنكر لهم ونرهبهم ونعاقبهم بوصفهم خونة ومارقين. أما بالنسبة للآخرين، الموجودين على الضفة الأخرى، فلا نسعى أبدا لأن نضع أنفسنا مكانهم، نمتنع عن التساؤل عما إذا كانوا غير مخطئين تماماً حول هذه المسألة أو تلك، ولا نسمح لأنفسنا أن تهدأ بشكاواهم وآلامهم والمظالم التي كانوا ضحيتها. ما يهم هو وجهة نظر جماعتنا فقط، التي غالبا ما تكون وجهة نظر أكثر الناس تشدداً في الجماعة وأكثرهم ديماغوجية وسخطاً".

يرى أمين معلوف في فصل (عندما تأتي الحداثة من الآخر) أن الدراسات والآراء التي تتحدث عن مدى تأثير الأديان والعقائد على الأفراد والشعوب، ما هي إلا دراسات تقود إلى نظرة أحادية للواقع، مما تؤدي إلى تشويهه وتالياً ضبابية النتائج التي قد تتأتى عن تلك الدراسات، وعليه يتناول في الباب الثاني “عندما تأتي الحداثة من الآخر” من كتابه، مدى تأثير الشعوب والتاريخ على الأديان والعقائد، إذ يرى معلوف أن جميع الأديان والعقائد قادرة على استيعاب متطلبات عصرها والتّطور، ويُورِد معلوف العديد من الأمثلة التاريخية على هذا التأثير، إذ يرى أن كل عقيدة أو ديانة في كل عصر تحمل بصمات عصرها وزمانها ومكانها، وإن تقييم التصرفات الناجمة عنها يتم وفقاً لقرنها ومدى قدرة المجتمع على تطوير الديانة.

“عندما تحمل الحداثة علامة “الآخر” لا يكون مفاجئاً أن نرى بعض الأشخاص يرفعون شعارات السلفية من أجل تأكيد اختلافهم، وهذا ما نشاهده اليوم عند بعض المسلمين من الرجال والنساء، لكن هذه الظاهرة ليست وقفاً على ثقافة أو ديانة.”

ويتساءل معلوف في بداية فصل (زمن القبائل الكوكبية) عن الأسباب التي أدت بالمجتمعات على اختلاف أصولها في شتى أنحاء العالم على تنامي الانتماء الديني لديهم وتأكيده بطرق مختلفة في هذه المرحلة، في حين تراجع هذا الانتماء فيما سبق، ويُرجع ذلك إلى أسباب عدة منها: تراجع العالم الشيوعي ثم انهياره، الأزمة التي تصيب النموذج العربي، والمأزق التي آل إليها حال مجتمعات العالم الثالث. كما يُؤكِّد على تنامي وتطور مختلف مجالات الاتصالات و”ما اتفق على تسميته بالعولمة”، إذ أن المعارف تتقدم بصورة سريعة جداً يواكب هذا التقدم انتشار لهذه المعارف مما يجعل المجتمعات الإنسانية أقل تمايزاً، مما يدفع بالبعض أن يدافع عن عناصر هويته الأهم برأيه مثل اللغة والدين، كرد فعل ليؤكد على اختلافه ويدافع عن هذا الاختلاف. ومن هنا يعلِّل معلوف تسمية “زمن القبائل الكوكبية”، إذا يرى أن جمعات المؤمنين في مضمون هويتها أشبه (بالقبائل)، وفي سرعة انتشار أفكارها (بالكوكبية).

يقول الأستاذ معلوف في صفحات كتابه (هويات قاتلة):

