إنهيار الاقتصاد العالمي .. نهاية عصر الجشع


*  هوية الكتاب:

تأليف: بول مايسون
الناش: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر
الطبعة الثانية 2012



نجحت الرأسمالية تاريخياً في معالجة العديد – وليس جميع - من أزماتها الاقتصادية والمالية من خلال آليات ومعالجات داخلية خاصة ومتبدِّلة، غير أن ما يدور من نقاشات حول الأزمة الاقتصادية العالمية التي تفجرت بانفجار فقاعة الرهن العقاري في الولايات المتحدة عام 2008، تميل إلى انهيار النظريات المالية الرأسمالية الحديثة كافة وعدم جدواها.
وما زالت حالة من القلق تسيطر على حكومات الدول الكبرى اقتصادياً من تواصل ارتدادات الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية، وعدم تعافي الاقتصاد العالمي منها، وفشل الخطط الإنقاذية في وقف تأثيراتها السلبية أمام معضلة عدم تعبير الاقتصاد الورقي عن الاقتصاد الفعلي، الحقيقي والمنتج، في حقبة العولمة النيو- ليبرالية.
لقد تمثَّلت الأزمات الاقتصادية والمالية العالمية في العقود الثلاثة الأخيرة، قبل أزمة 2008، برفع القيود عن مصارف الاستثمار بالدرجة الأولى، وفورة الرهونات العقارية المتدنية الأقساط، والتناقض القائم بين الإستراتيجية التقليدية للسياسيين والتطوّر الهائل الذي طرأ على القطاع المصرفي والمالي، تراجع أسواق الأسهم العالمية، وتحوُّل التضخم إلى انكماش، حسب ما يبينه بول مايسون، صحفي متخصص في المجال الاقتصادي بجريدة "الغارديان" البريطانية، في كتابه "انهيار الاقتصاد العالمي نهاية عصر الجشع"، وخلص فيه إلى ضرورة إعادة الاعتبار لتدخل الدول في اقتصادات بلادها، وعدم ترك أسواقها مفتوحة على مضاربات جشعة تحول الاقتصاد إلى ساحة مضاربات جشعة ودون ضوابط.
كتاب انهيار الاقتصاد العالمي "نهاية عصر الجشع" يفسر كيف يحضر مهندسو النيوليبرالية في الوقت الحرج وكأنهم كانوا بانتظار الانهيارات الواقعة، ليبنوا على الأنقاض؟!
ويغطّي المؤلف (بول مايسون) في كتابه تفاصيل الأزمة المالية التي ضربت العالم سنة 2008 وكل ما جرى بعد ذلك، مرتكزاً على محاور ثلاثة:
- كل ما جرى إبان الأزمة.
- الأسباب المفضية إلى ما حدث.
- إلى أين سيمضي العالم بعد كل ذلك؟
يتابع ميدانيّاً وعن كثب، تراجع أسواق الأسهم العالمية، وتحوُّل التضخم إلى انكماش، وانهيار الاعتقاد بالرأسمالية وجبروتها.
يقدِّم أمثلة على الانهيارات الحاصلة للنظام المصرفي البريطاني والأميركي والأوروبي عموماً، وتفشّي الأزمة في الصين والعالم العربي وباقي مناطق العالم.
ينقل مادار في البرلمانات العالمية من نقاش وصراعات حول الأزمة ويعلن انهيار النظريات المالية الحديثة كافة وعدم جدواها.
يصوِّر ذعر أصحاب الاستثمارات وتخبُّط البنوك، وغياب التنسيق بينها، والجمود الذي أصاب القروض المصرفية، وجنون الأسعار.
يفنِّد أسباب الأزمة متّهماً رفع القيود عن مصارف الاستثمار بالدرجة الأولى، وفورة الرهنيات العقارية المتدنية الأقساط، والتناقض القائم بين الاستراتيجية التقليدية للسياسيين والتطوّر الهائل الذي طرأ على القطاع المصرفي والمالي.
أهمية الكتاب – اليوم - تأتي في الوقت الذي ينبه خبراء اقتصاديون كبار، مثل خبير الاقتصاد الأميركي (بيتر شيف)، إلى أن التداعيات الحقيقية للأزمة لم تحصل بعد، والانهيارات الكبرى في اقتصاد الولايات المتحدة والاقتصادات الأوروبية قادمة لا محالة، بسقف عام 2014 كأبعد تقدير، إذ يؤكد شيف أن برامج الإنعاش التي طرحها نظام الاحتياطي الفيدرالي الأميركي طيلة سنوات الأزمة، كان لها أثر فعال في كسب المزيد، لكنه كسب مزيدا من الوقت الضائع الذي لم يعد ينفع مع مريض يحتضر أي نوع من العلاج.
