في نقد تنظيم القاعدة



 

موقع الإمام الشيرازي

استهلال...

*  يقول الإمام المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي(قده):

(اللاعنف مبدأ إسلامي نابع من نظرة الإسلام الى البشرية، ونابع من الرسالة المحمَّدية التي هي رسالة رحمة للبشر، فلا تحمل أي جانب من العنف والإرهاب). (كل من يلتزم بقانون السلم واللاعنف لا مندوحة له إلا وينتصر في الحياة). (بالإضافة إلى الآيات الشريفة المنادية إلى العفو، والصفح الجميلِ، والجنوح إلى السلم والسلام، هناك آيات أُخر تدعو إلى احترام عقائد الآخرين حتى ولو كانت فاسدة وغير صحيحة، وهذا إنما يدل على حرص الإسلام على السماحة واللاعنف في سلوك المسلمين حتى مقابل أصحاب العقائد الضالة التي لا قداسة لها في نظر الإسلام).

*  يقول المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله):

(تكمن جذور العنف في الجهل والعصبية، والفهم الخاطئ للدين، والاستبداد والديكتاتورية والحرمان الاجتماعي، والظلم من قبل الحكومات والأفراد الذي يولد العنف المضاد، وغلق قنوات الحوار البناء، أو ضيق هذه القنوات).

-----------------------------------------

 

كتاب: في نقد تنظيم القاعدة.. مساهمة في دحض أطروحات الحركات "الإسلامية الجهادية"

منتصر حمادة

مركز الجزيرة للدراسات - الدار العربية للعلوم

أهمية كتاب (في نقد تنظيم القاعدة.. مساهمة في دحض أطروحات الحركات الإسلامية الجهادية) لمؤلفه (منتصر حمادة) تتجلى في أن مسألة التطرف "الإسلامي والجهادي" تحتل اليوم، ومنذ سنوات، موقعاً بارزاً في وعي الإنسان على مستوى العالم كله، فأينما يلتفت الفرد المسلم، شمالاً أو جنوباً، شرقاً أو غرباً، سوف يجد أن  التطرف "الإسلامي" بالذات تحتل جزءاً هاماً من قناعات تلك المجتمعات، ولديه مخزون معرفي من نوع ما، بغض النظر عن دقته من عدمه، عن "الإسلام" ومتطرفيه ومجاهديه، بل - ومن المحتمل جداً - أن هذا المخزون الثقافي أو المعرفي يدور حول نقطة محورية رئيسة هي المواجهة بغرض التصفية، سواء من الإسلام المُمثَل بمتطرفيه تجاه الآخر أو العكس، فالقضية من وجهة نظر المجتمعات غير الإسلامية هي قضية (أحياناً) قاتل أو مقتول، فالأمر ليس صراع أديان كما يحلو للبعض أن يصوره، وإن كان هو كذلك من وجهة نظر المتطرفين في أحد محاوره، ولكنه صراع بقاء وتصفية من جانب بعض المجتمعات والتي أصبح بعض أفرادها - للأسف - لا يفرق بين الإسلام والمسلمين من جهة، والمتطرفين من جهة أخرى. هؤلاء، كمجموع ذي أغلبية، باتوا يرون في الإسلام والمسلمين - وبوتيرة علنية تزداد تكراراً - تهديداً مباشراً لحياتهم وقيمهم وما ارتضوه كمعايير متعددة تحكم شؤونهم. وهو أيضاً، على الجانب الآخر، صراع تصفية من جانب هؤلاء المتطرفين الإسلاميين تجاه كل من يرونه كافراً أو مشركاً أو مرتداً، ولن يهدأ لهم بال حتى "يبيدوا خضرائهم" كما كتب أحدهم.

