|
موقع الإمام الشيرازي
يرى فارس حرَّام في مقدمة كتابه (أرض
جاهزة للفاشيين) أن العراق لا زال جاهزاً لظهور نظام فاشي
جديد، بسبب وجود المؤشرات التالية:"جماعات متطرفة، عصابات
تمتهن الجرائم السياسية والعنف، تهييج شعبوي هوياتي، قومي
وديني وفكري، قادة يلتف حولهم أتباع غاضبون مستعدون للقتال لأي
سبب، قمع لأصوات الاحتجاج، وتصفية لمشاريع التنوير
والعقل. ويقول أن أفكار هذا الكتاب تشكَّلت من وقائع ظهرت في
دولة ما بعد ٢٠٠٣ في العراق، لكنّها تتجاوزها أيضاً. وقائع
تؤكد أنّ البلد – ما لم يتمّ فعل شيء يحميه – جاهز لظهور نظام
فاشيّ جديد.
--------------------------------
كتاب (أرض جاهزة للفاشييّن .. تقرير عن
إعدام من لا ينعدم) لمؤلفه فارس حرّام يمثل شهادة موضوعية على
حقبة عاصفة مر بها العراق، وهذه الحقبة ليست سياسية فقط بل هي
أيضاً فكرية وثقافية واجتماعية واقتصادية. بالتالي، هذا الكتاب
هو وثيقة تاريخية تعرض تصويراً دقيقاً وفهماً موضوعياً لعراق
ما بعد 2003.
الكتاب صدر مؤخراً عن دار نابو للنشر
والتوزيع ببغداد، وتترشح أهميته من خلال توزيع نسخاً منه في
عدة جامعات أوربية، ليستفيد الطلبة منه في أبحاثهم حول
العراق. أما مؤلفه فهو باحث وكاتب وأديب وناشط مدني عراقي من
محافظة النجف الأشرف.
أهمية الكتاب تبرز من جهة أن جرائم
الطغاة تفوق الوصف؛ بحسب المؤلِّف، وتفجر حدود القوانين التي
استحدثت مصطلحات إضافية مثل "جريمة حرب" و"إبادة جماعيّة"
لتستوعب زخم الفظائع المتدفقة من الحرب والسلطة الجائرة،
لافتاً: في العراق.. لدينا المجيء بصدام وأعوانه الى المحكمة
بقضية جزئية.. الدجيل، في حين الأنظمة الفاشستية تتجاوز قانون
العقوبات الى قرارات مصيرية تدمر شعوباً.
هذا الكتاب الفكري يحلِّل وقائع محاكمة
طغاة العراق وإيطاليا وألمانيا.. البعثيين والفاشيين
والنازيين، ثم يوضح كيف أنه لا يمكن اختزال الديكتاتورية في
مؤسسة أو حزب أو فرد؛ بل على العكس من ذلك، فهي تتجاوز حدث
إعدام الطاغية أو الديكتاتور أو حظر حزبه. فإن الهوس بالفاشية
لا يزال قائما في ألمانيا، ولا تزال فرنسا تشعر بالقلق من
عودتها، لأن الفاشية لم تُكافَح بشكل يساعد على طوي
حقبتها. لذلك، لا يمكن للديمقراطية الفاسدة أن تكون وسيلة
لبناء حياة سياسية وثقافية وإنسانية صالحة.
أيضاً، يتطرق الكتاب لموضوع مهم في
تاريخ البلدان التي تخرج من حكم الأنظمة المستبدة وهو جمهور
النظام الفاشي، وكيف يمكن للمجتمع الذي تحرر من حكم استبدادي
أن يواجه خطر صعود الفاشية مرة أخرى بعد اجتثاث شخوصها، وذلك
يكون من خلال المحاكمة الثقافية لسلوك الطاغية؛ بحسب رأي
المؤلِف.
