![]() |
|
لحظة فاصلة .. حصر السلاح وبناء الدولة وخدمة الشعب
موقع الإمام الشيرازي 2/ رجب / 1447
تشهد الساحة العراقية خلال الأسبوعين الأخيرين تصعيداً سياسياً وأمنياً لافتاً في الموقف الأمريكي تجاه ملف السلاح خارج إطار الدولة، في وقت تتكثف فيه الإشارات الدبلوماسية والعسكرية التي توحي بأن واشنطن تتعامل مع العراق بوصفه في "لحظة فاصلة" لا تقبل التأجيل أو المناورة. ويأتي ذلك في ظل تفاقم أزمات الدولة العراقية، سياسياً واقتصادياً وخدماتياً، وتنامي القلق الشعبي من استمرار نموذج "الدولة الهشّة" أو "اللادولة." في هذا السياق، صدر أول أمس بيان لافت عن مبعوث الرئيس الأمريكي إلى العراق، مارك سافايا، اعتبر فيه أن الأنباء المتداولة عن توجه بعض الجماعات المسلحة نحو نزع السلاح تمثل "تطوراً مرحباً به ومشجعاً"، مشدداً في الوقت ذاته على أن التصريحات وحدها لا تكفي ما لم تُترجَم إلى إجراءات شاملة وغير قابلة للتراجع، تفضي الى تفكيك كامل للفصائل المسلحة وضمان انتقال منظّم لأفرادها إلى الحياة المدنية، وفق إطار وطني ملزم. وأكد سافايا أن الدستور العراقي وسيادة القانون لا يتيحان لأي حزب أو منظمة أو فرد امتلاك تشكيلات مسلحة خارج سلطة الدولة، محذراً من أن العراق يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم: إما المضي نحو السيادة والاستقرار وبناء دولة القانون، أو البقاء في دوامة التفكك وانعدام الأمن، حيث تستغل الجماعات المسلحة موارد الدولة لمصالح شخصية وأجندات خارجية، بما يؤدي إلى تقويض سلطة الدولة من الداخل. وتزامن هذا الخطاب السياسي مع تطور ميداني بالغ الدلالة، تمثل بوصول الكولونيل الأمريكية ستيفانا باغلي إلى بغداد في ديسمبر 2025 لتولي منصب مديرة مكتب التعاون الأمني الأمريكي(OSC-I) . ويُنظَر إلى هذه الخطوة بوصفها مؤشراً عملياً على انتقال واشنطن من مرحلة الرسائل السياسية إلى مرحلة إدارة تنفيذية دقيقة للملف الأمني العراقي، خصوصاً في ما يتعلق بنزع سلاح الفصائل، وتعزيز سلطة القائد العام للقوات المسلحة، وإعادة ضبط التعاون الأمني الثنائي بين بغداد وواشنطن. وتتمتع باغلي بخبرة طويلة في الشأن العراقي، إذ خدمت في البلاد خلال الفترة 2004–2006، وأسهمت في تدريب وبناء قوات الشرطة العراقية في ذروة العنف الطائفي، كما شغلت مناصب دبلوماسية عسكرية رفيعة، وتخصصت في الشرطة العسكرية وإدارة الأزمات، ما يجعل عودتها إلى بغداد خطوة استراتيجية مدروسة في نظر صناع القرار الأمريكيين. هذه التطورات أثارت نقاشاً واسعاً في الأوساط الثقافية والسياسية العراقية. الكاتب والصحافي فلاح المشعل (ذي قار) رأى أن النفوذ الواسع للطبقة السياسية الشيعية جاء أصلاً بقرار أمريكي بعد 2003، لكنه اعتبر أن واشنطن باتت تنظر إلى هذا المسار بوصفه "إجراءً طارئاً خاطئاً"، مع تصاعد القناعة الأمريكية بهشاشة السلطات العراقية واختراقها من قبل الفصائل المسلحة. وحذّر المشعل مما وصفه بـ"الفرصة الأخيرة" أمام هذه الطبقة السياسية، إما الذهاب نحو الدولة الدستورية المدنية، أو مواجهة سيناريوهات أكثر جذرية قد تعيد رسم موقع العراق الإقليمي. من جانبه، تساءل الأكاديمي محمد العبدلي (كربلاء) عما إذا كان حصر السلاح بيد الدولة يمثل رغبة حقيقية أم استجابة لضغوط خارجية، مؤكداً أن نجاح هذا المسار يتطلب خطوات تدريجية ملزمة، وتوقيتات واضحة، تضمن خضوع جميع التشكيلات المسلحة لسلطة القائد العام، بعيداً عن منطق التصريحات القابلة للتراجع. أما الروائي أحمد سعداوي (المهجر)، فدعا إلى التعامل بإيجابية مع أي خطوة فعلية لتسليم السلاح، معتبراً أن الفعل المسؤول، إن كان حقيقياً، يبقى أفضل من مواجهات دامية يدفع ثمنها المدنيون. في حين قدّم أحمد الساعدي، مدير مركز المحافظين للسياسات العامة، قراءة أعمق للمشهد، معتبراً أن واشنطن انتقلت من منطق الردع العسكري إلى استخدام أدوات "القوة الناعمة" من ضغط اقتصادي وتنظيم مالي ودبلوماسي، جعلت استمرار السلاح الأيديولوجي خارج الدولة مكلفاً وصعباً. وفي واشنطن، نقل نزار حيدر، مدير مركز الإعلام العراقي في واشنطن، معلومات وصفها بـ"الخاصة"، تفيد باستعداد الفصائل المسلحة والإطار التنسيقي لتنفيذ المطالب الأمريكية بنزع السلاح وحصره بيد الدولة، مقابل رد أمريكي حاسم يؤكد عدم قبول أي مستقبل سياسي للميليشيات أو أذرعها، وضرورة إنهاء النفوذ الإيراني داخل مؤسسات الدولة والعملية السياسية والاقتصاد العراقي. على الصعيد الاقتصادي، رأى الخبير زياد الهاشمي أن استعادة الدولة لاحتكار السلاح تمثل مدخلاً أساسياً لتحويل الاقتصاد العراقي من "اقتصاد أزمات" إلى "اقتصاد تخطيط"، مؤكداً أن إنهاء السلاح السائب سيقلل مخاطر الاستثمار، ويحد من الفساد وتهريب الأموال والنفط، ويفتح الباب أمام مشاريع استراتيجية كبرى، مثل "طريق التنمية"، ويعيد الثقة بالقطاع الخاص ويعزز السلم الأهلي. في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن العراق يواجه لحظة اختبار تاريخية، تتقاطع فيها الضغوط الدولية مع الحاجة الداخلية الملحّة لبناء دولة قادرة وذات سيادة. وبينما تؤكد واشنطن أن الطريق ما زال مفتوحاً، فإن طبيعة الخطوات المقبلة ستحدد ما إذا كان العراق قادراً على استثمار هذه اللحظة، أم أنه سيواصل الدوران في حلقة الدولة المؤجلة. |