الكتاب يقوم على قراءة تحليلية لمعظم ما كتب عن التنظيمات المتطرفة المنتشرة في شتى بقاع العالم، خاصة بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية، وهي كتابات غاصت بتفكيك ونقد ونقض الظاهرة "الإسلامية" الحركية المسلحة، ومما تمخض عن تلك القراءة، أن الكتابات الغربية التي تناولت تنظيم القاعدة قد تداخلت فيها دواعي المنهجية العلمية والمرجعية الفكرية أو الدينية، وكذا الحسابات الأمنية أو السياسية أو حتى التجارية، التي قد تكون وراء إصدار هذا العمل أو ذاك، بموازاة ذلك، فإن المكتبات العربية قد عجت بالكتابات التي يمكن نعتها بالوصفية أو التقريرية، مع تواضع المؤلفات النقدية الرصينة. وأتقن المؤلف في استطلاع أبرز آراء المفكرين والمتخصصين، وقد انطلق من قاعدة نقدية في قراءة (الأحداث الإرهابية) تميز نظرة المثقف أو المفكر حبث لابد أن تختلف عن نظرة رجل السياسة ورجل الأمن، ذلك أن نظرة المثقف تستوجب إقامة مسافة كافية بينه وبين هذه الأحداث، وتتمثل هذه المسافة في الخروج عن لحظات الغضب والانفعال الأولى التي قد تصدر فيها أقوال أو تصريحات تفتقر الى الحكمة والموضوعية، وهذه المنهجية الثقافية تعد من أولويات خارطة الطريق لإنهاء مشكلة الإرهاب وإلا ستظل جاثمة دون حل على أمن الناس واستقرار الدول، لاسيما معظم الباحثين بقضايا (الفكر التكفيري) يؤكد أن الإرهاب ظاهرة اجتماعية خالصة أو نفسية خالصة أو سياسية صرفة أو تعبر عن الأزمة الاقتصادية في المجتمع، يعد اختزال للظاهرة، وهو اختزال ناتجإما عن تعصب للمنهج أو عن رغبة دقيقة للتقليل من أهميتها واستقلالها. 

لا يزعم المؤلف أن كتابه يمتلك نموذجاً تفسيرياً مركباً حول التعامل الأمثل مع ظاهرة الإرهاب المتمثلة بـ(تنظيم القاعدة)، بقدر ما هو – المؤلف – يستشهد بثنايا قراءة نقدية في "الظاهرة الإسلامية الحركية الجهادية"، تأسيساً على ما جاء في أحد أبرز الأعمال النقدية، كما يراها هو، (أيام الإرهاب في السعودية) والذي يقر مؤلفه (الكاتب السعودي يحيى الأمير) بأنه لا يملك مفاتيح الجهاز المفاهيمي المميِّز للخطاب "الإسلامي المشرعِن" لعمليات العنف والقتل والإرهاب، إلا أنه يمرر مجموعة من الاجتهادات اللصيقة بدور حاسم من المفروض – كما يرى المؤلف – أن يقوم به التيار الإسلامي الوسطي والمعتدل، عبر البحث والحفر عميقاً في أرضية الخطاب المتطرف والأحادي والإقصائي والتداخل العلمي والمنهجي مع تلك الرؤى بدلاً من خطابات الشجب والإنكار المجردة، أو أننا لا زلنا بحاجة الى مشروع يقوض البنى الفكرية والنظرية للإرهاب، ويقوم على التداخل المعرفي الفعلي مع كل أنماط التحليل والقراءة المتطرفة أو المنحرفة للنصوص.  