يستعرض مؤلِّف الكتاب؛ فارس حرّام،
بطريقة تاريخية المحاكمة القانونية لقادة النازية في محكمة
نورنبيرغ ومُحاكمة صدام بقضية الدجيل. أيضاًـ، يتناول الكاتب
السياقات القانونية المعتمدة في ذلك، ثم يمر على لحظات يتصاعد
فيها الخطاب السياسي للطغاة في المحكمة، ويُسمي الكاتب هذا
الخطاب بـ وجهة نظر الطغاة في الحُكم، ويُحاكي ذلك بطريقة
المُداخلة التاريخة والمحاججة مع الطغاة، ويكشف فيها تناقضاتهم
وافعالهم على مر فترة تسلمهم للسلطة، ويصف سلوكهم (بالانتقال
بين الاضداد لمن يتشبثون بالسلطة)، ويتخذ من صدام العلماني في
السبعينات، وصدام الثمانينات والحملة الايمانية في التسعينات،
وموسوليني الملحد قبل السلطة والمؤمن بالفاتيكان قبل تسلم
السلطة بسنة واحدة انموذجاً.
كما يتطرق الكِتاب لعراق ما قبل صدام
وبعده، وأثر القوانين والسلوك الاجتماعي بعد ٢٠٠٣ الذي يُنذر
بفاشية جديدة ما لم تواجَه هذه الفاشية بسلوك جمعي يحاججها
ليحمي النظام الديمقراطي.
وفقاً لرأي وقراءة ناقدين وأكاديميين،
أن مايميز الكتاب أنه كُتب بنفس حُر يتجنب الميول والانتماءات،
فلا يشعر القارئ وهو يتصفح الكتاب أن المؤلِّف يحاول تسليط
الضوء على حقبة معينة دون أخرى، كما أن المؤلِّف سرد تفاصيل كل
مرحلة.
يقول المؤلِّف أن أفكار هذا الكتاب
تشكَّلت من وقائع ظهرت في دولة ما بعد ٢٠٠٣ في العراق، لكنّها
تتجاوزها أيضاً. وقائع تؤكد أنّ البلد – ما لم يتمّ فعل شيء
يحميه – جاهز لظهور نظام فاشيّ جديد.
أيضاً، الكتاب يناقش حالة البلدان التي
سقطت فيها الأنظمة الفاشيّة، منطلقاً من حالة العراق،
مقارَنَةً بحالات مشابهة أبرزها ألمانيا بعد النازية، ويقدّم
مجموعة من الأسئلة. مثلاً: هل كنّا على صواب حين حاكمنا
صدّاماً وأعوانه محاكمة جنائيّة - مادية فقط وأهملنا محاكمة
القيم التي تبنّوها؟ خطأ ارتكبته ألمانيا من قبل في محاكمة
نورنبيرغ. هل كنّا أيضاً على صواب حين ركّزنا إجراءات الاجتثاث
في الرموز والأسماء والسيرة الذاتية للمتّهمين وأغفلنا معالجة
البيئة والجمهور؟ قبل ذلك وبعده هل كان صدّام والبعث – وحدهما
– الممثلين الوحيدين لقيم الاستبداد في مجتمعنا؟ لماذا لم تنجح
إلى الآن معالجة إرث الاستبداد في الدول الخارجة منه إلى
الديمقراطيّة كألمانيا والعراق؟ لماذا يبدو العمل القضائيّ
والسياسيّ في هذه المعالجة أقرب إلى العبث؟ هذه الأسئلة تمثّل
قاعدة انطلاق لأسئلة أكثر حدّة وعمقاً تضيء موقع القيم نفسها
في تشكيل الأحداث السياسيّة بصورة عامة وتضرب الأمثلة
بتجربتَيْ ألمانيا والعراق مع التركيز على الأخير؛ وتتجه إلى
صياغة منظور شامل لهذه المعضلة وتقترح حلاً يتمثّل في فكرة
"المحاكم الثقافيّة للاستبداد.
فكرة الكتاب الرئيسية تتمثل بإقامة
محكمة ثقافية للاستبداد ترافق المحاكم الجنائية التي تقام
عادةً للمستبدين الكبار بعد سقوط أنظمتهم كما حصل في تجربتي
ألمانيا والعراق بعد انهيار النظامين الفاشيين فيهما كما كان
العرض قد تناول مسألة المحدودية في امكانية المحاكم الجنائية
لمواجهة إرث الاستبداد.. فإرث الاستبداد هو ارث ثقافي ويحتاج
الى آليات ثقافية لمواجهتهه وليس كافياً قطاعي التربية
والتعليم وليس كافياً أن يتم تغيير قطاعي التربية والتعليم
وقطاع الثقافة أيضاً وليس كافياً تغيير رموز دالة على
الاستبداد من الحقبة الدكتاتورية وليس كافياً اجتثاث القادة
بالرغم من أن مشكلة الاجتثاث نفسها فيها مشكلات انسانية وغير
انسانية.
