موقع الإمام الشيرازي
كتاب جديد بعنوان "العراق في مواجهة
العالم: صدام والولايات المتحدة الأميركية ونظام ما بعد الحرب
الباردة" يبحث في علاقات العراق الخارجية في المرحلة الأخيرة
من عهد صدام حسين، ويدور حول سؤال محوري مفاده: كيف أصبح
للعراق قبل 2003 بتلك الأهمية لدى دول كبرى في مقدمتها
الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها، والاتحاد السوفيتي
(روسيا لاحقاً).
هذا الكتاب يُسهم في رصد مكامن الإخفاق
والتَوفُّق ومصادر الخلل في تلك السياسة والنتائج المستخلصة،
وفي إعادة النظر في الدبلوماسية العراقية قبل 2003 والسلوك
الأمريكي تجاهها، الأمر الذي لاقى إهمالاً بيّناً من المؤرّخين
والمتخصصين بتلك المرحلة ومدوِّني وقائعها.
الكتاب من تأليف ساميول هلفونت (Samuel
Helfont) الذي يكشف في كتابه عما أسماها بالإستراتيجيات غير
المعروفة إبّان حكم النظام السابق لا سيما في العقد الأخير
منه، ويتتبع كيفية رسم سياسته الخارجية، ومواجهته المجتمع
الدولي وطريقة تعامله مع العقوبات المفروضة وعمليات التفتيش
ومحاولة التأثير في المنظومة العالمية التي بدأت تتشكّل في
عالم ما بعد الحرب الباردة، وسعيه لتفكيكها وتفريق خصومه.
الكتاب باللغة الإنكليزية، وصدرت طبعته
الأولى في العام 2003، وترجمه الى العربية المترجم علي الحارس،
وتم نشر هذه الترجمة بالتنسيق مع مطبعة جامعة أكسفورد، إحدى
أشهر جامعات الأبحاث البريطانية.
وصدر الكتاب عن مركز الرافدين للحوار
(RCD) الذي يحرص على انتقاء الدراسات الرصينة التي تشكّل إضافة
نوعية ومهمة للمكتبة العربية، من حيث تحليلها للأحداث ذات
الجذور التاريخية لتعزيز وعي الإنسان بحاضره ومستقبله، وتزويد
النخبة القائدة والمفكِّرة بوسائل تعينهم على تفسير الظواهر
المحلية والدولية وكشف جميع أبعادها، ويعمل المركز على تأليف
ونشر وطباعة وتوزيع النتاجات العلمية والبحثية بمختلف
الاتجاهات بمهنية ودقة عالية، وبشكل دوري ومستمر دعماً للجهود
العلمية والفكرية والثقافية في البلاد.
في الكتاب، يحاول المؤلف أن يجد
الإجابة؛ بعيداً عن الأفكار النمطية والسرديات الشائعة
والمتأثرة بالمصادر الغربية حصراً، بل يبتغي عوضاً عن ذاك
إضافة وجهة النظر العراقية لسدّ الثغرات الحاصلة في رواية
وقائع تلك المدة، متسلّحاً برؤيته التحليلية الفاحصة،
ومستعيناً بما وجده من آلاف الوثائق والسجلات المحفوظة في
أرشيفات أمريكية وبريطانية وأممية، وهو ما أتاح له الاطلاع على
ملفات حزب البعث العراقي في الخارج، لم تصل إليها أيدي
الباحثين قبله، وهي تقارير سرية كان يرسلها الدبلوماسيون
العراقيون في العواصم الأجنبية عن تحركاتهم وأنشطتهم
واتصالاتهم مع فئات مختلفة هناك.
يجدر الإشارة الى أن مطالعة المؤلِّف
للمصادر الجديدة وتمحيصها، بالإضافة إلى دراسات أكاديمية
وعالمية ومذكّرات شخصية ورحلاته المتكررة إلى الشرق الأوسط،
وفّرت له إمكانية واسعة لكشف الاستراتيجيات العراقية غير
المعروفة إبّان حكم نظام صدّام حسين لا سيما في العقد الأخير
من عهده، وتتبع كيفية رسم النظام لسياسته الخارجية ومواجهته
المجتمع الدولي وطريقة تعامله مع العقوبات الاقتصادية المفروضة
وعمليات التفتيش ومحاولة العراق في مواجهة العالم التأثير على
المنظومة العالمية التي بدأت تتشكّل في عالم ما بعد الحرب
الباردة وسعيه لتفكيكها وتفريق خصومه، والحصول على دعم قوى
متعددة، بواسطة تطوير أدوات سياسية واقتصادية ذات تداخالت
عميقة مع الغرب والشرق ومجتمعاتهم.