يشير المؤلف الى الواقع الديني والفقهي المأزوم، على مستوى النخب والجماعات أو المجتمع عموماً، من خلال الاستشهاد بمفكر سعودي يرى أن (أصوات داخل التيارات الدينية تظهر بين حين وآخر، لتعلن أنها تدين الإرهاب وترفض العمليات الانتحارية والإجرامية التي شهدناها في الملكة، وفي ذات الوقت، تقدم خطاباً يتقاطع ويتفق في معظم عناصره مع خطابات الإرهاب الفعلي. فهي ترفض الإرهاب لأنها تلم أن مجدها الزائف سوف يسقط إذا ما أعلنت أي تعاطف مع العمليات الإرهابية، ولكنها في ذات الوقت تدين بكل ما في الذهنية الجهادية من تطرف وآراء تكفيرية وعنفية واضحة). وفي موضع آخر، ومقاربة المؤلف لبؤرة (الفقه التكفيري)، يستعرض ما توقف عنده كاتب أردني (أكرم حجازي) بخصوص ثقل المرجعية الخلفية الوهابية في أدبيات "الإسلاميين الجهاديين"، ملاحظاً أن الوهابية تمثل (إحدى المصادر الشرعية والتاريخية للفكر "الجهادي" العالمي لكنها ليست المصدر الوحيد، وتبعاً لذلك، ليست السلفية الوهابية الجهادية هي التيار الجهادي العالمي، ولا هي المخولة بالتحدث باسمه، كما أن التيار الجهادي أوسع، في مرجعياته ومكوناته، من أية مرجعية منفصلة). وما يؤكد أزمة الإرهاب، أنه – كما يرى مفكر سعودي – (لا يمكن اختزال المواجهة ضد الإرهابيين في المجال الأمني، فلم يكن خروج الإرهاب ناتج عن انفلات أو قصور أمني، بقدر ما هو ناتج مشكل ثقافي ديني وفقهي). مبيناً أن ما يلفت النظر ويستوجب المساءلة في ظهور الإرهاب في السعودية – بحسب الكاتب يحيى الأمير – كون الذين يقومون الآن بعمليات التفجير والقتل، (ليسوا طارئين على المجتمع ولا قادمين من خارجه، بل هم حصاد لحالات من الانفلات النظري التي سادت الدائرة العامة للتدين وانقلبت عليها وتمردت على سلميتها، وقد تمثل ذلك الانفلات النظري في مظاهر متعددة).

في معرض البحث عن مخارج لأزمة العنف التي تطال المنطقة العربية، بعد تفجيرات الدار البيضاء في 16/6/2003، يشير الكتاب الى رأي المفكر المغربي (محمد سبيلا) أنه  لا سبيل أمام فرقاء الساحة من (تقوية الديمقراطية كنظام سياسي هدفه الأساس هو تحويل الصراع الاجتماعي الى صراع سلمي، وتحويل "حوار" البنادق الى الى حوار بين الأفكار والمشاريع والمصالح). وقد يكون رأي الباحث سبيلا صحيحاً، لكن ليس في كل حين، وليس في كل مكان، فإن الأزمة الدينية (السنية الذاتية) ابتلعت كل الأزمات داخلها ومنها الأزمة السياسية، وهو ما حدث في العراق وما زال يحدث، فرغم النظام الديمقراطي والحريات المكفولة نسبياً، إلا إن تنظيمات سنية عديدة لجأت الى الأعمال الإرهابية وما زالت... إن الذي يؤكد أساس مشكلة الإرهاب (فقه سني)، ما ذهب إليه مفكر السعودي من أن (الموقف من الجهاد الذي تربى عليه كل الشباب السعوديين هو ذات الموقف الذي تربى عليه غيرهم، وهو جزء من الخطاب الديني الوحيد الذي تمتلأ به المساجد والمدارس والمنابر المختلفة، والذين توجهوا ليصبحوا إرهابيين، هم أفراد ملتزمون بشكل حقيقي وواضح بكل ما تعلموه وتربوا عليه وآمنوا به). وبالنتيجة، يضيف يحيى الأمير، فإن (الإرهاب هو نتاج متدرج لسنين من النشاط والحضور الفقهي الذي استطاعت أن تمثله تلك الأصوات التقليدية، ونتاجاً متدرجاً أيضاً لسنوات من التنظير "الديني" المتشدد والمتعصب الذي ملأ مساحات واسعة في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، ومن أبرزها السعودية، وتحوّل الى تيارات ومدارس تختلف في الوسائل، ولكنها تتفق في مجملها على صيغة دينية متشددة واحدة ذات صيغ متفقة في العديد من القضايا، كالجهاد المطلق والموقف من الآخر ورفض التغير الحضاري والالتجاء الى الساكن، والركون الى الموروث بلا تفصيل أو إعادة قراءة).

الكاتب الباحث منتصر حمادة، في الوقت الذي يشير إلى أن خطورة الإرهاب تكمن بأنها تؤسس "اجتهاداتها" انطلاقاً من آيات قرآنية وأحاديث شريفة، ويؤكد البعض (ومنهم الكاتب المصري حسن حنفي) أن مواجهة عنف "الحركات الإسلامية"، (لن تتم باعتباره مصدراً خارجياً أو عبر اعتماد منطق القوة فقط، ولكن بفهم آلياته وميكانزماته وتفكيك خطابه). بموازاة ذلك، يتعرض الكاتب منصر حمادة الى (إصرار فقهاء وعلماء المؤسسات الدينية الرسمية على تفادي الخوض في اشتباك فقهي مع أدبيات "الجهاديين" يطيل في أمد الحرب القائمة بين الدول العربية والإسلامية، وفي أحسن الأحوال يشوش على المتتبع وصانعي القرار في معرض تبني هذا الخيار أو ذاك.