أيضاً، الكتاب يحلّل ظاهرة الفاشيّة
الجديدة في العراق، محاولاً تعميم بعض العوامل المنتجة لها،
بالمقارنة مع بعض البلدان، ومن هنا كان للكتاب بُعد فلسفيّ.
ويشير مؤلِّف الكتاب الى أن الجمهور
الفاشيّ أخطر من قائده، لأنّ كلّ قائد يكتسب نفوذه مما عنده من
تابعين، فإنْ قلّوا ضعف. كان الكواكبي يقول في كتابه "طبائع
الاستبداد" إنّ "العوام هم قوّة المستبدّ وقُوْتُه". لهذا فإنّ
معالجة الجمهور الفاشيّ هي الأهم في كلّ عمليّة انتقال من نظام
مستبدّ إلى ديمقراطيّ، فضلاً عن استمرار هذه الأهمية طوال عمر
النظام الديمقراطيّ نفسه.
ويضيف المؤلِّف أنه في حالة العراق
الحاليّة، يقترب الإحباط من الديمقراطيّة إلى الارتداد
المعاكس، إذ بلغ فقدان الثقة بالنظام السياسيّ حديث الناس في
كلّ مكان، وأصبح القمع الدمويّ للاحتجاجات علامة انحلال في
أخلاقيّة النظام. وتحوّلت الانتخابات إلى تثبيت روتيني لقوى
السلطة في الحكم، وسط ضعف عام في المشاركة. حتى أخذ الناس -
بدلاً من الدفاع عن نظامهم الديمقراطي الوليد - يطلبون ظهور
مستبدّ قويّ يشفي بلادهم من الأحزاب المتصارعة وجماعات السلاح
المسيطرة على كلّ شيء. يطلبونه، حتى لو كان الثمن فقدان
حريّتهم من جديد. كما أخذت تظهر عند آخرين أعراض متلازمة
ستوكهولم، فأصبح صدّام فجأة حنوناً في نظرهم على الشعب،
وعادلاً وحكيماً. إنّ أيّ جولة سريعة في وسائل التواصل
الاجتماعيّ العراقيّة، في ظرف السنوات القليلة المنصرمة، تظهر
الكمّ الهائل للمحتوى الصدّامي والبعثي، والدعاية لصالح عهده
بنفس الأوهام القديمة، وكأنّ شيئاً لم يحدث. وقد زاد المشهد
غرابةً التغذية التي تقوم بها قوى النظام السياسيّ الحاليّ
للمدّ الفاشيّ الجديد، عبر قنوات وسبل مختلفة، فغالبيتها تغرف
من النهر نفسه. أمّا الجمهور الفاشيّ، وهو الثقل الأخطر في
الميزان، فقد سيطر عليه التنويم الأيديولوجيّ الذي يقوده
فاشيّون صغار بأحلام كبيرة، وبات - حاله حال من تعميهم الأحداث
- يسير نائماً بالبلاد إلى آفاق خطيرة.
تحدث المؤلِّف، فارس حرّام، عن كتابه
قائلاً إنّ الإرادة السياسيّة التي أسست محكمتي نورنبيرغ
والدجيل لم تفكر بهذه المسألة التي تهدد المستقبل: الوقاية من
ظهور مجرمي حرب وإبادة واستبداد آخرين في عصرٍ لاحق. انصبّ
اهتمام مؤسسي النظام الجديد على معالجة اللحظة التي كان البلد
يمرّ فيها، فقطعوها من سياقها الثقافي العميق، وفضلاً عن ذلك
عمّقت أخطاء معالجاتهم نفسها الصراع، لأنّها قامت على الانتقام
أكثر من التفنيد. حتى المحاكم الجنائيّة التي أقاموها كانت
محاكم منتصرين أكثر منها محاكم عدالة طويلة الأمد، كانت
مستعجلة وفيها ثغرات قانونيّة جسيمة تحدث عنها المتخصصون
وأشرنا لبعضها فيما سبق.