لقد علمتني حياة الكتابة أن أرتاب من الكلمات، فأكثرها شفافيةً غالباً ما يكون أكثرها خيانةً. وإحدى هذه الكلمات المضلِّلة هي كلمة "هوية" تحديداً. فنحن جميعاً نعتقد بأننا ندرك دلالتها، ونستمر في الوثوق بها وإنْ راحت تعني نقيضها بصورة خبيثة. ولا أنوي مطلقاً إعادة تحديد مفهوم الهوية مراراً وتكراراً، والتصدي مجدداً لهذا التحديد في أيامنا الراهنة يحتاج إلى الكفاية أكثر مما أملك، وإلى المزيد من الشجاعة والإقدام. أما المهمة التي أخذتها على عاتقي، فهي أكثر تواضعاً بكثير، وتقوم على محاولة فهم الأسباب التي تدعو الكثيرين اليوم إلى القتل باسم هويتهم الدينية والإتنية والقومية أو غيرها. هل كان هذا الوضع قائماً منذ فجر التاريخ، أم أن ثمة حقائق خاصة بعصرنا الراهن؟ سوف يبدو كلامي مغالياً في التبسيط أحياناً، ذلك لأنني أريد أن أمضي في تحليلي بأكثر الأساليب هدوءاً ورويةً وإخلاصاً دون اللجوء على مصطلحات معقَّدة أو اختزالات واهية. نجد على ما اصطلح الناس على تسميته "بطاقة هوية" الشهرة، والإسم، وتاريخ الولادة ومكانها، والصورة الشمسية، مع ذكر بعض العلامات الفارقة وتوقيع حاملها، وفي بعض الأحيان، بصمات أصابعه ـ أي مجموعة متكاملة من الدلائل التي تشير دون أيما لبس إلى أن حامل هذه الوثيقة هو فلان، وأنه لا يوجد، من بين بلايين البشر الآخرين، شخص واحد مطابق له، ولو كان شبيهه أو شقيقه التوأم. إن هويتي هي التي تعني أنني لا أشبه أي شخص آخر. واستناداً إلى هذا التحديد، يبدو مفهوم الهوية دقيقاً نسبياً ولا يفترض به أن يؤدي إلى الالتباس. فهل ثمة حاجة فعلاً للخوض في استدلالات مطوَّلة من أجل الاثبات أنه لا يوجد ولا يمكن أن يوجد كائنان بشريان متطابقان؟ وحتى لو توصَّل العلماء في المستقبل إلى "استنساخ" البشر، كما يخشى البعض، فهذه النسخ البشرية لن تكون متطابقة تماماً إلا ساعة "ولادتها"، لأنها ستختلف وتتباين حالما تخطو خطواتها الأولى في معترك الحياة. وتتألف هوية كل إنسان من جملة عناصر لا تقتصر بدهياً فحسب على تلك الواردة في السجلات الرسمية، ومن بينها، بالنسبة إلى السواد الأعظم من الناس، الانتماء مذهب ديني، وجنسية وأحياناً جنسيتين، ومجموعة إتنية ولغوية، وأسرة قد تكبر أو تصغر، ومهنة، ومؤسسة، ومحيط اجتماعي معين.. غير أن القائمة تطول ولا تنتهي من الناحية الافتراضية: فقد يشعر المرء بانتماء قوي، بهذا المقدار أو ذاك، إلى إقليم أو قرية أو حي أو عشيرة أو فريق رياضي أو جماعة مهنية، إلى شلة أصدقاء، أو نقابة أو شركة أو حزب أو جمعية أو كنيسة رعوية أو مجموعة من الأشخاص يتقاسمون الهوايات نفسها أو الميول الجنسية عينها أو المعوقات الجسدية ذاتها أو يتعرَّضون للمضايقات نفسها. ولا تكتسب كل هذه الانتماءات بدهياً الأهمية عينها، ولا في اللحظة نفسها مطلق الأحوال. غير أن لا انتماء منها يفتقر تماماً إلى الأهمية. إنها العناصر المؤسسة للشخصية، أو "جينات الروح"، إذا ما صح التعبير، شرط التحديد بأن معظمها ليس فطرياً. ولئن توافر كل من هذه العناصر لدى عدد كبير من الأفراد، فالتشكيلة عينها لا يمكن أن تتوافر لدى شخصين مختلفين، وهذا بالضبط ما يكوِّن غنى كل فرد وقيمته الخاصة وهذا ما يعني أن كل كائن فريد وغير قابل بالقوة للاستبدال.

ويسلط الأستاذ معلوف مستنداً الى وقائع تحرك الانتماءات أو دوافع الانتماءات بحسب طبيعة الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعاشة:

يصدف أن يكتسب حدث، مفرح أو مؤلم، أو حتى لقاء عابر، أهمية في إدراكنا لهويتنا أكثر من الانتماء إلى إرث عريق يعود لآلاف السنين. فلنتخيل مثلاً صربياً ومسلمة التقيا، منذ عشرين سنة، في مقهى بمدينة ساراييفو، فتحابَّا ثم تزوجا. لن يتمكن الاثنان فقط من إدراك هويتهما كما يفعل زوجان صربيان أو مسلمان، فموقفهما من الإيمان ومن الوطن على حد سواء لن يبقى على حاله. وسوف يحمل كل منهما في أعماقه على الدوام الانتماءات التي ورثها عن أهله عند الولادة، ولكنه لن ينظر إليها بالطريقة نفسها، ولن يوليها الأهمية عينها. فلنبق في ساراييفو، ولو من الناحية النظرية، للقيام بتحقيق وهمي، ولنراقب في الشارع رجلاً في الخمسين من العمر. في أوائل عام 1980، لو طلب من هذا الرجل تحديد هويته، لأجاب فخوراً ودون تحفظ: "أنا يوغسلافي"، ولو تحدَّد السؤال، لأوضح بأنه يعيش في جمهورية البوسنة والهرسك الفدرالية وأنه ينتمي عرضا إلى عائلة مسلمة. ولو التقينا الرجل نفسه، بعد اثني عشر عاماً، حين كان الحرب على أشدها، لأجاب عفوياً وبعزم لا يلين: "أنا مسلم"!، ولعله قد أرسل لحيته تطبيقاً لتعاليم الشريعة، ولأضاف على الفور أنه بوسني، ولما استساغ مطلقاً أن يذكره سائله باعتزازه السابق بجنسيته اليوغسلافية.

أما اليوم، لو سئل هذا الرجل في الشارع عن هويته، فلا بد أنه سيجيب بأنه بوسني أولاً ثم مسلم، ويوضح أنه كان ذاهباً إلى الجامع، ولكنه سوف يؤكد أنه بلاده تنتمي إلى أوروبا، وأنه يأمل انضمامها يوماً ما إلى الاتحاد الأوروبي .