مؤشرات

1- من خلال التأمل بالكتاب (في نقد تنظيم القاعدة)، ونبقى في ظل الأزمة الفقهية السنية، فإن من الغريب ابتعاد المؤلف عن تناول الإرهاب في العراق المتواصل منذ عشر سنوات، (فكراً وفقهاً وتنظيماً وانتاجاً وتصديراً)، وقد أريقت بسببه دماء شيعة العراق باستهتار، ففي هذه السنوات العجاف أزهقت أرواح أكثر من مائة وخمسين ألفاً، وأكثر من نصف مليون جريح، وثلاثة ملايين من الأرامل والأيتام.

2- لم يكن الكاتب منتصر حمادة دقيقاً في تقديم يوسف القرضاوي، كما هو في مضامين كتابه التي توخى فيها الموضوعية، فقد استحضر فتوى القرضاوي التي قال فيها (تحريم العنف المسلح بإسم الإسلام ضد مسلمين أبرياء حتى لو كان ذلك في سياق مواجهة مع نظام أو حكومة). وهنا يدخل قارئ هذا الكتاب المهم في ضبابية، فإن للقرضاوي فتاوى صريحة واضحة في إباحة قتل المدنيين العراقيين في الشوارع والأسواق، وهذه الفتاوى الشيطانية صدرت بأساليب شتى، ومرات عدة، وأماكن عدة، قبل صدور هذا الكتاب، إضافة عن انقلاباته الفكرية والفقهية التي بانت دمويتها وانتهازيتها بوضوح أكبر مع اندلاع الأزمة في سوريا، فضلاً عن أن يوسف القرضاوي يعد المنظر الأول لـ (الإخوان  المسلمين) في مصر، المتورطة بالعديد من الأعمال الإرهابية، وكان يحرض الشباب المسلم على "الأفكار الجهادية" التي تدعو إلى قتل كل من ينتمي إلى الديانات الأخرى أو إلى طوائف إسلامية غير الطائفة السنية. لقد دعا القرضاوي للقيام بعمليات إرهابية في العراق والشرق الأوسط والعالم، وأفتى بأن العمليات الإرهابية في العراق هو أمر يحلله الله، حيث قال: (إن تفجير المجاهدين المسلمين أنفسهم ضد أعدائهم تعد مقاومة شرعية، ومن أعظم أنواع الجهاد في سبيل الله. وإنها عمليات فدائية بطولية استشهادية). القرضاوي أفتى بكل هذا العنف والتفجير والذبح رغم علمه بأن 99% من العمليات الإرهابية التي جرت في العراق – بحسب وثائق المؤسسات الرسمية العراقية والدولية – كانت تقتل الشيعة، وعلى ضوء العديد من الدعوات والفتاوى التي أدلى بها القضاوي، قامت السلطات البريطانية بمنعه من دخول أراضيها، وقالت وزارة الداخلية البريطانية في بيان أصدرته إنها رفضت دخول القرضاوي الى بريطانيا بسبب تبرير القرضاوي للعمليات الإرهابية، وقالت الوزارة أن (بريطانيا لن تتسامح مع وجود شخص مثل القرضاوي على أراضيها بسبب آرائه المتطرفة ودعمه للأعمال الإرهابية، ووجوده فيها سيؤدي الى انقسامات في المجتمع). وربما يبرر للكاتب منتصر حمادة "تلميع" القرضاوي، إشارته في خاتمة الفصل الرابع الى تقصير القرضاوي وأمثاله في تحديد رأيه من الإرهاب الذي يضرب العالم. وفي هذا الإطار وبلغة الواقع الإيجابي يدعو الكاتب منتصر حمادة في كتابه الى مواجهة الواقع السلبي، من خلال التوصل الى الى سقف الاشتباك الفقهي مع أدبيات تنظيم القاعدة، أو فتح باب الاجتهاد الفقهي والحربي، مبيناً (ضرورة الحسم مع هذه الأدبيات، وليس تأجيل الحسم عبر البحث عن الذرائع والمسببات)، ورأي الكاتب هذا يؤكد وجود خلل فقهي وقيمي وأخلاقي يضرب في عموم المجتمع السني نخباً وجمهوراً.