ولا ريب، فإن مناقشات المؤلف وحججه
الدقيقة تحظى بأهمية بالغة في الأوساط الأكاديمية، ليس فقط
لكونه يعمل باحثاً مختصّاً في الشؤون الاستراتيجية والسياسية
بكلّية الحرب البحرية الامريكية، ومحاضرِاً في معهد الدراسات
العليا البحرية بمونتيري، بل لدعوته إلى قراءة جديدة لوضع
العراق في قلب المعادلة الدولية آنذاك، بوصفه مركزاً للصراعات
بين الأطراف الفاعلة، ومؤثراً على (شكل) و(شدّة) التوتّرات
العالمية.
يكشير المؤلف للدور غير طبيعي للعراق في
حياته، مبيناً أن "هذا الأمر يشبه حال الكثير من الأمريكيين في
المجالات الأكاديمية والعسكرية والدبلوماسية وأوساط المراكز
الفكرية ودوائر الاستخبارات."
ويضيف "كان التساؤل عن السبب أحد
الأسئلة التي دفعتني إلى إجراء هذا البحث، إذ كيف أمكن لبلد
متوسّط المساحة؛ العراق، ويقع على الجانب الآخر من العالم، أن
يهيمن على السياسة الخارجية الأمريكية وعلى حياة الكثير من
الأمريكيين طوال ما يقارب ثلاثين عامًا؟"
وفي معرض إجابته يقول "كانت هنالك
محاولات كثيرة للإجابة على هذا السؤال وفقًا لوجهة النظر
الأمريكية، وهو نمط شائع جدًّا، ولكنّه مضلّل، اتّصفت به
المقاربة المتمحورة حول أمريكا في تناول تاريخ العالم؛ أمّا
أنا فأرى بأن ّ تأريخ الشرق الأوسط ووجهات النظر المتداولة فيه
قد سدّت الثغرات، وصحّحت الأخطاء الفادحة أحيانًا، التي تعاني
منها السرديات القائمة على المصادر الغربية حصرًا. وبموازاة
ذلك، يحاول هذا الكتاب أن يضيف وجهة نظر عراقية حول الروايات
التأريخية الأعم لمرحلة ما بعد الحرب الباردة؛ وإنّني آمل
أيضًا أن يعين القارئ على فهم كيفية وصول العراق إلى حد ٍّ
أصبح يؤدّي فيه هذا الدور المفرط في تاريخ العالم خلال العقود
الثلاثة المنصرمة."
يوضح المؤلف أن جذور هذا الكتاب تعود
إلى "بحث أجريتُه خلال تأليفي كتابي السابق؛ (الإكراه
في الدين.. صدّام حسين والإسلام وجذور التمرّدات في العراق)،
فبينما كنتُ أعمل في ثنايا الأرشيف البعثي في معهد هوڤر،
اطّلعتُ على منظّمة غيّرت اسمها مرّات عدّة ولكنّها ظّلت تحمل
عمومًا اسمًا يشابه (حزب البعث العراقي خارج العراق)، ممّا
أثار فضولي، ولم يكن أحد ٌ ممّن أعرفهم قد سمع بهذه المنظّمة،
ولم أجد ذكرًا لها في أيٍّ من المؤلّفات الأكاديمية التي
تناولت العراق، ولكنّها كانت ذات دور بارز في الوثائق الداخلية
للنظام العراقي. وما إن بدأتُ بقراءة ملفّات هذه المنظّمة حتّى
لاحظت أنّها كانت ذات دور مركزي في الاستراتيجيات العراقية
الدولية إبّان حكم نظام صدّام حسين."
الكتاب غني جدا بالمراجع والوثائق التي
استند عليه، وقد وفّرت السجلات المتعلّقة بها فرصة كبيرة غير
مسبوقة للنظر إلى داخل السياسة الخارجية العراقية، ورؤيتها
الشاملة، وصدامها مع المجتمع الدولي في العقد الأخير من القرن
العشرين. وبعد العمل لسنوات على هذه الملفّات تشكّلت عندي نواة
بنيتُ حولها سردية هذا الكتاب، وفقاً للمؤلف الذي يقول:
"أضفتُ طبقات أخرى حول هذه النواة
بالاستفادة من أرشيفات أخرى، في الولايات المتّحدة الأمريكية
وبريطانيا والأمم المتّحدة، بالإضافة إلى دراسات
لمؤلّفين آخرين، ومذكّرات شخصية، وتقارير عالمية موجّهة
للعموم. وأنا آمُلُ أن تساهم نتيجة جهدي هذا، لا في التأريخ
العراقي والأمريكي فحسب، بل في التأريخ الدولي والعالمي لمرحلة
ما بعد الحرب الباردة بشكل أعمّ."
يكشف المؤلف أن المؤلّفات المستندة إلى
أرشيف العراق البعثي تندرج، جوهريًا، في تصنيفين تقريبًا:
المؤلّفات التي استخدمت مجموعة واسعة من
المصادر العربية (ومنها وثائق حزب البعث) ولكنّها صبّت معظم
تركيزها على التاريخ المجتمعي والسياسي المحلّي.
والمؤلّفات التي تتعامل غالبًا مع
التاريخ العالمي والدراسات الاستراتيجية ولكنّها لا تستخدم سوى
المصادر المكتوبة بالإنگليزية.