ولو صادفنا هذا الرجل في المكان نفسه بعد عشرين عاماً، فكيف سيحدد هويته يا ترى؟ وأياً من هذه الانتماءات سيذكر في المقام الأول؟ كونه أوروبياً؟ مسلماً؟ بوسنياً؟ أو شيئاً آخر؟ بلقانياً، ربما؟ لن أجازف بإطلاق التكهنات فكل هذه العناصر تشكل بالفعل جزءاً من هويته. ولقد ولد هذا الرجل في كنف عائلة مسلمة، وهو ينتمي بحكم اللغة التي ينطق بها إلى الشعوب السلافية الجنوبية التي انضوت في الماضي تحت لواء دولة واحدة، ولم تعد كذلك اليوم، وهو يعيش على أرض كانت عثمانية تارةً، ونمساوية طوراً، وقد نالت نصيبها من المآسي الكبرى التي شهدها التاريخ الأوروبي. وفي كل حقبة، تضخم هذا الانتماء لديه أو ذاك، إذا ما صح التعبير، بحيث حجب كل انتماءاته الأخرى واستوعب هويته بكاملها. ولقد سمع هذا الرجل، خلال حياته، شتى الخرافات، فقيل له إنه بوليتاري فقط لا غير، وأنه يوغسلافي فحسب، وفي الآونة الأخيرة، أنه مسلم وكفى بل ربما حمله البعض على الاعتقاد، أثناء الأشهر العصيبة، أنه يملك قواسم مشتركة مع سكان كابول أكثر من سكان ترييستا!

ويضيف: لقد عرفت كل العصور أشخاصاً اعتبروا أن هنالك انتماءاً أساسياً يسمو على كافة الإنتماءات الأخرى مهما كانت الظروف، يمكننا أن ندعوه بصورة مشروعة "هوية"، وهو الأمة بالنسبة إلى البعض، والدين أو الطبقة بالنسبة إلى البعض الآخر. ولكن يكفي أن نستعرض النزاعات المختلفة الدائرة في أرجاء العالم لنتحقق من أن لا انتماء يسمو بالمطلق. فحيث يشعر الناس بأن إيمانهم مهدد، يختصر الانتماء الديني هويتهم بكاملها. أما إذا كان الخطر يحدق بلغتهم الأم، أو مجموعتهم الإتنية، فهم يقاتلون بضراوة إخوانهم في الدين. إن الأتراك والأكراد مسلمون على حد سواء ولكنهم لا يتكلمون اللغة نفسها، فهل يكون نزاعهم أقل دموية؟ والهوتو والتوتسي كاثوليكيون ويتحدثون اللغة نفسها، ولكن هل شكل ذلك رادعاً لهم لعدم التناحر والاقتتال؟ والتشيكيون والسلوفاكيون كاثوليكيون بدورهم، فهل أسهم ذلك في تعزيز عيشهم المشترك؟ أسوق كل هذه الأمثلة لأشدِّد على أن الهوية ليست ثابتة بل هي تتحوَّل مع الوقت وتحدث في السلوك البشري تغييرات عميقة، وإنْ وجدت، في كل الأوقات، تراتبية معينة بين العناصر المكوِّنة لهوية كل إنسان. أضف إلى ذلك أن الانتماءات التي تكتسب أهمية في حياة كل إنسان ليست دائماً تلك الانتماءات المهمة المعروفة التي تتعلق باللغة ولون البشرة والجنسية والطبقة الاجتماعية أو الدين. وغالباً ما تتطابق الهوية التي ينادي بها الإنسان ـ سلبياً ـ مع هوية العدو. فالإيرلندي الكاثوليكي يتمايز عن الانكليزي بالدين أولاً، ولكنه سوف يجاهر بانتمائه الجمهوري ضد الملكية. وإذا كان لا يلم باللغة الإيرلندية كفاية، فهو سيتكلم بلكنته الخاصة على الأقل؛ والزعيم الكاثوليكي الذي يتكلم الانكليزية بلهجة أوكسفورد قد يعتبر مرتداً. وبوسعنا أن نذكر عشرات الأمثلة في هذا السياق لتوضيح مدى التعقيد ـ المضحك أحياناً، والمأساوي في أغلب الأحيان ـ الذي تتسم به آليات الهوية. وسوف أذكر بعضاً منها في الصفحات التالية باقتضاب، والبعض الآخر بإسهاب، لاسيما تلك المتعلقة بالمنطقة التي أنتمي إليها أي الشرق الأدنى، وحوض المتوسط، والعالم العربي، ولبنان أولاً، وهو بلد يعيش فيه المرء على الدوام تساؤلات حول انتماءاته وأصوله وعلاقاته مع الآخرين وموقعه تحت الشمس أو في الظل.

وفي تكون الهوية يقول معلوف:

لا تتحدَّد الهوية نهائياً بل تتكوَّن وتتحوَّل طيلة حياة الإنسان، ونصادف هذا الرأي في العديد من الكتب، مفصلاً بإسهاب، ولكن لا ضير من التذكير به: إن عناصر هويتنا الموجودة أصلاً فينا عند ولادتنا ليست كثيرة ـ بعض الصفات الخارجية، والجنس، واللون... وحتى هذه العناصر ليست كلها فطرية. فبالرغم من أن البيئة الاجتماعية ليست هي التي تحدد الجنس بالطبع، فهي تحدد معنى هذا الانتماء؛ فولادة أنثى في كابول أو في أوسلو لا يكتسب الدلالة نفسها، لأن المرأة لا تعيش أنوثتها، ولا أي عنصر من عناصر هويتها، بالطريقة عينها في هذه الحالة أو تلك... وتصح هذه الملاحظة في ما يتعلق باللون، فأن يولد الإنسان أسود البشرة في مدينة نيويورك أو لاغوس أو بريتوريا أو لاوندا لا يكتسب الدلالة نفسها، بل أكاد أقول إن اللون ليس هو نفسه على صعيد الهوية. ولقياس ما هو فطري حقاً بين عناصر الهوية، ثمة لعبة ذهنية معبِّرة للغاية، وهي تقوم على تصور طفل رضيع فصل عن محيطه منذ ولادته، ونقل إلى بيئة مختلفة عن بيئته الأصلية، ثم مقارنة "الهويات" المتنوعة التي قد يكتسبها، والمعارك التي يتوجب عليه خوضها، وتلك التي سيبقى بمنأى عنها... هل من حاجة للتحديد بأنه لن يتذكر قط "دينه" الأصلي، ولا "أمته"، ولا "لغته"، وأنه قد يقاتل بعزم وضراوة أولئك الذين كان من المفترض أن يكونوا أهله؟ إن صحة ما نقول تستند إلى أن ما يحدد انتماء شخص إلى إحدى الجماعات هو تأثير الغير بصورة أساسية، أي تأثير الأقربين ـ الأهل، المواطنين والإخوة في الدين ـ الذين يحاولون استملاكه، وتأثير الآخرين الذين يسعون لاستبعاده. ويجب على كل واحد منا أن يشق طريقه بين الدروب التي يُدفع إليها، والدروب التي يُحظَّر عليه سلوكها، أو التي توضع له فيها العراقيل، عند كل خطوة يخطوها، وهو لا يكون نفسه دفعة واحدة، ولا يكتفي بأن "يعي" ماهيته بل يصبح ما هو عليه، ولا يكتفي بأن "يدرك" هويته بل يكتسبها خطوة خطوة.

وفي إطار صراع الهويات وتحفيز الانتماء لها يقول الأستاذ معلوف:

غالباً ما ينزع المرء إلى التماهي مع أكثر انتماءاته تعرضاً للتجريح. وحين لا يقوى على الدفاع عن نفسه أحياناً، يخفي هذا الانتماء الذي يبقى متوارياً في أعماقه، قابعاً في الظل، ينتظر ساعة الانتقام. وسواءً اضطلع المرء بهذا الانتماء أم قام بإخفائه، سواءً تحفظ عن إعلانه أم جاهر به على الملأ، فهو يتماهى معه، وعندها، يسيطر هذا الانتماء المستهدف ـ اللون، الدين، اللغة، الطبقة الاجتماعية.. ـ على الهوية بكاملها، ويولِّد تضامناً لدى الأشخاص الذين يتقاسمونه، فيجتمعون ويتحركون ويشجع بعضهم البعض، ويهاجمون "الفريق الآخر". ويصبح "تأكيد الهوية" بالضرورة فعلاً شجاعاً وعملاً تحريرياً... ومن الطبيعي أن يبرز في كل جماعة مضطهدة محرِّضون يتميزون بشراستهم أو انتهازيتهم، فيروِّجون خطاباً ديماغوجياً يبلسم الجراح، ويعتبرون أنه لا يجب استجداء احترام الآخرين لأن هذا الاترام حق مكتسب، بل يجب فرض هذا الاحترام على الغير، ويعدون بالنصر أو بالانتقام، يلهبون المشاعر، ويلجأون أحياناً إلى الوسائل المتطرفة التي قد يحلم بها سراً بعض إخوانهم المضطهدين. وهكذا يكتمل الإطار ويمكن للحرب أن تندلع. ومهما حصل، يكون "الآخرون" قد استحقوا عقابهم، و"نحن" لا ننسى "كل ما جعلونا نقاسيه" منذ فجر التاريخ، كل الجرائم، كل الانتهاكات، كل الإهانات، كل المخاوف، كل الأسماء والتواريخ والأرقام.

وعن مشهد الدماء وأشلاء المدنيين الذي يتكرر يومياً في أكثر من بلد لاسيما وأنه – كما يبدو – أن وراء تلك الأعمال الإرهابية انتماءات متطرفة يقول معلوف:

بعد كل مجزرة إتنية جديدة، نتسائل منطقياً عن الدوافع التي تحمل البشر على اقتراف مثل هذه الجرائم الشنيعة. وتبدو لنا بعض أنماط السلوك الجامحة معضلة لا حل لها، فنتحدث عن جنون قاتل، وجنون دموي وسلفي ومتوارث؛ فثمة جنون بمعنى أو بآخر، ثمة جنون حين يتحول إنسان عاقل وسليم الذهن إلى مجرم بين عشية وضحاها. ولكن عندما يتعلق الأمر بآلاف لا بل ملايين القتلة، وتتكرَّر الظاهرة من بلد إلى آخر، في ثقافات مختلفة، لدى المؤمنين وغير المؤمنين على حد سواء، فكلمة "جنون" لا تكفي. فما يصطلح على تسميته "جنوناً قاتلاً" هو تلك النزعة الكامنة لدى بني جنسنا للتحول إلى مجرمين حين يشعرون أن "عشيرتهم" مهدَّدة، ذلك أن الشعور بالخوف أو بانعدام الأمان لا يرضخ دوماً لاعتبارات عقلانية بل قد يكون مغالياً أو نابعاً من عقدة الارتياب، ولكن، واعتباراً من اللحظة التي يشعر فيها شعب بالخوف، يجب أن تؤخذ في الحسبان حقيقة الخوف أكثر من حقيقة الخطر المحدق. لا أعتقد أن هذا الانتماء الإتني أو الديني أو القومي أو ذاك يحمل نزعة إجرامية كامنة أصلاً. ويكفي أن نستعرض أحداث السنوات الأخيرة لنرى أن كل جماعة بشرية، إذ تشعر ولو قليلاً بالمهانة أو بوجودها مهدداً، تنزع لإنتاج القتلة الذين سوف يقترفون أبشع الجرائم، وهم مقتنعون أنهم محقون ويستحقون البركة الإلهية وإعجاب إخوانهم. لن أجازف بتقديم تفسير شمولي لكل المذابح، ولا حتى باقتراح حل عجائبي، فأنا لم أعد أؤمن لا بالحلول ولا بالهويات التبسيطية. فالعالم آلة معقدة لا يمكن تفكيكها بسهولة، ولكن هذه الحقيقة لا يجب أن تمنعنا من المراقبة ومحاولة الفهم والافتراض والمناقشة واقتراح هذا المنحى التحليلي أو ذاك في بعض الأحيان. أما المنحى التحليلي الذي يستشف في هذا الكتاب فيمكن صوغه كما يلي: إذا كان البشر في كل البلدان، ومن كل الطبقات وكافة المعتقدات يتحولون بسهولة فائقة إلى قتلة، وإذا كان المتطرفون من كل المذاهب ينجحون بسهولة في بالغة في فرض أنفسهم كمدافعين عن الهوية، فذلك لأن المفهوم "القبلي" للهوية الذي لا يزال سائداً في العالم أجمع يشجع هذا التدهور، وهو مفهوم متوارث عن النزاعات الماضية قد يرفضه الكثيرون منا لو نظروا إليه عن كثب، ولكننا لا نزال نعتنقه بحكم العادة، أو بسببب افتقارنا إلى الخيال، أو إذعاناً منا للأمر الواقع، مسهمين بذلك، عن غير قصد، في المآسي التي سوف تحرك في أعماقنا غداة وقوعها مشاعر صادقة من الأسى والتأثر. وعلاوة على ذلك، وهنا يكمن أهم جانب تجدر الإشارة إليه اليوم. فاللغة الإنتمائية واللغة العالمية لا تكفيان في عصرنا الراهن، ويجب على كل الناس الذين يملكون الوسائل والسن المناسبة والقدرات، الذهاب أبعد من ذلك. فإن يتمكن فرنسي وكوري، حين يلتقيان، من التحدث والنقاش وعقد الصفقات بالإنكليزية، فهذا يشكل تقدماً دون شك بالنسبة إلى الماضي، ولكن ألا يتمكن فرنسي وإيطالي من التواصل إلا بالانكليزية، فلا جدال بأن هذا الوضع يمثل تقهقراً وإفقاراً لعلاقتهما. وأن يتمكن العديد من القراء في مكتبة بمدينة مدريد من تذوق فوكنر أو شتاينبك بلغتهما الأصلية، فهذا أمر عظيم؛ ولكن من المؤسف أن يأتي يوم لا يتمكن فيه أحد من قراءة فلوبير أو موسيل أو بوشكين أو ستريندبرغ بلغتهم الأصلية. وانطلاقاً من هذه الملاحظات، أحاول التوصل إلى خلاصة تبدو لي جوهرية: إن الاكتفاء، في مجال اللغات، بالحد الأدنى الضروري، يتنافى مع روح عصرنا ولو أوحت المظاهر بعكس ذلك. فبين اللغة الانتمائية واللغة العالمية، يوجد فضاء رحب، فضاء شاسع يجب أن نعرف كيف نملؤه...

كدت أن أضع لهذه الدراسة عنواناً مزدوجاً: الهويات القاتلة أو ما السبيل لترويض الفهد. لماذا الفهد؟ لأنه يقتل إذا ما تعرض للاضطهاد، ويقتل إذا ما سنحت له الفرصة، والأسوأ هو إطلاق سراحه بعد إصابته، ولأنه قابل للترويض تحديداً. وهذا ما كنت أريد قوله قليلاً في هذا الكتاب عن الرغبة الانتمائية، أنه لا يجب التعامل مع هذه الرغبة لا بالاضطهاد ولا بالتساهل بل مراقبتها، ودراستها بهدوء، وتفهمها، ثم ترويضها وتدجينها لو شئنا ألا يتحول العالم إلى غابة، وألا يشبه الغد أبشع صور الماضي، وألا يضطر أبناؤنا، بعد خمسين أو مائة عام، أن يشهدوا المجازر والترحيل وغيرها من أشكال "التطهير"، أن يشهدوها مثلنا عاجزين بل ويقعون أحياناً ضحاياها. وقد فرضت على نفسي، كلما دعت الحاجة أن أذكر الوسائل التي قد تهدئ من روع "الفهد"، لا لأنني أملك حقائق تخولني القيام بذلك، بل لأنني، ومنذ أن شرعت بهذه الدراسة: لم أعتبره تصرفاً مسؤولاً أن أكتفي وأعدِّد الشروط الضرورية بل أن أشير كذلك على مر الصفحات، إلى بعض الطرق الذي يبدو لي واعداً، وبعضها الآخر الذي يتراءى لي مسدوداً. غير أن هذا الكتاب، بالرغم من ذلك، ليس دليلاً للعلاجات الشفائية. فعندما يتعلق الأمر بحقائق بالغة التعقيد والاختلاف، لا يمكن نقل أي صيغة كما هي من بلد إلى آخر. وقد استعملت كلمة "صيغة" عن قصد لأنها في لبنان تتكرر دائماً في الأحاديث للدلالة على التسوية التي تتوزع بموجبها السلطة بين الطوائف الدينية الكثيرة. وأنا أسمعها حولي منذ حداثتي، بالإنكليزية والفرنسية، ولاسيما بالعربية، وهي كلمة تذكر بصياغة الحلي. وتستحق "الصيغة اللبنانية" في ما تحمله من خصوصية، دراسة مطوَّلة، ولن أذكرها في هذا المقام إلا من أجل طابعها على الأقل خصوصيةً والأكثر نموذجيةً وقدوةً، ليس بصفتها لائحة تضم حوالي عشرين جماعة لا تزال تسمى "طوائف"، بمساراتها الخاصة ومخاوفها الأزلية وصراعاتها الدموية ومصالحاتها المدهشة، بل فقط من حيث فكرتها التأسيسية ومفادها أن احترام التوازنات يجب أن يتأمن بنظام محاصصة دقيق.