3- من الصعب تبرير عدم أخذ الكاتب بمرجع مهم جداً تناول مشكلة الإرهاب (تشريح الفكر السلفي المتطرف) للكاتب (حسن محسن رمضان)، وهو كتاب سبق كتاب (في نقد تنظيم القاعدة) بعام كامل، وقد توخى فيه مؤلفه أعلى درجات الموضوعية ومراتب الأمانة، معتمداً منهجية علمية في تناول (الفقه التكفيري)، متباحثاً مع أطاريح قادة التنظيمات المتطرفة وفقهائها ومن مصادرها الأم. فالخطوط العامة لسيرة هؤلاء تبدو بدرجة أو بأخرى معروفة، ولكن التفاصيل لهذه الخطوط هي أبعد ما تكون عن هؤلاء الأشخاص هو (الفكر) الذي يتبنونه، ويدعون إليه، ويعملون في سبيله، وما التطرق إلى السيرة الشخصية لهم إلا على سبيل الإجابة العامة عن التساؤل الذي سوف يدور في ذهن كل قارئ لهذا الكتاب عن هوية هذا الشخص الذي يقرأ عنه، ولهذه الأسباب فإن تلك السير هي شديدة الإختصار، ولا تسعى بأي حال من الأحوال أن تكون شاملة أو تعنى بالتفاصيل أو مدققة في بكل جوانب الشخصية موضوع الدراسة. وقد اعتمد، كلما أمكن ذلك، على التفاصيل التي تأتي على لسان هؤلاء الشخصيات عند كلامهم عن أنفسهم خلال كتاباتهم أو لقاءاتهم، ولكن - في الأغلب الأعم - فإن التفاصيل هي ما أوردته مصادر متعددة منها المواقع الجهادية المتوفرة على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) والتي تكون بطبيعتها متعاطفة مع هؤلاء الأشخاص، وأيضاً ما أوردته المصادر الرسمية عنهم والتي تكون بطبيعتها عدائية ومنتقصة.

4- طالب المؤلف المؤسسة الدينية الرسمية بتحديد موقفها من الإرهاب، بل دعا الى (الاشتباك الفقهي)، لكنه لم يحدد بوضوح، وإن كان تلميحه موجوداً بعموم فكرة الكتاب ومفرداته، إلى إن الجذور الفقهية والتاريخية لظاهرة الإرهاب هي ليست إسلامية، وإنما هي (سنية)، وبالتالي فإن كتابه وما يتضمنه من دعوات، يوجهه الكاتب الى عموم المؤسسة الدينية السنية (الرسمية وغيرها) ومن يتبعها.

