فساد الأدوية في لبنان .. أزمة إنسانية وأخلاقية


 

النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): "ألا أنبئكم لِمَ سُمي المؤمن مؤمناً؟ لائتمان الناس إياه على أنفسهم وأموالهم. ألا أُنبّئكُمُ مَنِ المسلم؟ مَنْ سلم الناس مِنْ يده ولسانه" (بحار الأنوار: ج64–ص60)

 

موقع الإمام الشيرازي

 

في بلد أنهكته الأزمات، لا كرامة تُستعاد ولا دولة تُبنى، إنْ لم يبدأ من أبسط حق إنساني؛ ألا هو "الحق في العلاج الآمن." الدواء ليس ترفاً ولا سلعة، بل حياة. فلا تقتلوا ما تبقى من ثقة، ولا تدفنوا الأمل تحت أكوام الأدوية المغشوشة.

 

في وقت يعيش فيه لبنان إحدى أسوأ أزماته الاقتصادية والاجتماعية، وفي ظل آثار الحروب المتراكمة والتوترات المستمرة التي تمزق أوصال الدولة، تواجه البلاد فضيحة مدوية من العيار الإنساني الثقيل: تهريب وتزوير أدوية لعلاج السرطان وأمراض مزمنة، تباع للمرضى الأبرياء عبر صيدليات ومواقع مشبوهة، بلا رقابة، وبلا ضمير، وبلا رادع.

وهو واقع دوائي وصحي مُلَوَّث ومأزوم يقارب الواقع في العراق.

فقد كشفت التحقيقات القضائية الجارية في يونيو 2025 عن شبكة تهريب أدوية سرطانية مزورة ومنتهية الصلاحية، تم تمريرها عبر مطار رفيق الحريري الدولي بقيمة تتجاوز 50 مليون دولار خلال عام واحد فقط، في واحدة من أكبر قضايا الفساد الطبي في تاريخ لبنان.

وما زالت أزمة فساد الأدوية في لبنان واحدة من أخطر التحديات التي تهدد حياة المواطنين، خاصة الفئات الفقيرة ومرضى الأمراض المزمنة مثل السرطان. تصاعدت هذه الأزمة في السنوات الأخيرة بسبب الانهيار الاقتصادي، وضعف الرقابة، وتفشي الفساد في القطاع الصحي. وقد كشفت مؤخراً تحقيقات عن شبكات منظمة لتهريب وتزوير الأدوية، بما في ذلك أدوية السرطان، بمشاركة أطراف محمية سياسياً، مما يفاقم معاناة المرضى ويعرض حياتهم للخطر.

وقائع وأرقام

التحقيقات القضائية، في (يونيو 2025)، أعلنت عن شبكة تهريب أدوية سرطانية مزورة ومنتهية الصلاحية عبر مطار رفيق الحريري الدولي، بقيمة تجاوزت 50 مليون دولار في أقل من عام.

ووفقاً لنقيب الصيادلة جو سلوم، تقدَّر قيمة الأدوية الفاسدة في السوق اللبناني بحوالي 300 مليون دولار، بينما يصل حجم الأدوية المدعومة المهربة إلى الخارج إلى مليار دولار. وتشمل الأدوية المزورة علاجات للسرطان وأمراض مزمنة أخرى، يتم ترويجها عبر الصيدليات المتواطئة ومواقع التواصل الاجتماعي، دون خضوعها لفحوصات جودة.

وذكرت مصادر إعلامية أن "امرأة"، زوجة شقيق نائب لبناني، متورطة كـ"عرابة" لهذه الصفقات، مع ادعاءات بأنها تعمل مع "ناس كبار" في البلد.

في الوقت، يعاني مرضى السرطان من نقص حاد في الأدوية الفعالة، مما يدفعهم لشراء أدوية مهربة أو مزورة من السوق السوداء بأسعار مرتفعة. على سبيل المثال، اضطرت إحدى المريضات لدفع 900 دولار لشراء دواء غير متوفر، لتكتشف لاحقًا أنه غير فعال.

وبحسب هاني نصار، رئيس جمعية بربارة نصار لدعم مرضى السرطان، فإن الأدوية المزورة أدت إلى تدهور حالات المرضى، وفي بعض الحالات إلى الوفاة، بسبب عدم فعاليتها أو آثارها الجانبية الخطيرة. فيما أشار الدكتور جان الشيخ، متخصص في سرطان الدم، إلى أن الأدوية المهربة غير المفحوصة قد تتسبب في مضاعفات خطيرة أو الوفاة.