ويتساءل الأستاذ معلوف: عندما يشعر سكان إحدى الدول أنهم ينتمون إلى جماعات مختلفة ـ دينية ولغوية وإتنية وعرقية وقبلية وغيرها ـ، كيف يجب إدارة هذا الواقع؟ هل تؤخذ هذه الانتماءات في الحسبان؟ وإلى أي حد؟ هل يجب أن نتجاهلها بالأحرى ونتصرف كما لو أننا لا نراها؟ تتعدَّد الإجابات، وتمثل تلك التي وضعها مؤسسو لبنان الحديث بكل تأكيد الخيار الأقصى الذي يستحق الاحترام لاعترافه الشكلي بالجماعات المتعددة، ولكنه يحمل منطق الاعتراف إلى درجة التطرف. وكان بالإمكان أن يشكل هذا الخيار نموذجاً وقدوةً ولكنه أصبح مثالاً لا يحتذى، وذلك إلى حد كبير بسبب الحقائق المعقدة في الشرق الأدنى، وكذلك جزئياً بسبب ثغرات هذه الصيغة نفسها وجمودها ومحاذيرها وتنافرها. ولا يجب بالضرورة تحقير هذه التجربة برمتها. فقد قلت في بادئ الأمر إنها "تستحق الاحترام" لأنه سلوك يستحق الاحترام ذلك الذي أعطى موقعاً لكل طائفة بدلاً من تسليم السلطة كلها لطائفة واحدة، والحكم على الطوائف الأخرى بالخضوع أو الاندثار؛ وهو ويستحق الاحترام لأنه وضع نظاماً قائماً على توازنات دقيقة ساعد على ازدهار الحريات والفنون في منطقة تهيمن عليها الأنظمة ذات الديانة الواحدة والأيديولوجيا الواحدة والحزب الواحد أو اللغة الواحدة، ولا يملك فيها الذين لم يحالفهم الحظ في أن يولدوا في الجانب الصحيح من الحدود الفاصلة بين الجماعات خياراً آخر سوى الإذعان أو النفي أو الموت. ولكل هذه الأسباب، أقول وأكرر أن التجربة اللبنانية، بالرغم من إخفاقاتها، تبقى في نظري أشرف من تجارب أخرى في الشرق الأدنى وغيره، تلك التي لم تسفر عن اندلاع حرب أهلية، أو ليس بعد، ولكنها أرست استقرارها النسبي على القمع والطغيان و"التطهير" والتمييز الفعلي. غير أن الصيغة اللبنانية التي انطلقت من فكرة جديرة بالاحترام انحرفت وشابها الفساد. وكان فشلها نموذجياً من حيث أنه أظهر جلياً حدود نظام المحاصصة وكل رؤية "طائفية". لقد كان الهم الأول "لمخترعي" الصيغة اللبنانية تفادي المواجهة خلال الانتخابات بين مرشح مسيحي ومرشح مسلم، وذلك للحؤول دون التفاف كل طائفة تلقائياً حول "ابنها"؛ وكان الحل الذي جارى اعتماده يقوم على التوزيع المسبق للمناصب المختلفة بحيث لا تحصل المواجهة قط بين طائفتين، بل بين مرشحين ينتميان إلى الطائفة عينها. وكانت هذه الفكرة ذكية ومنطقية من الناحية النظرية. ولكن، عندما جرت محاولة تطبيقها على كل مستويات الحكم، من رئاسة الجمهورية إلى المجلس النيابي والوظائف الحكومية، أصبح كل منصب "ملكاً" لطائفة واحدة في الواقع! عندما كنت شاباً، غالباً ما نددت بهذا النظام العجيب الذي لا يختار المرشح الأكفأ للوظيفة نفسها بل المرشح الذي "تعود" هذه الطائفة لطائفته. ولا زلت حتى اليوم على موقفي كلما سنحت لي فرصة التعبير عنه مع فارق واحد وهو أنني كنت أريد استبدال هذا النظام بأي شيء آخر حين كنت في التاسعة عشرة، أما وقد بلغت التاسعة والأربعين، فأنا أتمنى استبداله، ولكن لا بأي شيء آخر. وأنا، إذ أكتب ذلك، أنظر إلى أبعد من لبنان. فلئن تبين فساد النظام الذي قام في هذا البلد، لا يجب باعتقادي أن نستنتج من هذه الحقيقة خلاصات أكثر فساداً، كأن نعتبر، على سبيل المثال، أن المجتمعات المتعددة الطوائف، "لا تصلح للديمقراطية"، لأن الحكم الصارم وحده كفيل بالحفاظ على السلم الأهلي فيها. وغالباً ما نسمع من بعض دعاة الديمقراطية هذا الخطاب الذي يريد أن يكون "واقعياً" بالرغم من أن أحداث السنوات الأخيرة جاءت لتثبت العكس. وإذا كانت الديمقراطية لا تفلح دوماً في تسوية المشاكل المسماة "بالإتنية"، فلم يثبت قط أن الديكتاتورية أوفر حظاً. فهل كان نظام الواحد في يوغسلافيا أكثر قدرةً على المحافظة على السلم الأهلي من تعدد الأحزاب في لبنان؟ كان يمكن أن يظهر الماريشال تيتو، منذ ثلاثين عاماً، أهون الشرين، لأن العالم لم يعد يرى الشعوب المختلفة تتناحر. أما اليوم، فالعالم يكتشف أن لا مشكلة أساسية قد سويت بل على العكس.