من الواقع

السيد المؤلف حصر مفرداته البحثية حول ظاهرة الإرهاب بالإطار السني، وهو ما يؤشر إلى واقع مأزوم دامي، فهناك من يحاول تضليل الرأي العام بعيداً عن المؤسسة الفكرية او البيئة المجتمعية التي تنتج أو تدعم الإرهاب، وفي الحقيقة، فإن الإرهاب ظاهرة من نتاج واقع سني محض، وقد بات واضحاً أن مشكلة الإرهاب التكفيري لا تنحصر في أحزاب أو حركات أصولية أو راديكالية أو متطرفة أو إسلاموية أو وهابية أو سلفية جهادية، وإنما تتسع إلى ما هو أكبر، حيث إن لب مشكلة الإرهاب التكفيري تكمن بأن لها أساساً فقهياً واضحاً وصريحاً. حيث إن مصادر تشريعه وأساسيات فقهه موجودة أصلاً في كتابات ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وآرائهم، وهذه الكتابات والآراء مطبوعة ومنشورة ومتوفرة في كل الدول الإسلامية وغير الإسلامية بدون أي قيد أو شرط أو حتى محاولة تفنيد أو مناقشة، وهي تُدرّس وتُدرس - على أنها المنهج السلفي الذي كان عليه النبي(صلى الله عليه وآله) وصحابته والسلف الصالح - في جامعات دول ومدارسها ومساجدها، ويتم تلقين الأطفال على أن هذه الآراء والمصادر تحتوي على منهج الطائفة المنصورة، الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة، أهل الحديث، بل الحقيقة هي أنه يكفي أي سلفي أن يحتج برأي "فقهاء" لهم اعتبارهم عند ملايين المسلمين، أمثال ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب، حتى يملك الدليل على ما يفعل أو يقول، وبمجرد النظر إلى محتوى رسائل الخط السلفي المتطرف وكتاباته حتى يتوفر الدليل على إن للإرهاب دين... حيث يرتكز الإرهابيون في بنائهم العقائدي على فقه منظومة سلفية، ومن أسس هذه المنظومة التكفيرية ما يعرف بـ(نواقض الإسلام) التي تصادر إيمان الآخر، وتنطلق من تكفير الدولة والمجتمع، وفي مقدمة منظري السلفية التكفيرية (أبو الأعلى المودودي) مؤسس الجماعة الإسلامية في الهند، كما أن الأعمال التي قام بها تنظيم القاعدة، كانت ترجمة دقيقة لإيديولوجيا (السلفية الجهادية) التي تستند إلى مرجعيات تاريخية كـإمام الحنابلة، وابن قيم الجوزية، ومحمد بن عبد الوهاب، ويتقاسم ابن تيمية وسيد قطب مقام الأب الروحي لـ"الحركات السلفية الجهادية" المعاصرة، كما يعتبر عبد الله عزام، وعمر عبد الرحمن، وأيمن الظواهري، وأسامة بن لادن، وأبو محمد المقدسي من أبرز منظري هذا التيار، وقد أطلق أبو قتادة الفلسطيني على مفهوم الحركة الجهادية العالمية التي تتمثل عملياً بـ(تنظيم القاعدة) بأنها: "الأمل"، وإنها "حركة سلفية التصور والرؤى.. سلفية المنهج والتدين". وقد أكدت دراسة دولية أعدها (معهد الاقتصاد والسلام) أن ثلث ضحايا الإرهاب في العالم بين عامي 2002 و 2011 كانوا من العراقيين. وأشارت الدراسة (مؤشر الإرهاب العالمي)، أن العراق شهد القدر الأكبر من الهجمات الإرهابية بين عامي 2004 و2011، لافتة إلى أن وتيرة الهجمات الإرهابية تراجعت منذ 2007 بعد ارتفاع مُطّرد في معدلاتها بين عاميّ 2004 و2007. ولفت المؤشر إلى أن أكبر فترة شهدت زيادة في وتيرة الهجمات كانت بين عاميّ 2005 و2007. وبحسب الدراسة، فإن مقارنة بين 158 دولة، على مدار الأعوام العشرة الماضية، ألقت الضوء على حصيلة العمليات الإرهابية في العالم، وكان نصيب باكستان وأفغانستان من الهجمات الإرهابية بين عامي (2002 – 2009) 22%. علماً بأن جل الضحايا في هذين البلدين من الشيعة. في السياق نفسه، أكدت مراكز أمنية معتمدة دولياً أن أكثر من 96% من الأعمال الإرهابية في العراق وقعت في تجمعات أو مناطق غالبية سكانها من الشيعة. فيما أشار مركز إعلامي إحصائي عراقي إلى أنه في السنوات العشر الماضية تصدر يومياً ما معدله ثلاث (فتاوى أو دعوات) ضد الشيعة، تطلق في مساجد أو عبر وسائل إعلام، ومضامين تلك الفتاوى والدعوات غالباً ما تكفّر الشيعة أو تدعو إلى تهميشهم أو قتلهم أو تحث على تهديم أماكن يقدسونها.