وبدوره يؤكد خبير الاقتصاد الأميركي (نورييل روبيني) أن منطقة اليورو بزعامة ألمانيا وفرنسا، تسير قُدماً نحو نهايتها المحتمة مع نهاية عام 2014، بسبب إقتفائها أثر الولايات المتحدة وبرامج إنقاذها الفاشلة.
ويعيد المفكر (سمير أمين) جذور الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية إلى ما يسميه "أمولة الاقتصاد العالمي"، ويقصد بمصطلح الـ"أمولة" تغليب البعد المالي على الأبعاد الأخرى في القرار الاقتصادي. وبدأ ذلك منذ عام 1971 بتحويل الدولار إلى أداة للمدفوعات في التبادلات التجارية الدولية، دون غطاء من الذهب، وما صاحب ذلك من عجز متراكم في ميزان المدفوعات الأميركي، وضعف ثقة المجتمع الدولي تدريجياً بالدولار. ولذلك إن تحكم أميركا في النقد الدولي، وهيمنتها مع الدول الغربية على "صندوق النقد الدولي" و"البنك الدولي"، هما سببان رئيسيان من أسباب الأزمات الاقتصادية والمالية والنقدية العالمية.
اللافت أن الولايات المتحدة تنبهت إلى أبعاد ومخاطر الأزمة الاقتصادية والمالية على مستقبل الدور الأميركي في العالم، ووسعت مفهوم التهديدات لأمنها القومي ليشمل الوضع الاقتصادي إلى جانب الحفاظ على قوتها العسكرية وما يسمى بـ"مكافحة الإرهاب"، وعبر عن ذلك المدير السابق لوكالة المخابرات الوطنية الأميركية الأميرال المتقاعد دينيس بلير، أثناء شهادة له أمام لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأميركي، بالقول: "إن الزمن هو ربما التهديد الأكبر لنا... فكلما تأخر زمن استعادة عافية الوضع الاقتصادي، تزايدت احتمالات الضرر الجدي بالمصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة". لكن الخبراء الاقتصاديين الأميركيين لا يشاطرون الرئيس أوباما في تفاؤله بإمكانية تجاوز الأزمة بـ"وسائل هادئة" وإجراءات إصلاحية جزئية غير ثورية.
وفي قراءة أبعاد قرار مجموعة "بريكس" بإنشاء مصرفها الخاص للتنمية، وفقاً لما أعلنه رئيس جنوب أفريقيا جاكوب زوما في القمة الخامسة للمجموعة، والتي عقدت في مدينة دوربان بجنوب أفريقيا نهاية آذار/2013، فإن ذلك يندرج في سياق نفض اليد من المعالجات التي وضعت في قمم الدول الثماني المصنعة الكبرى، وقمم مجموعة دول العشرين، لمعالجة الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية، واتجاه دول "بريكس" لشق طريق معالجات خاصة بها، في تحدٍ لسياسات "صندوق النقد الدولي" و"البنك الدولي". حيث سيكون رأس المال المبدئي لمصرف دول "بريكس" 50 مليار دولار، ويتوقع أن تضع المجموعة باحتياطي البنك 240 مليار دولار، وتعمل مجموعة "بريكس" أيضاً على إنشاء صندوق احتياطي للعملات بقيمة مبدئية 100 مليار دولار، لإعطاء أعضاء المجموعة استقراراً مالياً.
بلغة الأرقام، تقدَّر احتياطيات دول المجموعة من العملات بنحو 4.4 تريليون دولار، ويبلغ إجمالي الناتج المحلي لدولها مجتمعة ما يقارب 15 تريليون دولار، ويبلغ عدد سكان دول المجموعة حوالي نصف سكان العالم، الأمر الذي يجعل منها أكبر أسواق العالم من حيث أعداد المستهلكين، ومن المتوقع مع استمرار ارتفاع متوسط نصيب الفرد من الدخل أن تصبح كذلك أكبر الأسواق الاستهلاكية.
وتسمح الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية ببروز تكتلات اقتصادية إقليمية مثل: "اتحاد دول جنوب شرق آسيا المعروف اختصارا باسم (آسيان)، وتكتل ميركوسور (البرازيل، الأرجنتين، براغواي، أورغواي، فنزويلا)، وتكتل "اتحاد أمم أميركا الجنوبية (أوناسور)، وتكتل "مجموعة دول أميركا اللاتينية والبحر الكاريبي" (سيلاك).