ويقول: إن ما حدث في معظم دول العالم الشيوعي سابقاً لا يزال حاضراً في الأذهان بحيث يغني عن الخوض في استدلالات طويلة ولكن لا ضير ربما من التشديد على أن الأنظمة التي تحظر كل حياة ديمقراطية تساعد، في الواقع، على تعزيز الانتماءات التقليدية. فعندما تسود الريبة في أحد المجتمعات، تكون الأشكال الأخيرة من التضامن هي الأعمق والأقوى؛ وعندما تخنق كل الحريات السياسية أو النقابية أو الأكاديمية، تصبح أماكن العبادة الأماكن الوحيدة التي يمكن التجمع فيها والمناقشة والشعور بالتضامن في المحن والشدائد. فالكثيرون دخلوا في العالم السوفياتي "بروليتاريين" و"أمميين" ثم خرجوا منه أكثر "تديناً" و"قوميةً" من ذي قبل. ومع مرور الوقت، تبدو الأنظمة الديكتاتورية "العلمانية" المزعومة موائل للتطرف الديني، فالعلمانية دون ديمقراطية كارثة للديمقراطية وللعلمنة على حد سواء... إن الاعتراف داخل المجتمع الوطني بعدد من الانتماءات ـ اللغوية والدينية والإقليمية، الخ.. ـ غالباً ما يخفف حدة التوترات ويصحح العلاقات بين الفئات المختلفة من المواطنين. ولكن هذه العملية دقيقة ولا يمكن الخوض فيها بسطحية لأن أشياء بسيطة تحدث قد تؤدي إلى عكس ما نتوخاه. فنحاول تسهيل اندماج إحدى الأقليات، ونكتشف بعد عشرين عاماً أننا وضعناها في غيتو لا تستطيع الخروج منه؛ وأننا، بدلاً من تصفية الأجواء بين الفئات المختلفة من المواطنين، قد أنشأنا نظاماً لا ينتهي من المزايدات والاحتجاجات والمطالب الحقودة مع سياسيين جعلوا منه علة وجودهم وخبزهم اليومي. تتسم كل ممارسة تمييزية بالخطورة حتى لو كانت تجري لصالح جماعة قد عانت وذاقت الأمرين، ليس فقط لأننا نستبدل ظلماً بظلم ونعزز الحقد والريبة، بل لسبب مبدئي أكثر خطورة في اعتقادي: فطالما أن موقع الفرد في المجتمع سوف يبقى مرتبطاً بانتمائه إلى هذه الجماعة أو تلك، نكون كمن يعمل على استمرار نظام فاسد لا بد أن يعمِّق الانقسامات؛ ولو شئنا تقليص أشكال التفاوت والظلم والنزاعات العرقية أو الإتنية أو الدينية أو سواها، فالهدف العقلاني الوحيد، الهدف المشرِّف الوحيد، يقوم على السعي من أجل أن يعامل كل فرد كمواطن كامل بغض النظر عن انتماءاته. وبالطبع لا يمكن تحقيق هذا الهدف بين عشية وضحاها، ولكن هذا ليس سبباً لتوجيه العربة في الاتجاه المعاكس. لقد أدت مساوئ نظام المحاصصة و "الطائفية" إلى الكثير من المآسي في مناطق عديدة من العالم بحيث برَّرت الموقف المعاكس الذي يفضِّل تجاهل الاختلافات والاستناد في كل شيء إلى حكم الأكثرية المعروف بأنه لا يخطئ.

ويقول:

وعندما تعاني إحدى الأقليات من القمع، لا يحررها الاقتراع العام بالضرورة بل قد يضيق عليها الخناق ويجب الكثير من السذاجة ـ أو، على العكس، الكثير من اللؤم ـ للتأكيد على أن إعطاء السلطة للأكثرية يؤدي إلى التخفيف من معاناة الأقليات. ففي رواندا، يقدر عدد الهوتو بحوالي تسعة أعشار السكان، وعدد التوتسي بالعشر الباقي. ولو جرت انتخابات "حرة" اليوم في هذا البلد، لما كانت غير إحصاء إتني، ولو حاولنا تطبيق قانون الأكثرية بدون رادع، لأسفر الوضع حتماً عن مجزرة أو حكم ديكتاتوري. لم أذكر هذا المثال بمحض الصدفة. فعندما ندرس عن كتب السجال السياسي المرافق للمجازر التي حصلت في رواندا عام 1994، نلاحظ أن المتطرفين ادَّعوا دوماً بأنهم تصرفوا باسم الديمقراطية بل وذهبوا إلى درجة مقارنة انتفاضتهم بالثورة الفرنسية عام 1789، وإبادة التوتسي بتصفية جماعة تتمتع بالامتيازات، كما فعل روبسبيير وأصدقاؤه أيام حكم المقصلة، بل تم إقناع بعض الكهنة الكاثوليك بأنهم يجب أن يدعموا "جانب الفقراء" و"يتفهموا غضبهم"، بحيث أصبح هؤلاء الكهنة متواطئين في إبادة جماعية. ولئن كانت هذه المحاججة تثير قلقي، فليس فقط لأنها تحاول إضفاء طابع نبيل على الأفعال الشائنة التي يرتكبها القتلة، بل لأنها تبين الطريقة التي قد "تنحرف" فيها أكثر المبادئ سمواً. فالمذابح الإتنية تحصل دوماً تحت أسمى الذرائع ـ العدالة والمساواة والاستقلال وحق الشعوب والديمقراطية ومحاربة الامتيازات. وما جرى في العديد من البلدان في السنوات الأخيرة يجب أن يثير ريبتنا كلما استعمل مفهوم ذو طابع عالمي في إطار نزاع يحمل طابعاً يتعلق بالهوية.