ولأن الموضوع هو قتل الناس المدنيين بالجملة، فلابد من الحديث عنه بوضوح، فهل هناك شك بأن من يقتل في العراق منذ عشر سنوات كالحة لدمويتها ووحشيتها وقسوتها وعنفها وآلامها ومعاناتها ومأساتها ودمارها وخرابها، لم يكن مسيحياً ولا صابئياً ولا إيزيدياً ولا يهودياً ولا شيعياً ولا كردياً، لا تركمانياً، ولا ملحداً، وإن من يقتل الناس (من الشيعة والسنة والمسيحيين والصابئة والإيزيديين والعرب والكرد والتركمان) بتفجير جسده أو بالسيارة المفخخة منذ عشر سنوات في العراق هو القاتل نفسه لا غيره!! كما أن الواقع يتحدث بالأدلة والأرقام والصورة والصوت، بأن الذين نفذوا العمليات الإرهابية في العراق وأفغانستان وباكستان والقاهرة وعمّان والرياض وطهران والجزائر ونيويورك ولندن ومدريد واليوم في جمهورية مالي، كانوا من السنة، وهذا بالتأكيد لا يعني – أبداً – بأن جميع السنة كذلك، فقد نال بعض السنة من ظلم هؤلاء المجرمين وإرهابهم، كما أن هذا ليس تعميماً في الاتهام، وإنما هو تشخيص حالة، لابد من تشخيصها، لأجل التعامل معها ومكافحتها، لا سيما وإن أعداد هؤلاء المتطرفين يتجاوز عشرات الآلاف، وتأكيداً، فإن الكلام بالمسميات الصريحة ما هو إلا محاولة لحفظ أحياء ينتظرون الموت ذبحاً أو تفجيراً في أية لحظة دون ذنب أو تهمة.

ختام

يعتبر الكاتب منتصر حمادة أحد الباحثين المغاربة القلائل من خارج المرجعيات الفكرانية التقليدية والإيديولوجية الذين كان لهم قصب السبق في الاهتمام بالمقاربة العلمية للظاهرة الأصولية والحقل الديني المغربي والصراع حول مساحات التدين المغربي بين مكونات الحركة الإسلامية خاصة التيارات السلفية من خلال مجموعة من الكتابات والدراسات والمؤلفات نذكر منها (نحن وتنظيم القاعدة الصادر في سنة 2008)، ثم كتابه (الوهابية في المغرب الصادر عن دار توبقال سنة 2012) والذي تزامن مع أحداث الربيع العربي وبروز التيار السلفي بقوة في المشهد الديني والسياسي لبلدان الربيع العربي، وكذلك بالمشهد المغربي خاصة بعد إطلاق سراح شيوخ السلفية على ضوء المراجعات الفكرية التي قاموا بها في مرحلة الاعتقال. وكتابه هذا (في نقد تنظيم القاعدة .. مساهمة في دحض أطروحات الحركات الإسلامية الجهادية) يهدف هذا الكتاب إلى التعريف بأهم ما صدر عن المثقفين العرب والمثقفين الغربيين والمثقفين المسلمين المقيمين في الغرب، وكذلك، الفقهاء المسلمين في معرض نقد ونقض أدبيات الحركات الإسلامية "الجهادية"، من خلال نموذج تنظيم "القاعدة"، وهذا عين ما يميز الفصول الأربعة الأولى من العمل، في حين خُصص الفصل الخامس والأخير لاستعراض أهم الخلاصات النقدية المتفرعة عن القراءات التي ارتحل معها المؤلف سلفاً، فضلاً عن توقفه عند أهم التحديات الحضارية التي تواجه المسؤولين وصناع القرار في العالم الإسلامي والغربي، الكتاب يتضمن دراسة هامة يحض المؤلف من خلالها العقل الإسلامي المعاصر على اتخاذ موقف صريح مما يجري، وهذا ما يميز هذا العمل عن غيره، جدير بالاطلاع. لاسيما بتفاقم الصمت الدولي، وتغافل العالم الإسلامي، عن ظاهرة الإرهاب، رغم عشرات الآلاف من الضحايا، الذين قتلوا تفجيراً أو رمياً من أعالي البنايات أو قطعت رؤوسهم بالمناشير الكهربائية أو ذبحاً بالسكاكين، ولا ذنب لهم، فقط لأنهم شيعة، وكل هذا (الجهاد الأسود) يجري علانية، وتحت راية الشهادتين!!.

8/جمادى الآخرة/1434