ضعف الرقابة والفساد

يعود تفاقم الأزمة إلى غياب الرقابة الفعالة من وزارة الصحة والجمارك، مما سمح لشبكات التهريب بالعمل بحرية عبر المرافئ الشرعية وغير الشرعية.

هذا، وأكد نقيب مستوردي الأدوية كريم جبارة أن حوالي 35% من سوق الدواء في لبنان يعتمد على التهريب غير القانوني، مما يشمل أدوية مزورة تدخل من دول مثل إيران، وسوريا، وتركيا. وقد تم تسجيل مئات الأدوية غير المطابقة للمعايير العالمية، مما يجعل المريض اللبناني "حقل تجارب" لتجار السوق السوداء.

في المقابل، أطلقت وزارة الصحة اللبنانية برامج مثل "MediTrack" و"أمان" لتتبع الأدوية السرطانية، باستخدام تقنيات مثل الرقم الصحي الفريد (Unique ID) ومسح الوجه لضمان عدم التزوير. وقد سحبت الوزارة عدة دفعات من الأدوية غير الصالحة من الأسواق بناءً على قرارات وزارية في 2023 و2025. فيما، دعا نقيب الصيادلة جو سلوم إلى إنشاء مؤسسة مستقلة لتسعير الأدوية والتدقيق في جودتها، لضمان أسعار عادلة ومنتجات آمنة.

الانهيار الاقتصادي ورفع الدعم

في السياق، فإنه منذ بدء الأزمة الاقتصادية في 2019، تقلصت فاتورة استيراد الأدوية من مليار دولار إلى 550 مليون دولار في 2023، بسبب نضوب احتياطيات العملة الصعبة. كما تم رفع الدعم عن معظم الأدوية في نوفمبر 2021 أدى إلى ارتفاع أسعارها أربع مرات، مما دفع المرضى إلى السوق السوداء.

بموازاة ذلك، تورط أقرباء شخصيات سياسية معروفة، يشير إلى حماية سياسية لشبكات التهريب، مما يعيق التحقيقات والمحاسبة.

بالإضافة الى ضعف التنسيق بين وزارة الصحة، والجمارك، والنقابات يسمح للأدوية المزورة بالدخول عبر قنوات رسمية. بينما الأدوية المهربة لا تخضع لفحوصات مخبرية، مما يعرض المرضى لمخاطر صحية جسيمة. كما أن انتشار الصيدليات غير الشرعية والبيع عبر الإنترنت يزيد من صعوبة السيطرة على السوق.

وإزاء هذه الفوضى، يستغل "تجار الحقائب" حاجة المرضى الملحة، خاصة مرضى السرطان، لبيع أدوية بأسعار خيالية دون ضمان جودتها. وفيما تكدَّس الأدوية المدعومة في مستودعات خاصة لتهريبها إلى الخارج يحرم المرضى من العلاج الضروري.

تأثير الأزمة على المجتمع

الأدوية المزورة أو منتهية الصلاحية تؤدي إلى تدهور حالات المرضى، خاصة مرضى السرطان، مما يقلل من فرص الشفاء. فيما يضطر المرضى لدفع مبالغ طائلة (مثل 900 دولار لجرعة واحدة) يدفع العديد من العائلات إلى بيع ممتلكاتهم، كما في حالة أب باع سيارته لشراء دواء مزور لابنه. في الوقت نفسه، فإن  تحول لبنان من "مستودع دواء الشرق" إلى سوق فوضوي يهدد سمعته كمركز طبي إقليمي.

وهكذا، فإن فساد الأدوية في لبنان، خاصة أدوية السرطان، يشكل جريمة أخلاقية وإنسانية تهدد حياة المواطنين، خاصة الفقراء. في الوقت، أن غياب المفكرين والمثقفين النقديين وسيطرة الثقافة الشعبوية يقللان من الضغط العام لمحاسبة المتورطين، كما أشار لبنانيون. كما أن شبكات التهريب والتزوير، بدعم من شخصيات سياسية وصيدليات متواطئة، استغلت الانهيار الاقتصادي لتتاجر بصحة الناس، مما أدى إلى معاناة هائلة وخسائر في الأرواح.

ورغم جهود وزارة الصحة ونقابة الصيادلة، فإن غياب الرقابة، والفساد السياسي، وتراجع دور المثقفين النقديين يعيقان الحلول. بالتالي، فإن حل هذه الأزمة الإنسانية والأخلاقية الخطيرة يتطلب إصلاحات جذرية تشمل تعزيز الرقابة، ومحاسبة المتورطين، ودعم الأدوية المدعومة، إلى جانب إحياء دور المجتمع المدني لضمان حق المواطن في دواء آمن وبأسعار معقولة.

13 / ذو الحجة / 1446هـ