لإحلال الديمقراطية، يجب تداول الآراء في مناخ من الهدوء النسبي، ولتكتسب الانتخابات معنى، يجب أن يحل الاقتراع الواعي الذي يشكل التعبير الحر الوحيد محل الاقتراع الآلي، الاقتراع الإتني، الاقتراع المتطرف، الاقتراع الانتمائي. وما أن نكون في منطق طائفي أو عنصري أو توتاليتاري، لا يقوم دور الديمقراطيين، في كل أرجاء العالم، على إعطاء الغلبة لميول الأكثرية بل على احترام حقوق المستضعفين، ضد قانون العدد لو اقتضت الحاجة. إن ما هو مقدس في النظام الديمقراطي هو القيم وليس الآليات. وما يجب احترامه بالمطلق ودون أي تنازل هو كرامة البشر، نساءً ورجالاً وأطفالاً، بغض النظر عن معتقداتهم أو لون بشرتهم أو أهميتهم العددية، ويجب تكييف نظام الاقتراع مع هذا الشرط. إذا أمكن للاقتراع العام أن يمارس بحرية دون الإفضاء إلى الكثير من الإجحاف، فلا بأس، وإلا يجب اللجوء إلى الضوابط. وقد لجأت كل الأنظمة الديمقراطية الكبرى إلى هذه الضوابط بين الحين والآخر. ففي المملكة المتحدة حيث يسود اقتراع الأكثرية، وما أن برزت الحاجة لتسوية مشكلة الأقلية الكاثوليكية في ايرلندة الشمالية حتى جرى التفكير بأشكال اقتراع مختلفة لا تأخذ في الحسبان قانون العدد الصارم فقط. وفي فرنسا اعتمد مؤخراً، بالنسبة إلى كورسيكا التي تطرح مشكلة خاصة اقتراع إقليمي مختلف عن النظام المعتمد في سائر فرنسا. وفي الولايات المتحدة، يمثل ولاية رود آيلاند التي تضم مليون نسمة عضوين في مجلس الشيوخ وكذلك القول بالنسبة إلى ولاية كاليفورنيا التي تضم ثلاثين مليون نسمة، ويخالف هذا الإجراء قانون العدد وقد أدخله الآباء المؤسسون كي لا تقوم الولايات القوية بسحق الولايات الضعيفة.

يحاول الكاتب الأستاذ أمين معلوف أن يبين ما هو مطلوب من الشعوب المتخوفة والمناهضة للحداثة المتمثلة بظاهرة العولمة مؤكدا ضرورة أن تناضل هذه الشعوب وتنخرط وتتفاعل في إثبات خصوصياتها واختلافاتها ضمن مفاهيم التنوع والغنى، وبعيداً عن الانغلاق والتصادم. وتبرز برأي الكاتب في هذا الصدد، مسألة اللغة الوطنية، في مقدمة التحديات التي يجب مواجهتها، كونها من أكثر عناصر الهوية منافسة للدين. فاللغة الخاصة بكل من شعوب الأرض جديرة بالحماية التامة، لأنها الانتماء الأكثر تجذراً على مر العصور ولأنها حاجة أساسية للإنسان لا يمكن أن يعيش بدونها حتى لو أمكنه أن يعيش من غير دين محدد، وكما أنها بعكس الدين عامة وليست حصرية إذ بإمكان الفرد أن يمتلك عدة لغات ولا يمكنه أن يعتنق أكثر من دين واحد. ولو تمكنت أوروبا الساعية إلى الاتحاد والتكتل، أن تتفق دولها على عملة واحدة أو دستور واحد أو نظام اقتصادي أو سياسي واحد، لكنها قطعاً لا يمكنها أن تتجاوز مسألة اللغة الوطنية لكل دولة من دولها. ويخلص الكاتب إلى التأكيد على مركزية الرؤية التي يتبناها والقائمة على الدعوة للمحافظة على التنوع الخاص بكل فرد وتحويل الانتماء المزدوج لدى اي منهم إلى فعل تلاق مع الثقافات الأخرى دون تمزق أو تردد أو خوف.وإذ يعلن الكاتب بصوت عال اعتزازه بانتمائه المتعدد فلكي يدعو إلى القضاء على زمن القبائل من اجل إقامة السلم الاهلي ولكي يعطي لهويته وهويات الآخرين بعداً إنسـانياً أكبر وأشمل.