ويضيف: لقد نبّه بول ريكور (كما أشرنا
في الفصل الثالث) إلى الحسم الذي يتمتع به حكم المواطن على
فظائع الماضي، مقابل كلٍّ من الحكم الجنائيّ والحكم التاريخيّ،
وكيف أنّ الجهد المبذول في قاعات المحاكم والمؤلفات التاريخيّة
سيؤول في النهاية إلى موقف من الناس عموماً ضدّ الاستبداد،
يزيد أو ينقص بناءً على مجموعة معقدة من الظروف، لكنّ المؤكد
أنّ المعالجة الثقافية التقليدية لإرث النظام الفاشيّ، كإصلاح
نظامَيْ التربية والتعليم وترويج القيم الديمقراطية، يمكن أنْ
تكون مفيدة عندما تتوجه إلى جمهور لم تصبه بعد لوثة الفاشيّة،
وتجعل "حكم المواطن" بتعبير ريكور حكماً منصفاً لضحايا
الاستبداد، يدين زعماءه. لكنْ يبقى في الأخير الجمهور الأخطر،
جمهور المستبدّين أنفسهم، أو ما يمكن تسميته "الجمهور
الفاشيّ". هؤلاء هم لبّ الصراع وشوكة الحلق. ما سبيل المجتمعات
الخارجة للتو من الاستبداد إلى الديمقراطية للتعامل معهم؟
ويوضح المؤلِّف أن الجمهور الفاشيّ لديه
إرادة تأويل مسبقة تصوغ مواقفه وتقدّم تفسيرات محسومة ونهائيّة
(علمانية كانت أو دينية) لأحداث التاريخ وأصناف المجتمعات
والطبقات ومشاريع المستقبل وسبل حماية هويّة الجماعة التي
ينتمون إليها، وباختصار: كلّ شيء. وبدلاً من ثنائيّة "الشبيه
والمختلف"، تترعرع لدى هذا الجمهور ثنائيّة "الصديق والعدو"،
ويتخذ هذان التصنيفان صوراً نمطية للناس عندهم، من خلال ميزان
الاتفاق والمخالفة، أما أداة الحوار الوحيدة التي في أيديهم
فهي التهديد المستمر بالعنف. هذا يجعل إقناعهم بوجهة نظر
مخالفة أمراً شديد الصعوبة، ويقترب من المستحيل. إرادة تأويلية
شكّلتها عناصر وظروف مختلفة، أوّلها من دون منازع الإعجاب
بقائدٍ ثم - لاحقاً - الولاء غير المحدود له.
ويؤكد المؤلِّف أن تفنيد فكر القائد
الفاشيّ بحضوره شخصياً يغدو بمثابة مشروع تفتيت لجمهوره. إذ
بعد كلّ الإعجاب الذي يبدونه نحو "سلوكه وقوته وشجاعته وحدة
ذكائه" يبقى العامل الأهم في هذا الإعجاب: قدرة القائد على
الإقناع بقضاياه التي يحارب من أجلها. وهنا بالضبط، في هذه
الزاوية التي يراها مصدر قوته، تكمن نقطة ضعفه. إذ لم يسبق له
أن جُوبه بحوارٍ من خصوم أقوياء يدافعون عن الحرية (من طبيعة
الفاشيّين أنْ لا يسمحوا بمثل هذا الحوار ما داموا قادرين على
قمعه)، ومع الأسف لم يسعفنا التاريخ بمشاهد تفنيدية حاسمة ضدّ
القادة الفاشيّين، إذ حالت نهاياتهم الدراماتيكية دون فرصة
تقويض قدراتهم على الإقناع، وإظهار ما فيها من تناقضات وأوهام
كانوا يسوقونها جميعاً لكي يقبضوا على السلطة، ويبقوا فيها.
أمّا من بقوا أحياء منهم فقد اكتفى المنتصرون عليهم بمحاكمتهم
جنائياً، بالصورة الميكانيكية التي لا تستطيع أيّ محاكمة
جنائيّة تجاوزها، فكانت فرصة جديدة لهم لإظهار براعتهم في
الخطابة السياسيّة والجدال أمام قضاة مضطرين إلى الصمت أو
التركيز على إجراءات المحاكمة، كما حدث في محاكمَتَي نورنبيرغ
والدجيل.
15/ شهر رمضان/1445هـ |