في كتاب (إنهيار الاقتصاد العالمي "نهاية عصر الجشع")، وحيث يختمه المؤلف بالإشارة الى (إنكسار النيوليبرالي القديم، وإن البحث سيتواصل عن رؤية جديدة ومنهج جديد، وإن هذا البحث لا يخلو من معوقات وصعوبات، وربما سيكون الطريق مسدوداً). لابد – هنا - من استحضار الإنجاز الإنساني العظيم الذي حققه الإمام أمير المؤمنين(سلام الله عليه) في دولته العادلة، لاسيما وأن البشرية قد حققت إنجازات هائلة، في العديد من مجالات الحياة، وقد سبر الإنسان أغوار الفضاء، وغاص الى تحت قعور البحار، وتوصل لحقائق دقيقة عن الإنسان، إلا إن كل ذلك التطور العظيم، لم يوفر قدراً كافياً من الأمان ولا الرفاه، بل العكس قد حدث. ويُرجع أهل العلم والحكمة هذا الفشل العالمي في إنتاج نظام صالح، إلى قصور في الحكم وإدارة الدولة، حتى بات الإنسان على شك كبير بوجود حل لما يعيشه العالم من أزمات.
إن حكومة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) كانت تشمل ما يقارب خمسين دولة حسب خارطة اليوم، منها العراق ومصر والحجاز واليمن والخليج وإيران وغيرها، بالرغم من ذلك، وفر الإمام (عليه السلام) العدل والأمان والرفاه لكل شعبه. وسر بناء تلك الدولة، يبينه الإمام الشيراي فيقول (قده): (طبق الإمام (عليه السلام) قانون الإسلام بكامله، وقد قال الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله): (الأرض لله ولمن عمّرها). فكان الإمام(عليه السلام) يعطي الأرض للناس مجاناً، ثم يساعدهم من بيت المال لأجل إحياء الأراضي وعمرانها، وفي حكومته أيضاً، كانت التجارة والزراعة والصناعة وغيرها حرة، فكان الناس ينتفعون بمختلف المكاسب ويحصلون على الأرزاق الحلال، بالإضافة إلى ما كان يقسم عليهم الإمام (عليه السلام) من بيت المال، وبذلك كله تمكن الإمام أن يهيأ لعموم شعبه المسكن والرزق والماء، وهذا ما لم تتمكن منه أكثر البلاد المتقدمة اليوم التي ترى نفسها أنها وصلت إلى قمة الحضارة).
لقد نظّر وكتب في بناء (الدولة الصالحة) فلاسفة وعلماء القانون والدستور، وقد أريقت من أجل تحقيق (حلم دولة الإنسان) على أرض الواقع دماء، لكن المحاولات باءت بالفشل، ومازالت كل التنظيرات – الى اليوم - مجرد أماني، وقد أنجز الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) دولة العدل والفضيلة والرفاه، يقول الإمام الشيرازي(قده): (كانت حكومة أمير المؤمنين(عليه السلام) مصداقاً لمنهاج الإسلام الصحيح، الذي يوفر رفاه الإنسان، ففي هذا الحكم النموذجي ما يدهش البشر في عصرنا الحاضر، وهنا يتبين السر في قول السيدة الزهراء (عليها السلام): (وطاعتنا نظاماً للملة)).
وفي إطار تبيينه لأهم أهداف الاقتصاد الإسلامي، التي يسعى إليها، وقد تحققت في دولة أمير المؤمنين (عليه السلام)، يقول الإمام الشيرازي(قده):
- أن لا يكون هناك فقراء يعانون الجوع والمرض والفقر.
- أن لا تكون هناك مشاريع معطلة.
- أن لا تبقى طاقات إنسانية، أو غير إنسانية عاطلة.
- أن لا يبطر الغني.
ويضيف: (الدولة هي المسؤولة عن هذه البنود الأربعة، أما أن لا يكون في المجتمع اختلاف في المستوى المعيشي والمادي فليس مهماً ولا يتمكن أي إنسان أو دولة أن يقول: إني أتمكن أن أوفر التساوي المطلق وهل عليّة الحزب الشيوعي في كل البلاد الشيوعية، يتساوون في الرواتب والمخصصات مع العامل والفلاح والمثقف البدائي؟ والاقتصاد الإسلامي، يقوم بدور البنود الأربعة فلا فقراء في الدولة الإسلامية ولا مشاريع معطلة ولا طاقات معطلة ولا يتمكن الغني من البطر).