وهذا الكتاب يجسّر الفجوة بين النوعين،
فهو يشبه "الجيل الجديد" من المؤلّفات التاريخية العراقية في
استخدامه لمجموعة واسعة من المصادر سعيًا لتطوير سردية ثرية
ودقيقة حول التاريخ السياسي والمجتمعي للعراق، ولكنّه يطبّق
هذه المقاربة على قضايا عالمية وإستراتيجية أوسع لم يدرسها،
حتّى يومنا هذا، إلا أشخاص ليسوا من المختصّين بالشؤون العربية
غالبًا، ولا يمكنهم الاطّلاع على كل ّ المصادر التي تناولت
العراق البعثي.
وثمّة تنويه أخير لابد ّ من إيراده حول
المصادر، إذ يعتمد الكتاب على أرشيفات متنوّعة من أمريكا
وبريطانيا ومنظّمة الأمم المتّحدة، ومجموعة من الأبحاث
الشخصية، والمذكّرات باللغتين الإنگليزية والعربية، والإعلام
الشعبي؛ ولكن ّ مصادره الأهمّ هي السجلات الداخلية لنظام صدام،
وهي سجلات تتصف، كما هو حال السجلات الأرشيفية، بالخصوصيات
والانحياز والمعضلات الأخلاقية التي يجب على الباحثين أخذها
بالحسبان.
وفضلاً عما سبق، فعلى الرغم من أن ّ
الملفّات العراقية تقدّم تفاصيل مدهشة، فإنّها لا تقدّم الصورة
الكاملة، وفقاً للمؤلف الذي يقول "سجلات وزارة الخارجية تعرضت
للتدمير، والأغلبية الغالبة من الملفّات الناجية، ممّا يتّصل
بموضوع الكتاب، تندرج في نوعين متمايزين:
أوّلهما سجلاّت الدولة العراقية التي
صادرها الجيش الأمريكي في العام (2003)، وقد ترجمت وزارة
الدفاع الأمريكية وأصدرت أقل من مئة ألف صفحة جرى انتقاؤها من
مجموعة يُقدَّر عدد صفحاتها بأكثر من مئة مليون صفحة. وقد
أُعيدت الملفّات المادّية إلى العراق في نهاية المطاف، ولكنّها
كانت متوفّرة للباحثين لبعض الوقت على هيأة نسخ رقمية في مركز
أبحاث سجلات النزاعات (CRRC) التابع لجامعة الدفاع الوطني في
العاصمة واشنطن (ولم يعد هذا المركز موجودًا في الوقت الحالي).
وتحتوي هذه الملفّات وثائق قيّمة من جهاز الاستخبارات
العراقية، والجيش، ونصوص تسجيلات اجتماعات مغلقة أجراها صدّام
مع كبار مستشاريه. وجرى نشر بعض هذه الوثائق مجمّعة في أجزاء،
ولذلك فهي متوفّرة على نطاق واسع.
أمّا النوع الثاني من السجلات المتصلة
بهذا الكتاب فهي الأرشيف الكامل غير المترجم للأمانة العامّة
لحزب البعث العراقي في بغداد، والذي حصل عليه معارضون عراقيون
في العام (2003) ووجد طريقه في نهاية المطاف إلى أرشيف معهد
هوڤر في جامعة ستانفورد. وقد أُعيدت الملفّات الأصلية إلى
العراق، لكن النسخ الرقمية ما تزال متاحة للباحثين. ويتضمّن
هذا الأرشيف حوالي عشرة ملايين صفحة، ولا يضاهيه أيّ أرشيف
آخر، حتّى الآن، في ما يقدّمه من معلومات تفصيلية حول السياسة
العراقية في عهد صدّام. ومع ذلك، فحتّى هذا الأرشيف لا يقدّم
لنا الصورة الكاملة في كل الأحيان فهو لا يحتوي إلا الملفّات
التي احتفظت بها الأمانة العامّة للحزب، أمّا تفاصيل الاحداث
اليومية فلم تكن تُرسَل إلى بغداد دائمًا، ممّا يجعل ملفّات
الأمانة العامّة لا تقدّم في بعض الأحيان سوى لمحات عامّة
وملخّصات لنشاطات المنظّمات البعثية العاملة في أنحاء العالم.
والمؤرّخون الذين يتعاملون مع هذه الملفّات يطّلعون على مقادير
ضخمة من المعلومات حول بعض العمليات البعثية، ولكنّهم لا
يطّلعون إلا على القليل مما يخص العمليات الأخرى، باستثناء
وقوعها وحسب؛ ومع ذلك، فإنّ المعلومات المتوفّرة في ملفّات
الأمانة العامّة أكثر من كافية لإعادة رسم صورة لاستراتيجيات
النظام العراقي وعملياته، لكنّها صورة لا تخلو من الثغرات.
4 / شهر رمضان المبارك / 1446هـ