ومن المغالطات الشائعة، أن الرأسمالية الحديدة (التي بات فشلها واضحاً) تدعو (وتفتخر) الى حرية اقتصادية واسعة، وهي – ولا أقل منها - غير موجودة في الاقتصادات الأخرى، ومنها الاقتصاد الإسلامي، وهو ما ينفيه الإمام الشيرازي، بل يؤكد في سلسلة كتاباته، أن الحرية الإقتصادية التي يوفرها الإسلام تفوق وتتسع على الحريات التي يحلم بها الرأسماليون اليوم، وما القيود – المحدودة – التي يفرضها الإسلام إلا لتطهير الذات والإرتقاء بها، وحفظ الكرامة الإنسانية والمصلحة العامة لمجتمع التي (مصلحة المجتمع) تصب بمصلحة الفرد.
يقول الإمام الشيرازي(قده): إن بيان الاقتصاد في الإسلام يحتاج إلى مجلدات ضخمة لكنا نوجزه في الخطوط الأساسية العامة التي وضعها الإسلام لنفي الفقر والحاجة عن المجتمع وترفيع مستوى المعيشة، والخطوط الأساسية هي.
الأولى: توسيع الحريات في جميع المجالات، فإن الناس حيث كانوا يتمتعون بحرية واسعة في ظل الحكم الإسلامي كانوا يعملون بكل جد وإخلاص، والطريق أمامهم مفتوح، ولهذا كانوا يثرون، وقلما يوجد إنسان محتاجاً، إذ من المعلوم أن المناهج الأصلية للثروة كانت مباحة بجميع أقسامها، ولم يكن عليها ضرائب واتاوات، كما لم تحتاج إلى قيود وشروط، فكان كل إنسان يشتغل ويعمل، وعمله كان يدر عليه الرزق ويفيض عنه، أما في ظل القوانين الوضعية.
فمنابع الثروة محصورة، لا يحق لأحد الانتفاع بها. وما يجوز الانتفاع بها، عليها ضرائب ورسوم. ثم الانتفاع لا يكون إلا بقيود وشروط. ولذا قلما يتمكن الإنسان من الانتفاع بالمنابع الأصلية، وفي صورة التمكن، تأخذ منه الشروط والضرائب كل مأخذ، ولو قلنا إن هذه القيود خفضت مستوى الثروة من المائة إلى العشرين، لم نكن مبالغين. ونمثل لذلك بالعراق، فقد كانت في زمن الإسلام عامرة بالزراعة والعمارة، وفي ظل غير الإسلام، لا نجد إلا الجزء القليل منها عامرة، أما الباقي فخراب ويباب، وبينما كان يعيش من خيراتها أربعون مليون، تحت ظل الإسلام.
الثانية: بساطة جهاز الحكومة في الدولة الإسلامية، وكم ترى من البساطة، في هذا المثال.
حينما فتحت العراق، جاء إليها من المدينة للحكومة ثلاثة أشخاص فقط، والسر أن الجهاز الحكومي موضوع للعدل بين الناس أولاً، وحفظ البلاد من الأعداء ثانياً، ورفع المستويات في جميع الجهات ثالثاً، وحيث أن الحكومة الإسلامية.
شعبية إلى أبعد حد، لا تعترف بالقيود التي تسبب كثرة الأجهزة ، ليست روتينية وإنما سريعة في حل القضايا ، تعمم الثقة بين الناس، بوضع مناهج الإيمان والضمير، لذا لا تحتاج إلى أجهزة كثيرة، فموظفوا الدولة في غاية القلة، ولذا فالمال متوفر إلى أبعد حد، وهذا مما يسبب بدوره رفع المستوى الاقتصادي من ناحيتين.
الأولى: إن الموظف غالباً لا يعمل لنفسه، وإنما يكون كلاً على الآخرين، فإذا قل الموظفون توفر المال الذي يلزم صرفه فيهم، فيتوفر المال عند الدولة، فتقوم بسائر الأمور الحيوية.
الثانية: إن الذين لا يوظفون، يعملون لأنفسهم ويكونون أجهزة الإنتاج، بينما إذا كانوا موظفين، أصبحوا أجهزة الاستهلاك، ولنأخذ مثلاً: إذا كان في بيت عشرة أشخاص، كل شخص يكسب كل يوم ديناراً، فإذا وظفنا من هؤلاء خمسة ـ فرضا ـ كان الدخل خمسة دنانير لعشرة أشخاص، بينما إذا كان الموظف منهم واحداً، كان الدخل تسعة دنانير لعشرة أشخاص.
الثالثة: بيت المال، وكان يجمع المال فيه، من الأخماس، والزكوات، والجزية، والخراج، وقد تقدم معنى الخمس والزكاة والجزية. وأما الخراج فهو حاصل أراضي الدولة التي لها بالحيازة، أو للمسلمين بالمحاربة أو ما أشبه.

12/جمادى الأولى/1435